الزبال

الكاتب: نزيه عودة التاريخ: 04 مارس 2014.

imagesER1RVUNS

قصة قصيرة

كان يبدو للغريب عن الحي رجلاً منسياً على قارعة الزمن. لم يكن أحد ليشعر بوجوده لولا ظهوره اليومي في الساعات المبكرة من الصباح وهو يدأب على رفع القمامة من قارعة الطريق ومن الأرصفة الخالية من المشاة باستثناء جندي يحث الخطى إلى قطعته العسكرية بعد إجازة قصيرة أو موظف في مؤسسات الدولة البعيدة نسبياً عن المدينة أو طالب عائد إلى جامعته في محافظة أخرى. هناك فئة أخرى من المارة يصادف مرورهم في الساعات الباكرة وهم من الشباب العائدين من سهرات السمر مع أترابهم. هؤلاء كانوا يلقون التحية عليه وهم يسرعون باتجاه منازلهم وكأنهم يرثون لحال المسكين الذي بدل أن يكون نائماً في بيته كما أغلب الناس يخرج متسلحاً بمكنسته منذ طلوع الفجر. كان هو يبادر الجميع بالتحية مبتسماً وفي أغلب الأحيان لا يسمع الجواب كأن من يمر به لا يتوقع رؤية من يعمل في مثل هذه الأوقات. كان القطاع الذي عهد إليه تابعاً لأحد أحياء حمص الشعبية وكانت تغلب عليه الصبغة التجارية في أدواره الأرضية وفي كثير من الأحيان كانت تتوضع في الأدوار العليا مكاتب لشركات عامة وخاصة. مع هذا فإن قاطني الحي باتوا يعرفون الرجل وينعتونه بـ"أبو عبدو الزبال" ولم يكن هو لينزعج من هذا اللقب. ومن الطُّرف التي تُحكى في هذا السياق أنه صادف وجوده بالقرب من محل الحلواني عندما كان أحد المارة يسأل عن عنوان يقصده في الحي فتناهت إلى سمعه كلمات صاحب المحل:

- عليك بالسير حتى ناصية الشارع وهناك إسأل عن بيت "أبو عبدو الزبال" فالبيت الذي يواجهه هو مبتغاك.

فيقترب "أبو عبدو" بكل هدوء من صاحب المحل ويقول له معاتباً وممازحاً بعد إلقاء التحية:

- بخاف يكون إيمانكم ناقص بدوني يا أبو رضوان!

فينتبه أبو رضوان إلى خطئه فيحاول الإعتذار:

- بعتذر.. ماقصدت الإساءة .. بس شو كان قصدك؟

فيجيب "أبو عبدو" باعتزاز مصطنع:

- أولاً صلي على النبي!

فيردد أبو رضوان بانصياع:

- اللهم صلي على محمد!

فيسأله "أبو عبدو":

- ما هوّي (عليه أفضل الصلاة والسلام)علّمْنا إنو النظافة من الإيمان؟

فيجيب أبو رضوان:

- مزبوط بس لحد هلأ ما فهمت عليك!

فيتابع "أبو عبدو" بنشوة واضحة:

- ومو أنا عم نضفلكون الحارة كل يوم؟

فيجيب أبو رضوان وصبره يكاد ينفذ:

- إي مزبوط ..

فيختتم "أبو عبدو" شرحه وهو يبتسم:

- معناتها إنتو مديونين إلي بحصة من إيمانكم، مزبوط ولا لأ؟

فيعترف أبو رضوان:

إي والله معك حق يا أبو عبدو! من شان الله لا تآخذنا!

فيسارع أبو عبدو ليعاتبه:

- لهْ يا أبو رضوان، أنا بس عم إمزح!

فيحلف أبو رضوان بأغلظ الأيمان على "أبو عبدو" أن يقبل علبة "النمورة" للأولاد، فيقبلها الأخير بطيبة خاطر.

لا بد أن نعترف أن "أبو عبدو" على صغر سنه (

37 سنة) حاز على ثقة أهل الحي ومحبتهم، فهو القادم من إحدى قرى حمص القريبة والباحث عن مصدر رزق يساعد به أسرته ، لم يستطع الحصول على فرصة عمل أفضل. لم يكن يشبه بقية عمال النظافة، فقد كان دائماً حسن الملبس والهيئة، كريم النفس، يحترم الكبير ويعطف على الصغير وكان الكثيرون في البداية على يقين أنه طالب جامعي يمارس العمل في أوقات فراغه ليؤمن مصروفه. كان "أبو عبدو" في بداية حياته يطمح بمتابعة الدراسة الجامعية لكن الظروف الحياتية قد حالت دون ذلك،. إذ لم تكن الأحوال في القرية تساعد والده على كسب ما يكفي لإعالة أسرته الكبيرة فترك المدرسة مبكراً وبدأ يتردد على المدينة بقصد العمل. على مدى ثلاث سنوات مارس الشاب العديد من المهن الحرة ولم يستقر به الحال على مهنة ثابتة حتى نصحه أحد الأقرباء أن يتقدم للتوظف في بلدية حمص، فوظيفة الدولة أضمن ولا تخضع لتقلبات السوق. وفعلاً أخذ "أبو عبدو" بنصيحة قريبه وتقدم إلى البلدية وقبل كعامل نظافة وعين في الحي الذي لا يزال يعيش فيه إلى اليوم. في البداية كان يسافر كل يوم في الصباح الباكر إلى المدينة ويعود إلى القرية مساءً، إلى أن عرض عليه أبو مأمون، أحد تجار الحي أن يعمل لديه حارساً في بيت كان يستكمل بناءه على أطراف الحي. قبل "أبو عبدو" العرض شاكراً، خاصة وأن أبو مأمون وعده بأجر مقبول وسمح له بالسكن في غرفة على الطابق الأول ريثما ينتهي البناء. بعد حصوله على سكن يؤويه تشجع أبو عبدو وحقق أمنية والده وتزوج من ابنة عمه التي تيتمت بعد وفاة والدها بمرض عضال. في قريته كان من شبه المستحيل مخالفة الأهل ، وخاصة أن الموضوع يتعلق بابنة عمه التي كان يكن لها كل المودة ويشعر بالشفقة عليها والحزن العميق على ما أصابها. عاش "أبو عبدو" في الغرفة الصغيرة مع زوجته حتى ولادة إبنه عبدو وصادف هذا انتهاء أعمال البناء فشفق أبو مأمون عليه بعد أن عرف أمانته وإخلاصه وأجره بمال قليل ملحقاً صغيراً على سطح البناء ليؤوي فيه أسرته وتابع الإعتماد عليه في مهمات متنوعة هي أقرب إلى ذريعة لمساعدته مادياً بعد أن بات يعلم أنه لعزة نفسه سيرفض أي مساعدة "لوجه الله" كما يقال. كانت هذه المهمات مصدراً إضافياً لتمويل أسرة "أبو عبدو" التي تعززت خلال عقد ونصف من الزمن بأربعة بنات. ولم يقف أبو مأمون مكتوف الأيدي أمام حاجة "أبو عبدو" إلى مساحة إضافية لأسرته المتنامية فساعده على توسيع الملحق ليتناسب مع الظروف المستجدة. ورغم أن "أبو عبدو" بات اليد اليمنى لأبي مأمون وأصبح ما يكسبه من عمله معه يزيد بكثير عما يتقاضاه من الدولة إلا أنه لم يترك عمله في البلدية وظل وفياً لمهنته الأولى.

كان "أبو عبدو" يشكر الله ليلاً ونهاراً على لطفه وتوفيقه وكان من المؤمنين بأن القناعة كنز لكل مؤمن لا يفنى ما دام إيمانه خالصاً لله وكان يواظب على زيارة مسجد الحي للصلاة وأصبح حريصاً على متابعة حلقات قراءة القرآن والدروس الدينية. كما كان يحرص على أن يصطحب معه إبنه عبد الواحد بعد أن أصبح واعياً.

رغم صعوبة الحياة في المدينة وكل المشقات التي كان "أبو عبدو" يقاسيها لتأمين كل ما يحتاجه أولاده الصغار فإنه لم يتذمر يوماً وكان يشعر بالسعادة لما وفقه الله إليه. لكن هذه السعادة ،رغم تواضعها، لم يكتب لها الدوام.

لا بد هنا من القول أن "أبو عبدو" لم يكن من المهتمين بالسياسة وشؤونها ويبتعد عن مشاكلها ابتعاده عن النار حتى أنه حين كان يسأل عن أي فريق يشجع من فريقي كرة القدم اللذين انقسم أهالي حمص بين مشجع لأولهما وبين مساند للآخر، كان يجيب بدبلوماسية:

- والله يا أخي فريق الكرامة قوي .. بس ،الشهادة لله ، فريق الوثبة كمان مانو سهل!

مع قدوم ربيع

2011 بدأت الأجواء تتلبد في سورية ومع اقتراب الصيف عمت الفوضى والمظاهرات مدينة حمص وكان حي "أبو عبدو" من أكثر الأحياء توتراً. فالمظاهرات شبه يومية والمواجهات مع رجال الأمن بدأت تتصاعد حدتها. رغم الأحداث كان أبو عبدو يتابع عمله بانتظام محاولاً قدر الإمكان الحفاظ على منطقته نظيفة. وكان هو وغيره من عمال النظافة يحاولون في فترات الهدوء النسبي ترحيل النفايات بتحميلها على شاحنات القمامة التي كانت تتابع عملها بين الفينة والأخرى.

لم تقتصر الصعوبات على عمل "أبو عبدو" وحده بل تجاوزته إلى الأجواء العامة في الحي التي بدأت بالتوتر بعد أن دأب فريق من شباب الحي وقادمون إليه بتحريض على التظاهر تحول مع الزمن إلى إرغام على الإضراب وتهديد لمن لا يرغب. فتوقفت أعمال أبي مأمون التجارية واضطر هو وأسرته للرحيل من الحي وخسر بذلك "أبو عبدو" مصدر رزقه الإضافي، لكنه حمد الله على أنه لم يترك عمله في البلدية وإلا فكان سيبقى بدون أي مصدر للرزق. ومع تدهور الأوضاع ظهر في مسجد الحي أشخاص غرباء بدأوا ينادون بالجهاد وينتقدون بشدة من يحاول ثني الناس عن المظاهرات. فازدادت حدة الإشتباكات مع قوات الأمن وسقطت ضحايا من الجانبين.

لم يستطع "أبو عبدو" أن يجد مبرراً لكل هذا العنف الدائر ولم يكن مؤيداً للدعوات المتكررة للإضراب والعصيان المدني فكان يمنع إبنه عبدو من المشاركة في المظاهرات ويطلب منه التزام البيت مع والدته وأخواته الصغار. وبعد اشتداد المواجهات في الحي إلى درجة لم تكن لتسمح بمتابعة مسؤولياته توجه "أبو عبدو" إلى البلدية وأخبرهم بذلك فوكلت إليه مهمة المساعدة في مناطق مجاورة ريثما تعود الأمور إلى سابق عهدها في حيه. وهكذا كان أبو عبدو كل يوم يذهب سيراً على الأقدام لمكان عمله الجديد متجنباً قدر الإمكان المناطق الساخنة حتى تم إغلاق الحي من قبل المسلحين المتمترسين فيه ومنعهم للناس من الخروج أو الدخول إلا لمن يعمل معهم. وأصبح مسجد الحي مركزاً لقيادة المسلحين ومشفى ميدانياً في آن واحد.

عندما كان "أبو عبدو" يشارك بعض الكبار في الحي في محاولات لتهدئة الشباب الثائر وإقناعهم بكارثية ما يقومون به على الحي وسكانه تعرض في أكثر من مرة إلى الإهانة من قبلهم. قالوا له صراحة وبلهجة أقرب ما تكون إلى الشتيمة والإذلال:

- هادا اللي ناقصنا والله!! ... كلك على بعضك زبال وجاي تعمل علينا معلم؟ روح ضب حالك مع حرمتك وتروك الساحة للرجال!

لم ينفع تدخل بعض العقلاء لإيفاف هذا التيار الجنوني بل بات عدد المسلحين يزداد ، وشيئاً فشيئاً أخذ يزداد في صفوفهم عدد أولئك القادمين من مناطق أخرى والغرباء الذين عرفوا بلهجاتهم البعيدة كل البعد عن لهجات السوريين. كان هؤلاء يجتمعون على فكرة إقامة دولة الخلافة الإسلامية ويكفرون كل من يخالفهم الرأي.

كان "أبو عبدو" في منتهى الأسى مما يجري لكنه أمام عجزه عن فعل أي شيء حيال ذلك اكتفى بالإعتكاف في بيته أغلب الوقت إلا من جولات على بعض المحال للبحث عن بعض الطعام لأسرته.

دامت الأوضاع على هذه الحال مدة ليست بالقصيرة والأخبار عن القتلى والجرحى كانت بازدياد حتى باتت مظاهرات التشييع شبه يومية وازداد الإحتقان الشعبي حدة.

في هذه الأجواء المشحونة فوجئ الحي فجر أحد الأيام بمداهمات مباغتة لبعض البيوت ألقت خلالها قوى الأمن القبض على بعض من قياديي المسلحين وانسحبت بهم خارج الحي. جن جنون المسلحين وباتوا يتكلمون عن خيانات من بعض سكان الحي وعن مخبرين عملاء للنظام يمدونه بمعلومات دقيقة عن قادة المسلحين وتحركاتهم.

في مساء ذلك اليوم كان "أبو عبدو" في الملحق الذي يسكنه وأسرته وكان الطابقان السفليان قد فرغا من السكان بعد أن رحّل أبو مأمون عائلته من الحي طالباً من "أبو عبدو" العناية بالبيت في غيابهم. كان السكون على غير العادة يعم الحي إلا من صوت مؤذن المسجد الذي كان ينادي لصلاة العشاء. كان مساءاً شتوياً قارس البرد وكانت عائلة "أبو عبدو" بعد تناول ما تيسر من الطعام على العشاء قد تحلقت حول المدفأة. عندما نهض "أبو عبدو" متوجهاً إلى غرفة الحمام للوضوء تفاجأ الجميع بطرق متلاحق على الباب الخارجي للبيت وبأحدهم ينادى بصوت عال:

- أبو عبدو .. أبو عبدو !!!

طلب "أبو عبدو" من زوجته أن تلتزم البيت مع الأولاد وخرج بعدها إلى الفناء الخارجي للملحق المطل على الشارع وألقى نظرة إلى الأسفل. تحت الضوء الخافت لمصباح الشارع كان بالكاد يميز مجموعة من المسلحين تقف أمام الباب ويتابع أحدهم الصراخ:

- أبو عبدو إفتح الباب!!

يجيب "أبو عبدو" من موقعه على السطح:

- خير يا شباب ..شوفي؟

فيتراجع المسلحون إلى الخلف ويتابع المتحدث رافعاً رأسه باتجاه السطح:

- في عنا كم سؤال ..تفضل إذا بتريد..

يجيب "أبو عبدو" وهو يضرب أخماساً بأسداس عما يريد منه هؤلاء:

- حاضر ..لحظة وبكون عندكون..

لم يكد "أبو عبدو" يفتح باب الدار حتى هجم عليه المسلحون وانهالوا عليه يأشد الضرب وأقذع الشتائم متهمينه بالخيانة والعمالة للنظام وعندما فقد وعيه أو كاد بدأوا بجره من يديه مبتعدين عن المنزل. كان "أبو عبدو" وهو على وشك أن يغمى عليه يرى بعينيه المدميتين زوجته التي خرجت مسرعة إلى شرفة السطح بعد أن سمعت الصراخ. كانت تتوسل إلى المسلحين أن يرحموه ولكن لا أحد كان ليأبه بصراخها. كانوا يجرونه من يديه وقدماه العاريتان تنزفان دماً من الإحتكاك بالطريق المحفرة. ابتلع الظلام زوجة "أبو عبدو" وبدأ بيته يتلاشى شيئاً فشيئاً لتتفجر في صدره آلام لا تطاق وخوف على زوجته وأطفاله ومصيرهم المجهول. كانت ثوان معدودات قبل أن يفقد "أبو عبدو" الوعي رفع فيها إلى ربه شكوى عبد فقير صادق مؤمن بقوة الخالق وعدالته متسائلاً عن الذنب الذي اقترفه هو وأطفاله الصغار ليرمى بهم للمجهول من بعده..لم يكن يعلم بالتحديد ماذا هم فاعلون به لكنه كان على يقين أنه لن ير أسرته بعد اليوم فالقصص التي كان أهل الحي يتداولونها عن قساوة المسلحين وخاصة الغرباء منهم والرعب الذي كانوا يبثونه بين الأهالي بإسم الدين وتطبيق حدود الشرع لم تترك فسحة للأمل بالخلاص منهم وخاصة أنه لا يملك ما يقوله لهم غير نفي ما يتهمونه به..

أفاق "أبو عبدو" من غيبوبته وشعر بالماء البارد ينسكب على وجهه وكانت آثار التعذيب واضحة على جسده المعرى إلا من سروال قصير ستر عورته فوجد نفسه مربوطاً من يديه إلى سقف واطئ وسط حجرة بدون نوافذ أشبه بالقبو. كان يشعر بآلام حادة في معصميه المقيدتان بسلك نحاسي غليظ. بالتدريج بدأت تتوضح الرؤية في عينيه ليقع بصره على رجل يلبس عمامة وجلباباً سرعان ما تعرف فيه على الشيخ عبد الله المفتي الشرعي للمسلحين. كان الشيخ عبد الله شاباً في مقتبل العمر ويذكر "أبو عبدو" جيداً أنه في بداية الأحداث عندما كان لا يزال يرتاد مسجد الحي أنه في أحد حلقات الدرس دخل المسجد مجموعة من الشبان عرفوا عن أنفسهم بأنهم مجاهدون وأتوا لمساعدة الحي ضد تسلط الأمن وطغيان النظام وقدموا يومها شاباً ملتحياً على أنه الشيخ عبد الله مفتي الجماعة وأنه من الآن فصاعداً ونظراً لحساسية الوضع سيكون المصدر الوحيد للفتوى في الحي. وعندما نهض إمام المسجد وحاول أن يعترض أعلنوا له بما لا يترك مجالاً للشك أن عليه أن يختار بين أمرين إما أن ينصاع لإرادتهم ويعمل على تسهيل عملهم فيكون محترماً من الجميع أو أن يذهب ويعتكف في منزله فيتخلف عن الجهاد في سبيل الله ويلحق به العار والذل. كان إمام المسجد رجلاً فاضلاً تقدم به العمر وكان محلاً لثقة أهل الحي واحترام الجميع لكنه كان في نفس الوقت رجلاً متواضعاً مسالماً سعى إلى حل الخلافات بين الناس بالحسنى وكان دائماً يدعو إلى التسامح. كان موقفاً صعباً على الإمام لكنه بعد صمت قصير توجه إلى الشاب الذي عكر صفو المسجد بتهديداته:

- يا إبني إنتو متل ولادي وأنا ما في بيني وبينكون لا سمح الله عداوة أو حتى خلاف ..وأنا مو اليوم إنما من زمن بعيد عملت خياري بهالحياة وخياري كان مستوحى من روح الإسلام وهدى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام .. أنا اخترت أن أطيع ربي في كل شيء وخاف منه وكون في خدمة مصالح أخوتي المسلمين وكون العون إلهون في الإلتزام بأوامر الله عز وجل واتباع سنة رسوله ..

هنا حاول محاوره النزق أن يقاطعه:

- شيخي لا تعملنا محاضرة ..هيي كلمة ورد غطاها ..

فتابع الشيخ الجليل كلامه مبتسماً:

- يا إبني أكيد فيك تسكتني أنا بس ما فيك تسكت صوت الحق، وإنتي بتصور إنسان مؤمن وملتزم بشريعة الله ورسوله

هنا شعر القادمون ببعض الخجل فبادر أحدهم لتصحيح الموقف:

- يا شيخنا فهمتنا غلط ..نحنا ما قصدنا نهدد حدا ..

فتابع الإمام بنفس الصوت الهادئ ولكن المليء بالإيمان والثبات:

- يا إبني أنا ماني شايف مشكلة من ناحية تطبيق الشريعة .. نحنا طول عمرنا عايشين أباً عن جد على شريعة الله ورسوله واليوم ما في شي جديد لهيك أنا بخدمتكون طالما إنتو بخدمة رب هالبيت اللي نحنا فيه

وأشار بيده بحركة دائرية إلى المسجدوالله بيقدم اللي فيه الخير ..

يومها اكتفى الشباب بإعلانهم هذا لكنهم رغم الإقتناع المصطنع بما سمعوه من إمام المسجد، خرجوا حانقين عليه. بعد فترة من هذه الحادثة تناقل الحي أنباءً عن مشادة حادة بين إمام المسجد والمسلحين عندما حرّم الإمام جمع الأتاوات بالقوة من أصحاب المحلات بحجة تمويل المجاهدين فأدى هذا إلى إقصاء المسلحين لإمام المسجد واتهامه بأنه إمام النظام وبعد ذلك بأسابيع أُعلن عن استشهاده برصاص قناص وأقاموا له جنازة مهيبة متهمين النظام بإغتياله.

والآن هاهو مفتي المسلحين المزعوم والإمام الجديد لمسجدهم يجلس أمام "أبو عبدو" ويبادره بلطف مصطنع:

- الله يهديك يا "أبو عبدو" إنتي دخّلت حالك بمشكلة إلها أول ومالها آخر

وتابع بعد تأملعم يقولو إنك بحكم عملك بالدولة عم توصل معلومات للأمن وفي عالم شهدت عليك .. شو بتقول بهالحكي؟

استجمع "أبو عبدو" قواه وأجاب بصعوبة:

- كل هالكلام كذب وافتراء ..وأنا حكيتلون هالحكي وما عندي غيرو

فتابع المفتي مصطنعاً القلق على مصير "أبو عبدو":

- والله أنا بيهمني مصلحتك ومصلحة ولادك بس .. والشباب عندون أدلة دامغة وأنا بصراحة بصعوبة أقنعتون يعطوني فرصة لأتكلم معك ..ترى هدول ما عندون رحمة ههْ!

ثم اقترب أكثر من "أبو عبدو" وهمس في أذنه:

- أنا جاي لأنقذ حياتك ..بس إنتي خبرهون مع مين كنت تتعامل ومين في غيرك بالحارة وأنا بضمنلك يتركوك ..اعترف والإعتراف بالذنب فضيلة ..يا أخي قلون كنت تحت التهديد وهني بيتفهمو الوضع!

كانت كلمات المفتي سكاكين تشق أذن "أبو عبدو".. فهذا الشخص الذي يدعي التكلم بإسم الله ويتبوأ مركزاً مرموقاً بين المسلحين بدا له أداة رخيصة يستخدمونها لتنفيذ مآربهم فهو لم يخطر بباله حتى إحتمال براءة "أبو عبدو" بل على العكس أخذ اتهام المسلحين له على أنه عين الحقيقة وهاهو يشارك في تحقيقهم الرخيص ..

وفي محاولة يائسة لإقناع المفتي ببراءته أجاب "أبو عبدو":

- الله وكيلك أنا صرلي فترة لا رحت ولا إجيت .. ولا بعرف حدا بالأمن وما لي علاقة بكل هالحكي ..

هنا فقد المفتي صبره ومعه بقية الأمل في إقناع "أبو عبدو" بالإعتراف فابتعد عنه وصرخ مهدداً:

- يا "أبو عبدو" أنا اللي عليي عملتو وريحت ضميري وإنتي ذنبك على جنبك!

وهم بالخروج عندما ناداه "أبو عبدو":

- شيخنا ..

فترك المفتي مقبض الباب واستدار نحوه راجياً أن يكون قد غير رأيه:

- نعم "أبو عبدو" ..

فكز "أبو عبدو" على أسنانه من شدة الألم ونطق وابتسامة غريبة تعلو شفتيه:

- وإمام الجامع اللي سبقك شيخنا ..

فسأله المفتي باستغراب:

- شبو إمام الجامع؟

فتابع "أبو عبدو":

- إمام الجامع كمان كان عميل للنظام؟

فسأله المفتي:

- وشو علاقة إمام الجامع الشهيد الله يرحمو بموضوعنا؟

فضحك "أبو عبدو" رغم آلامه المبرحة بصوت مدوٍّ أخاف المفتي ثم توقف فجأة عن الضحك وارتسمت على قسمات وجهه علامات غضب مخيف وهو يقول:

- اللي بيمد إيدو وبيقتل شيخ جليل متل إمامنا بدك مني صدق إنو ممكن يكون متسامح معي أنا؟

وتابع بعد أن استجمع ما بقي لديه من أنفاس:

- كلمة وحدة لازم قلك ياها يا شيخ عبد الله لحتى موت مرتاح ..

فأجابه المفتي باستهجان:

- شو عم تخرف؟؟

كانت لكلمات "أبو عبدو" التي نطق بها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وقع القنابل المتفجرة على كيان المفتي الذي ذهل من شجاعة وثبات هذا الرجل المشارف على الموت:

- يا شيخ إنتي وجماعتك بعتو حالكون للشيطان وتجارة الشيطان بحياتها ما كانت رابحة ..

في اليوم التالي عثر على جثة "أبو عبدو" المنكل بها أشنع تنكيل ملقاة على تلة من القمامة في إحدى زوايا الحي. كان المشهد في رمزيته يختصر قصة هذا الرجل الشجاع رغم ضعفه والحكيم رغم أميته والمؤمن حق الإيمان رغم التضليل المنتشر من حوله. لقد قضى جل حياته القصيرة في تنظيف شوارع حيه من الأوساخ لكن الأوساخ التي لم يصل إليها "أبو عبدو" كانت تلك التي تراكمت لسنوات طويلة في نفوس البعض من أبناء وطنه لتنفجر حقداً وكراهية وقتلاً وتدميراً ولتصبح الأوساخ المتراكمة تحت جثة "أبو عبدو" بالمقارنة مع تلك المتراكمة في تلك النفوس التائهة فراشاً نظيفاً. لم يكن "أبو عبدو" نبياً لكنه عندما صرح للحلواني مازحاً أن أهل الحي يدينون له بجزء من إيمانهم كان في غاية الصدق لأن مكاناً خلا من الإيمان الحقيقي لا بد عاجلاً أم آجلاً أن يمتلأ بالقمامة.

***

نزيه عودة

كييف

 

21/1/2014

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو