الشعر النسوي العربي بين التقليد والإبداع

الكاتب: المشرف العام التاريخ: 25 /يناير 2014.

التدوير وتداعيات لذة الاكتشاف

في غنائيات الشاعرة فاتن نور

4لا يخفى على أحد أنّ الشعر البصري يمثل السبق الحداثوي التنويري في المنطقة العربية أجمع. فقد غزت الشعرية البصرية المكتبة العربية في مجال رفدها عباب أمهات الدواوين الشعرية الناجعة، كفن شعري التزم بالقواعد اللغوية الصارمة، التي تجلت فيها الظاهرة الصوتية بأسلوبية محكمة، فأقدم البصريون على تحصين المجانسة بين علوم اللغة، وبين متأثرات الحداثة الفنية المتأثرة بالاستجابة التي تتطلبها المعاصرة، وذلك نظراً للنمو السريع في معطيات الطاقة الإبداعية عند الشاعر البصري، خاصة في مسار وحدة التباين بين التناغم والانسجام في إِيقَاظَّ الأشياء بفن الأسلوب، فقد أفْصَحَت هذه التنويعات عن محاسنة ايراد المعنى ومراتب أطواره، وهكذا ينسجم مساق التلاقح العضوي بين القديم والحديث، بالجوانب التي أرست مضامينها الملامح الشعرية المؤثرة بوعيها الذكي، وقدرتها على التحول الإيجابي في أعماق النفس البشرية، عبر تطورات الدراما الموسيقية في النص الشعري، من مبدأ الملاقحة التداورية وتدفق المغايرة المعنية بالوظيفة الإقناعية، وذلك في بعث الاستسقاء المعنوي المحصن بذات القدرة المتماهية في متعة الذات التي تستقي قوتها من تنوع مطالعاتها. ومن ثم إعادة صياغة كل ما له تفعيل في تطور محسوب الفنتازيا بمشمولية الخيال ومؤثراته، خاصة اهتمامهم في بنية النص الداخلي، وتوظيف تلاقح الأسطورة كمحقق لنضوب الطاقة الانتاجية، على خلاف مدارس عربية استقبلت  "منهج الشكلانيين الروس"، الذي وضعه كارل ماركس*، وطوره جورج لوكاتش، وسار عليه الشعر الأوروبي، وانتقل عند السوريين واللبنانيين فيما بعد إلى حد بعيد، حتى أصبح الشعر في عصرنا عند الغالبية العظمى كما قال يوسف سامي اليوسف: "يتنثر" وأزيد يتعقد ويتليف وينفعل من دون قيمة تذكر.

    ففي الشاعرية البصرية نقرأ صوّراً أكثرت تنواعاتها أقساماً من ألوان الحياة، إذ فيها عالجت تلك التنوعات تنقل المباني الشعرية من الحال العمودي إلى خواتيم ما نحن عليه من الشيوع الفني المختلف، كما تعكسها الأحوال الأدبية من واقع امتدادها التأريخي بمختلف ميولها وعلومها وتنوعها الثقافي، حيث ما زالت مؤلفات السياب، ومحمود البريكان، وسعدي يوسف، وأحمد مطر، وعبود عنيّد هاشم،وفاتن نور الذي نحن بصدد تناولها، ومصطفى عبدالله، وكاظم الحجاج، وقاسم عبدالهادي السوّاد، وسيد مسلم الجابري، وكريم كاصد، ود.قصي الشيخ عسكر، وحسين عبداللطيف، ومهدي محمد علي. يجدها القارئ الشرقي تضيف ولعاً وتمعناً يثري قراءاته شغفاً وفهماً، وهنا لابد من الوقوف على وجهة نظر الأدباء غير البصريين، وتميّز آرائهم عن طبيعة مدينة البصرة وقدمها الثقافي، والجغرافي، والاجتماعي. "ولا أدري هل يحق لي أن أذكر أسمي أم لا؟ لكنني ربما سأترك هذا للتأريخ النقدي أن ينصف الجميع الذين يستحقون"

    يرى الشاعر الكبير بلند الحيدري في إجابة عن سؤال وجهته له خلال مقابلة أدرتها معه ل"مجلة النافذة" في بداية التسعينات بقوله: " عندما أكون في البصرة أجدني متحولاً، أشعر وكأنني في إرهاص شعري دائم". وقال لي الشاعر الشعبي المعروف عزيز السماوي: "الحداثة الشعرية المعاصرة بمختلف أجناسها بدأت في البصرة وتطورت فيها، وقال: "أجمل قصائدي كتبتها في مدينة السواد" إذن هل هو المكان، أم الطبيعة، أم ونسة الشاعر الزائر في الصحبة البصرية. أرجو أن لا يفهم من كلامي أنني منحاز إلى بصريتي. بقدر ما أنا اقرأ الشعر من وجهة نظر شاعر وناقد تلهمني في البدء معرفتي العفوية وأحاسيسي قبل أي منهج أكاديمي ألتزمه في قراءة وبلورة قدرات النص من حيث ملامح ازدهار امتداده الإبداعي، وجوهره الفني، وعلومه اللغوية المخصبة ملامحها بفعل القدم الثقافي، على أن تكون شمولية تداعيات النص الأدبي لا تنفصل عن المفاهيم الفنية المعتمدة، وأقصد بيان اللغة، والفن، والأفكار. اضافة إلى التداعيات الوجدانية التي تكثف الخيال المرن المفتوح على إيقاعات الصوت التصويري للقطة المكانية، يقول ابن جني في هذا الصدد: "أن علم الأصوات له تعلق بالتصويرية لما فيها من نغم*" وبهذا يمكن القول بأن المتخيل المثالي يخلق مديات يكثر فيها التبليغ النغمي، وتلك النتيجة أشبه باللوحة المتحركة مضامينها الإيجابية في تحديد المنفعة الشاعرية ومتعتها الفنية في محاكاة وحدة الشكل والباطن، أي أن لا تنفصل حياتها الجوانية عن معطيات ومتغيرات وتطورات التحول البيئي التطوري للمكان.

    تعاقبت على مدينة البصرة حاضرة العلم والثقافة عصور عديدة مرت، برزت فيها الآداب والفنون والعلوم بتأثير واسع الانتشار لأهميتها، فشكلت تلك المعارف ازدهاراً ونضوجاً ميزتها عن بقية مدن العراق، وبقدر توغلنا في قدم تاريخ مدينة البصرة نجد أهم الشعراء وعلماء اللغة والنحو والفكر شكلوا لمجدها أصالة وإبداعاً، ولا جدال في أن الثقافة البصرية وسعت من العلوم اللغوية في فقهها التي تواصلت عليه الأجيال التي تلت تلك الحقبة التأريخية الأساس، فقد شكلت مفصلاً مهماً أنعكس على بقية الحضارات في المنطقة العربية، فتمثلت تلك العلوم بشخصيات أحدثت تغييراً مهماً في بناء الحركة الأدبية والعلمية اللغوية، ومن بين تلك الأسماء التي مثلت المدرسة البصرية النحوية ومؤسسها الفراهيدي، ومن ثم سيبويه، وابو الأسود الدؤلي، والفرزدق، والجاحظ، والمبرد، وأبو الخطاب الأخفش، وسعيد بن مسعدة، وقطرب، وأبو زيد النحوي، وعيسى بن عمرو، وبشار بن برد، والأصمعي. وهذا ما قل منهم فهم كثر. ومن الشعراء والعلماء الذين عاشوا في البصرة وإن لم يولدوا على أرضها، الذين أختلفت بهم المجايلة، فعلى سبيل المثال من ابرز هؤلاء هو عالم اللغة المعروف ابن جني وهو موصلي المنشأ، والشاعر أبو نؤاس*. كان ذاك قبل انتقاله إلى دار السلام "بغداد" في الثلاثين من عمره.

    وإذا كان هذا شأن المؤسسين ومن جرى على طريقتهم من المحدثين، فإننا نتلمس التغيير الذي نادت به جماعة الحداثة ليس في مدينة البصرة وحسب، بل في غالب المنطقة العربية، ومنهم جماعة أبولو، وجماعة "البيان الستيني" في بغداد، ومن بين ما جدد في فلسفة الاختلاف بين علم اللغة وفقه اللغة، تداعت الكثير من الأصوات وخاصة مُحدِثِي تلك الفترة، حول شرح إشكالية مفهوم علم اللغة \ وفقه اللغة، اللذين يتفقان في التحليل وفي التفويف المصدري. والخلاف الذي بدأ بين ابن مضاء 513 – 596، والنحاة وفي مقدمتهم سيبويه، حدد ابن مضاء حجة اختلافه مع مجموعة من كبار النحاة، حين أنكر في كتابه الشهير "الرد على النحاة" موضوعة تعقيد اللغة، وهو ضمن ثلاثة كتب ومنها كتاب "المشرق في النحو"، وكتاب "تنزيه القرآن" وكان ابن مضاء قد حمل النحاة تعقيد اللغة والأخذ بها إلى مسارات تشتت اتجاهات أهميتها، وقد خلص ابن مضاء إلى رأي مفاده أنهم أي النحاة قد جعلوا من اللغة تقف عاجزة عن تقديم مفردات تسهم في تطوير الأجناس الأدبية وخاصة في القصيدة العمودية التي أصبحت مكرورة. على ماهو عليه إلا من إنقاذ بسيط في المعاصرة التي حاول الجواهري والبارودي، والرصافي، وأشرق فيها أكثر قرباً في لعبة التجديد الشاعر أبو القاسم الشابي، وهؤلاء قادوا المقاربة إلى بوادي الغنائيات المُحْدَثَةِ. خاصة ما أتفق واختلف مع مدرسة النهضة الأوروبية التي أطلقها وميّزها الشاعر الأسطوري دانتي، حيث أن للغة العربية أصوات تميّز خصوصية نغمية حروفها، فصيغ الاختلاف السمعي على أساس تلقي الإيقاع بين المدرستين. وكان أكثر المتأثرين في المجاددة الدانتية هم أهل البصرة، ومنها انطلق التنويع من مبدعي تلك المدينة، حيث اشتغلوا على مبدأ الرابطة اللفظية التي توظف الاستطراد في أكثر من توجه، ومن أجل سراج التمعن الخلاق أصبح بإمكان الشاعر العودة إلى تحوير المناسقة الصوتية للكلمة كما عرفوها أهل البصرة، في بيان هذين التأويلين:

أولها: المطارحة الحسية للكلمة. عند السياب، وأحمد مطر.

وثانيها: اِحْتِساب البنية المثالية في مدار التوليد اللفظي. عند البريكان، وسعدي يوسف  

    وفي الوقت ذاته شذبت هذه الملاقحة على تحصين الملائمة والتلاؤم بين أقسام الكلام، وكان أول من بدأ التجديد هو الشاعر بدر شاكر السياب، ومحمود البريكان، وتبعهم الشاعر بلند الحيدري، والشاعرة نازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي، ثم البياتي، ولحقت بهم لميعة عباس عمارة، وإن كانت تلميذة نجيبة عند السياب، وأكمل تلك المسيرة المميزة الشاعر الكوني المبهر المعاصر سعدي يوسف. ومن ثم شعراء الجيل الستيني بتنوعه.

    وبهذا استمر التحديث دون أن يخرج عن مساق العلوم اللغوية ومنها "المقابلة" التي سوف نأتي على ذكرها في حجاج تناولنا القصيدة الحرة عند شعراء المجايلة المعاصرة، ومنهم شاعرة الغزل الرفيع فاتن نور وإن لم تحكم مذهبه على ذاتها. فقد استقت مادتها النحوية من مدلولات العلوم اللغوية والفنية،حيث لا يختلف مدلول علم البديع عندها كمحدثة، وعلماء العرب الأقدمين إلاّ فيما يختص بالاختلاف الداعي إليه فيما تتطلبه ثقافات النشأة المعاصرة، فهي تغنت بالغزل من أجل الغزل ذاته، كفن تداور بين الأجيال القديمة منها والمعاصرة، وليس لأشاعة التدنيس أو الاستهتار بمشاعر الآخرين، وقد أكد ابن منظور في معالجاته القيمة، قوله: " لا يقال لأحد انه عالم بكذا إلاّ إذا اتضحت عنده إمارات وآثار تثبت المعرفة لديه". كذلك تناول "المقابلة" قدامة بن جعفر وهو من علماء العرب المؤثرين. عند تناوله "النعوت" التي تجمع المضامين أن تتحد فيها المعاني الشعرية، وهو علم تبناه وعمل عليه قدامة على اعتباره علماً يستثير البلاغة اللفظية، وينضم ويطلق المؤثرات النحوية من حيت تكوينها الاشتقاقي، ويوسع من مدركات الخيال والتهيؤات وتمظهرها الأيقاعي، وأحوالها البنائية الانتقائية، كما أوضح الناقد كمال مصطفى في كتابه "نقد الشعر"*. على اعتبار أن اللغة العربية خضعت لمتغيرات اختلاف الزمان والمناخ والبيئات، وعلى ضوء هذا استحدثت ألفاظ تتناسب مع تغير الحضارة ومتطلبات تطورها، واختلاف جهات أصوات المعاني وأحوالها النحوية والمعجمية، واستخلاص أساليبها من واقع كل بيئة على حدة، الذي انسجم اشتقاقها مع تنويع علم اللغة المقارن، مع تمظهر ثقافات تحكم انتماء المُحدِثِينَ لجذور ثقافية واسعة التوليد، كانت ومازالت تحكم تصرف النشأة اللغوية العربية على امتداد وتغيير مداخل  تاريخها.

 ولكي لا يصعب على القارئ سبب تناولي "علم البديع"، ومطابقته في دراستي هذه على المفاهيم اللغوية والفنية، التي حظيت بها قصائد تؤكد شاعرية فاتن نور، التي عُدَّ شعرها من أعذب ما قيل في الشعر العاطفي المحكم بفلسفته المجردة. مع اكتسابها أنماطاً جديدة للاستجابة، وذلك في مقارءة مختلفة بين مقاربة في قواعد اللغة، وتجديدها المغاير في أسلوبيتها الشعرية المحمية من لمسات شعراء آخرين، ربما بسبب استقلالية ثقافتها المتميزة التي تجاوزت المصاطب الكتابية التقليدية، فجاء شعرها أصيلاً واشتقاقه الذاتي يتلاءم بالإضافة، ويتسق بيانه في تدوّير المعاني في مكنوناتها الفصيحة، ولأننا سنلقي فائدتها الشعرية بصوت ماهية ألفاظها بين يدي المتلقي المعني بالقراءة الإيجابية، نحتكم إلى كساء ألوانها الفنية بمواجدات ذهنية تجريدية، لا تكاد شاعرة أن تتحكم بلمعتها الفنية الغزيرة من شاعرات جيلها اللاتي تواصلن بإيقاعات مختلفة، أما غير الواهبة فلا شعر تخلقه جماديتها، ولهذا فأنك لن تجد في كل ما كتب وسمي بالشعر هو شعر، بل هو أزمة سببت الانحطاط الذي استتب وتعرش في تلك النصوص اليابسة، لأنهن لا يحفظن الأصالة، بل يعملن على تحطيم سدنة الهوية الأدبية، هذا لأنهن يعشن خارج الخلق الإلهامي الحقيقي.  

    اختلف علماء العرب على العمل الحقيقي لمصطلح مفهوم "المقابلة" ومبتغياتها وأصولها. نجد الخطيب القزويني قد عرّف المقابلة بالمطابقة في قوله: "ودخل في المطابقة ما يخص بأسم المقابلة *". أي إن المقابلة دخلت ضمن عمل المطابقة، ولم تكن علماً قائما بحد ذاته، على اعتبارها تأتي بمعان متوافقة مع المطابقة بما يقابلها على الترتيب الوظيفي. بينما نجدها عند السكاكي كياناً مستقلاً، وقد عرفها بقوله: "المقابلة أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت شرطاً، شرطت هناك ضده *". وأنا اتفق في قليل تفسيره، واختلف مع الأثنين في بعض التعاريف: على اعتبار المقابلة علماً مستقلاً. لماذا مستقل؟ لأنه إذا اشترطنا أن الترتيب عند الخطيب هو المحرك الأساسي لجعل المقابلة تتحد في مضمونها مع المطابقة، فهذا رأي غير دقيق لأن المطابقة تؤدي إلى معنين متوافقين، بينما المقابلة تأتي بمعنين متقابلين وليس بالضرورة أن يكونا معنيين متوافقين، واختلف أيضاً مع السكاكي وأقول إذا احتكمنا إلى قوله في التيمة: "شيئين" فهذا أمر متعدٍ، لماذا؟ لأن "المقابلة" علم من علوم البديع كما بينا، والبديع أحد مكونات علوم اللغة الأساسية، وكل علم يشتق منه، يختص فيه بسياق مختلف، وقد يشترك في جوابات أخرى، ولكن بقليل من الخصوصية، فلا يمكن أن نقول: إن المقابلة تجمع بين شيئين، بل الأصح أن نقول كما قال الخطيب: "بمعنيين". مع أن كلا العلمين يتفقان في الاستطراد، كونهما اختصتا في الأجناس الأدبية ولزومياتها وإيقاعاتها المعنية، وليس في الأشياء الأخرى، لأن قوله بين "شيئين" يكون قولاً جامعاً، وليس فيه من التخصيص الإلهامي بشئ.

    وإذا قرأنا الشاعرة البصرية فاتن نور وتفحصنا أدواتها الفنية جيدا، نجد أن الشرط "المقابلة" قد تحقق في بنية المعاني وفصاحتها، بين اللغة والمفاتنة المشاعرية المبهجة في محاورها المتعددة، تلك المحققة للاستجابة التي تُيَسّر متطلبات تدوير النشوة النثرية، على أساس أن منثور المقابلة باب غير مستقل في شروطه المعلنة الذي يتبنى الاقتراب إلى لغة مثمرة التلاقي والوصول، أي بمعنى أن يتلاقح النثر التفاعلي لكي يخلق مساقات علومه اللغوية المساعدة، أنْ تتضاد معانيها في جواباتها في حال معين، وتتفق معها في أحوالٍ أخرى، وهنا أقصد جوابات علم البديع الذي يستقل فيه التوجيه، أي أن الشاعرة أحسنت التقابل بين عناصر النص، لأنها جعلت للمعنى وجهين في طباق السياق الواحد، الذي تنشط فيه المعاني وخاصة في قصيدتها: "من هنا*". وقد سبقها السياب في قصائد عدة ومنها قصيدة "هل كان حباً"، وهذه خصوصية يُمتع بها الشاعر قارئه، خاصة إذا سلم النص من التناص المباشر والحشو. فيكون نبيها إذا كان الشاعر معنياً باستثناء المعاصرة غير المُقَلِدَةِ، على اعتبار أن المقابلة تتدخل في مساقات المعاني والتناص بين نص وآخر بآن، فنقول المقابلة تتحقق في الصدر والعجز إذا اعتبرنا النص محرراً من الأزمة التأليفية. ومن هنا يصح أن نستشهد بقول ابن الإصبع ودلالاته التي تدلنا على حقيقة رأينا:

" نهار غرته البيضاء أرشدني = وليل طرته السوداء أغواني *".

    فالمقابلة واضحة في هذا البيت الشعري الذكي، مع أن القصد الذي علله المعنى جاء معنوياً متحداً في البيان بخصوصية الإيضاح الذي يظهر المراد منه، وهذان وجهان للتقابل في الزمنين: النهار والليل، أي أننا أمام تطبيقين في مصراع واحد يحكمه التضاد المعنوي.

    ومن أجل هذا التقديم التوصيلي الذي يأخذنا إلى غنائيات الشاعرة المجددة لخليق البديع في الشاعرية النثرية، صار بأمكاننا الولوج إلى السهل التحولي في بنائيات التخالق التموضعي في وحدة المشهد، حيث يأخذنا إلى استيعاب قيمة كل ما له معرفة في تطور الحالة الانتاجية. وإذا احتكمنا إلى كل ما تقدم نجد أن الشعر البصري حقق أسلوبيته الإبداعية في ثالوث مختلف:

    الأولى: كسر الحدود الشكلية الجاهزة في بنية القصيدة المعاصرة، ويمكن أن نسترشد بقصائد سعدي يوسف في مجموعته الشعرية: "اللّيالي كلها". والشاعر درامي التفعيلة أحمد مطر، ونستطيع أن نلمح التداعي المعنوي عند فاتن نور تجاوزها المألوف التعريفي عند الأغلب من شاعرات العرب.   

    الثانية: إعادة قراءة الموروث المُتَوَازِن العربي بنمط جديد، والاستفادة من اختلاف تقنياته، وخاصة في فحص اللغة من حيث مفجراتها الدرامية من مبدأ التعبير، والتشكيل، والمناورة الفنية، واللعب على تحريك الوقفات الداخلية للمعنى، على اعتبار المضمون هو المصراع الذي يحاور الذات التي تنشد التحرر من القوالب المثالية والواقعية الجاهزة.

    الثالثة: تجديد الأكاديمية العروضية بمعطيات حداثوية أكثر مناعة، وخاصة ما اِخْتَصَّ بأدب الملاقحة مع الآداب من غير لغة الأم التي يتقنها الشاعر \ الشاعرة، واعتمادها مصدراً من مصادر الصورة البَصَريّة دون اغفال العمقيات الوجدانية، التي تحرك تصاعد الأفكار الما ورائية لخلق محاور فنية التدوير، واطلاق خاصية الجريان الحسي في التلاقح البيّني في الحوارية الموحية، وقد تميّز بهذا محمود البريكان، ومعاصره سعدي يوسف .      

 والحق يقال إنَّه لا يجوز لنا أن ندّعي أو نقرر جزافاً أن جميع شعراء البصرة يشكلون النخبة العراقية أو العربية المؤثرة كلياً في خلق الذات التنويرية، التي تنعكس فيها المشاكسة الاختلافية في النمط التجديدي بتنويع صوّرها وتوجهاتها، هذا لأننا بصدد تجارب شعراء اختلفت ميولهم ومعتقداتهم بالقصيدة الأكثر حداثة وهي قصيدة النثر، وعلى أساس هذه المقياس ينبغي أن نميز بين الأجيال الشعرية التي عاشت على أرض البصرة وفي مناخها القاسي، وبين أولئك الذين عاشوا في أوروبا ودول أخرى ومنها العربية. ولكن الشئ الأكيد أن الجيل الخمسيني رغم قلته، والجيل الستيني في كثرته، والجيل السبعيني رغم التراجع في النخبة عن الجيل الستيني، لكنهم حققوا نقلة نوعية في ثنائية وحدة الصراع والغاية، "القصيدة الحرة"، واجتراح انفلات حركية التحرر من القافية في العمودي، التي اثقلت حرية المشهد والتجانس المعنوي في وحدات النص الداخلية الموائمة لانسيابية الألفاظ، وشروق الفعل المبني على بساطة معانيه.

 اتخذت الشاعرة نور الوعي التنوعي من ثقافات مختلفة كأحد الجوابات المهمة، حيث اعتمدت الفكر المثالي في معالجة النص الذهني ليكون محركاً لحرية الخلق، وخاصة عنايتها بموسيقى اللفظة التي تميز الفروق الصوتية، وفي الوقت ذاته هو المُغيِّر الذي ترتبط شفافيته بوعي حركة التّاريخ كوجود ممتد بالحاضر، منذ أن كان الأدب أدب السماع لا الكتاب، فكانت المويسقى اللفظية تستريح فيها اللغة السهلة على اعتبارها اللغة اليومية المتداولة، التي كانت تشكل مصدراً تنويعياً ابتكارياً للمعطيات الأكثر أصالة، حيث تجسد الزمانية على ذات المكان واختلافه، وهذا يعني أن القصيدة عند الشاعرة حققت أنموذجاً تمتد فيه زمانية الموروث لخلق مستوى حداثويً أوجد خصوصيته الناجعة في تلاقح الزمنين، وفي هذا قرأنا النص الشعري عندها يمتلك موضوعيته التعبيرية في لونه وطعمه ونكهته، التي اختلفت وتميزت به الشاعرة مع أقرانها البصريين والعرب، وخاصة تميزها الواضح في القصيدة النسوية المعاصرة، ففيه حررت النص من الأوهام السطحية، والرتابة المستعصية على الفهم، وذيوع الفوضوية، والانفلات غير المحسوب فنياً. ومن أجل هذا نحاور نور التي تميزت خصوصيتها بجدارة بعد أن جانست معالمها الشمولية ما ميزته الحركة الأدبية عامة، وبهذه الخصوصية الإبداعية نجدها قد اقتربت من شاعرة العرب الحاضرة لميعة عباس عمارة، ولكي لا يؤخذ على نور طبيعة التأثر بلميعة، فأنا في معرفتي الخاصة لستُ ضد التأثر، ولكني ضد الانطباعية، أي أن يخرج شاعر ما من نسيج معطف شاعر آخر فيقتل خصوصيته، أما التأثرية فهي تدوير ابتكاري تفاعلي مع لغة شعرية أخرى، ويمكن للشاعر من خلال تفاعلاته المعنوية الاستفادة منها، والنحو نحو خصوصية الاتساق الذاتي، ومثالنا على ذلك: المتنبي سكن أحلام الكثيرين من الشعراء، لكن لم يك أحد منهم ريشة في جناح المتنبي. كذلك تأثر شعراء المعاصرة العرب بالسياب ولكن لم نقرأسياباً غيره. فالتأثر حالة قدرية تتناص خصوصياتها بايجابياتها، وليست سلبية كما اعتقدها النقاد من قبل.    

    ولكوني تناولت في دراستي هذه: شاعرة عراقية تميزت بشاعريتها البصرية البَصَريّة عبر ثقافتها الواسعة في مجال النقد الأدبي والسياسي والمجتمعي، ومثال نور لم يتضح لنا أن قرأنا شاعرة بصرية توسعت فأجمعت معارفها في سلة إبداعية محصنة من العيوب والخلل، وهذا منذ زمن بعيد. ولذا صار لزاماً عليّ أن أَتَطَرَّق إلى شاعرات أثرن الخصوصية الشعرية بملكاتهن الناجعة وإن لم يحالفهن الحظ في الشيوع الاعلامي أو الدفع العاطفي والحزبوي نحو الاعلام والشهرة، وظهور فاتن نور في البصرة التي خلت منها الشاعرات بمستوى استقلالية الذات الشعرية، الذي حقق سموَ المدينة في شعرها، ونحن هنا نشير إلى الشاعرة التي يسمو شعرها فيما يتعلق بغرضنا، أي تلك الرفاهية الإبداعية التي تحاكي النزعة التنويرية المطلة من دماثتها الجوانية المملوكية في أعمالها.عبر محاكاة الفكرة الإرشادية في شروقية النص الذي يعلن عن وجوده الأيجابي كمشاهد حي. يقول ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود*" وتلك كانت بداية عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وبالتحديد في إنجلترا وفرنسا، أشاع لها المفكر رينيه ديكارت. ثم لحق بتلك الحركة ما سمي في وقتها بالنزعة التجريبية، وكان من قاد تلك النزعة إلى النور المفكر البريطاني جون لوك. مع اختلافه المعرفي مع ديكارت بالاتجاة التحليلي للتنوير، فديكارت يرى أن العقل هو المصدر الرئيس للمعرفة، وهذا ما بينته وبنيت على اساسه العلوم والمعارف المختلفة، أما لوك لا يرى أن مصدر التفكير والمعرفة العقل، بل في إدراك الحواس وفي التجربة، ولم يك هذا التحليل دقيقاً وافياً للحجة التي جاء بها، بل هو مجرد تنظير حاول لوك به أن يخالف. حتى دافيد هيوم لم ينجح في فلسفته القائلة: "إن الإنسان يكتسب وعيه من خلال التداعيات والتجارب*" نعم هي اضافة لكنها موجزة، فهيوم أراد له موقعا تحليلياً كامناً عن عجزه للفهم الحقيقي للعقل، مع أن الشعر إن لم يكن وحياً وهذا طبعاً مصدره العقل، غير ذلك يكون تأليفاً، وعلينا أن نعترف أن الشاعر ليس فيلسوفاً، بل هو يعود بوعيه المختلف فيتأثر لكي يتلاقح في المتخيل النوعي بغياب إرشادي يحسه ويتلقاه بمنظوره العاطفي، وأيضاً فهو يتخذ من العلوم الفلسفية واللغوية والبلاغية توضيفاً لأدواته الفنية،

    ولكي نساجل عزيمتنا على منبر أردته أن يذيع الحقيقة للقارئ، عن ماهية التجانس العضوي في التلازم المعنوي في وحدة القصيدة عند شاعرتنا نور، نقرأ:     

قال لك العراف 

      =

كالمسافرين في سدفة الضحى

بهزيم رعده يمضي.

..وماذا ستبصر اليوم..

في محجر الريق: ترياق متعرش

عشبة ترطب عانات الدكاكين

ومجسات غلمانها

ق ِعينيك / بهطولات البكور

مستشرفا عادات المطر

هب واحدة لزهرة اللوتس:

دوقة اليوغا،وشمعة ماء السدول

هب الأخرى لأبصال الأصيص الساجية:

حشد البنس الصغير والأحمر الملكي *

دع المشهد يرسم ثغر الرائحة

    يشدو عنوان النص بشدو لميعة عباس عمارة بقصيدتها: "لو انبأني العراف" ونور تقول باحتفائية نبيلة تتخذ من الإرشاد المضطرم بحساسيته توظيف أسلوبية المنجم ب: "قال لك العراف" ليقترب المضمون في كلا العنوانين في تيمة "العراف" ويختلف في السؤال "ماذا" وقد شغلالعراف  بال الكثيرين ممن ينشدون الحظ أو البخت، ولكن ربما في الشعر تختلف ماهية التوليف عند العرَّافُ، كونه أداة إرشاد لا غير، حيث تستفيض حكمة الشاعرة وجواباتها المساوية لصنف التدبيج، أن يجانس الاستفاضة على وجهين بينها وبين العراف، لتحقق وحدة السبيل إلى المعاني، وما يسمو به الخاطر اللغوي الفني نحو التداعيات المشاعرية المشتركة. في قولها: "وماذا ستبصر اليوم؟" أما العرَّافُ التقليدي فهو الطبيب عند العرب الأقدمين، وهو الكاهن، كذلك هو مؤلف الكذِب والتَّمويه، وهو الدجال. إذن لنقرأ ماذا قال لها العراف؟: بدءا لابد من الإشارة إلى أن الشاعرة نور تهتم اهتماماً بالغَ الأهمية في المفردة القاموسية وهذا رأيها أو أسلوبها ربما، وقد وضحتُ في دراسات سابقة رأيي في المصطلحات المعجمية، حيث قدمتُ اللفظة المتداولة على اللفظة القديمة، وهذا أيضاً ما يراه بلند الحيدري، لذا وجب علينا شرح الكلمة لتبيان مرادها ومعناها، تقول الشاعرة في مستهل القصيدة: "كالمسافرين في سدفة الضحى" وهنا ما توعز به الشاعرة على لسان العراب، بصيغة التنبؤ من واعز بنية ازدحام الكلام من سقاء قسمة الاحتمالات، التي وسعت مباني المعاني توسعاً يصب في ضرب المبلاغة ونسميه الإيغال، ومثاله قولها "سُدْفَةُ" والسدفة هي الظلمة، وتعني أيضاً سواد الليل، كذلك تعني وقت الإسفار أي اختلاط الضوء والظلمة معاً في الفجر، وهذا محط التميّز، فلو قالت الشاعرة ضياء الضحى لقللت من قيمة الصورة البلاغية، لكنها جعلت من الضحى وهو الوقت الأول من النهار الذي يتوسط الصباح والظهر، المتميز بدفئه، وجماله، وقوته، حيث جعلت الشاعرة تلك الزمنية على عكس واقعها بالصورة التي عكسها العراب، أي أنها أستدعت السدفة "الظلمة" للضحى، ووظفتها لبلاغتها النحوية لايضاح مواردة المجاز، فحققت الجمالية التصويرية من قبيل استطراد تَخَيّلها، لأنها جعلت من الضحى مظلما بنظر المسافرين وهو ترتيب أفانين الاقتدار على خلق التبديل في النظام والترتيب، وهذا استثمار لبلاغتها عندما أسْكَنَتْ السُّدفَةُ زمن الضحى، فأوردت المعنى بما يوافق التضاد، واِسْتَخْرَجتْ منه ما يشبهه بجهة معناه فيما يتصف ويتصرف في معنيين متقابلين. وفي هذا قال حسّان بن ثابت:

"لنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلمَعْنَ بالضُّحَى  - - - وأسيافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما"

    الخلل البلاغي في هذا البيت أن ابن ثابت جعل من الجفنات الغر يلمعن بالضحى، وهذا طبيعي، فلو قال الشاعر يلمعن بالدجى على سبيل المثال، لكان المعنى أكثر تأكيدا على قوة لمع الجفنات، وأبلغ أحَاسِن، وأنقى توظيفاُ للنحوالتجريدي، لأنه يخرج به عن جهة المباشرة، أي أن يكون وارداً في الصناعة الأكثر وعياً.

تتواصل نور لتأكيد نشأة المعنى على استمرارية مساقاته المبتكرة، بقولها: "بهزيم رعده يمضي" نجد أن الشاعرة جانست الدلالة في سياق المسار ذاته، ولا خلاف أو تعكيس، لأن المعنى تواصل في دلالته فجاز إثبات الحالة، ولهذا نقول عندما يتفق المعنى في الصورة الصوتية التي تعتمد على التلقي الجامع، نجد مؤثراتها تحقق غاياتها الإيقاعية على السمع، من لدن بنيتها التدويرية، لأن المحاسنة التنويرية أجازت حرية التعبير للصورة المتابعة لتحصين وحداتها. لماذا؟ نقول لأن الذات الشاعرة استثمرت معطيات العقل فأتسعت حريتها التعبيرية الهادفة لتحقيق جوابات المضمون في الصورة الشعرية، وهذا يذكرنا بفلسفة ليبنتز العقلية الحيوية، عن جوهر الوحدات التي تتسع تموجات مضامينها في النص.

تستمر الشاعرة تتساءل في حوارها مع العراف وتسأل خلوتها: "وماذا ستبصر اليوم في مِحْجِر الريق؟ \ أترياق متعرش \ عشبة ترطب عانات الدكاكين! \ ومجسات غلمانها" أخذت الشاعرة المحجر ووظفته لغاياتها، كونه توظيفاً يحقق اتساقات العناصر المختلفة في فضاء مجازي متسع، وفي الوقت ذاته فالشاعرة لا تنكر المعارف المتفق عليها في مصطلحات المكان لمثل هكذا سبب كقائل يقول: "خلوة العراف" أو "زاوية العرافة". لكنها اختارت المِحْجَر لسعة معاني اللفظة المَبْثُوثَة في ثوابتها التشخيصية التي تتعدد فيها الأفعال  و الوصايا، وكل واحد من هذين التذييلين محقق لفائدته، ودال على مضمونه بقرينه، فالحق الذي منحته الشاعرة للعراف جعلها مرنة في تعدد استخدام شروط أدواتها، واختلاف التصريع في نظم المنثور، فهي تحاول أن تخلق وسيلة الإتلاف لتوطيد العلاقة بين الزائر أو المريض، وتعرض لنا العراف على جهة المتنبئ، المحصن بالوحي اللآتي من "الغيب" الذي يختص به، على اعتباره رسول بين الجن والبشر، والجن غيب ذكره القرآن في سورة الانعام، ولهذا نجد العراف قد تنوعت حكاياته تارة شاكياً، وفي أخرى رافضا، وبعدها يصبح مطيعاً، هذا لكي يفرض مفهومية تمثيله على الزائر، أفرادا كانوا أو جماعات، بترياق يرميه على الجمر ليطول دخانه في فضاء المحجر، إشارة إلى ما اخْتَصَّ به الترياق من قوة تطبيبه، من خلال لغة خاصة تطول وتتعرج وتستوي بصلات مستوى تأثيرها على الآخر، وذلك للوصول إلى مبتغاه الذي هو الصيد الثمين، ومن ثم تأكيد وتثبيت معالجاته التخيلية الوهمية، المحمولة على الشك والريبة.

ولأن "الغاية تحقق الوسيلة"، استعارت الشاعرة التشخيص، لتبيان طبيعة الحالة على جهة البيان، لتحقيق ورفد تسويق المعنى المطلوب، وتيسير دلالة إثباته، حين أجازت مطارحة المعنى للمباشرة، أي أن العشبة أرطبت "بللت" العانات ومفردها عانة، وكما هو معروف فالعانة: الشعر النابت حول الفرج، أو تجويف الحَوْض، وهنا يكون العراف قد نجح في تحقيق مرام الأصوات غايتها القصوى، فمتى سيق المضمون على هذا المساق، بلغ في الفصاحة خصوصيته التي تندرج في "علم الأصوات السمعي*" ولها جانبان:

الأول: الفسيولوجيا من حيث طبيعة وظائفها، وأسلوبية عملها، وقدرة تأثيرها، وعرفها العلم بمصطلح سمي ب "الفوناتيك".

والثاني: نفسي يتعلق بالمقبولية بين شخص وآخر، وما تحمله الأصوات من تأثير على السامع من حيث صورها الذهنية، وتعريفه العلمي "الفنولوجيا".

 فالعانة ترطبت لحظة الانتعاش الذاتي غير المهيئ لها،وتقديرها جواباً للملامسة، ولا يبعد عندي أن تختص أدوات العراف التي اِستخدمتها الشاعرة كبنية توصيل الفعل في عملية التّشكّل وأنظمته الدلالية الايروتيكية المحسوسة منها، أو المضمرة، والمشتهى في هذه الحالة تناص غير ذاتي وغير ميكانيكي، لأنه المبنى الحسي غير المسيطر عليه ذاتياً، على اعتبار قدسية الخطاب ونظام المحجر حقق للأباحة النسوية المقدسة جريانه المعتاد عند العراف فيما بينه وبين المقصود، خاصة احتساء النظر في أنوثة جمال النهدين إذا كانت زائرة على اعتبار التطبيق الصوري. وعلى ضوء ما تقدم نَشْطَّت الشاعرة أسلوبية الأتصال العميق بين الخطابة والرمز، لكي ينفتح المعنى على تعدد توظيفاته ونماذجه وخصائصه البيانية منها، والمستترة، فقولها: "ومجسات غلمانها" فهنا جاءت هذه الصورة إمداداً تحويلياً لتأويل ما قبلها من طباق بين الرطوبة "البلل" وبين "المجسات"، ودليلها ما أوعزت إليه الصَّوْر المسبقة، فكان التّكييف غايته تطور المجسات الحسية بمدرر سقاء رمزيتها المقننة، المطلوب أن يحتسب للنص تخليق يتصل بتفاعلاته ووسائله البيانية أن تتضاعف علاقاته بالمتلقي المثقف، وقد أُسْتُخدِمَ هذا العنوان لخصوصيته عند الأديبات، فكان عنوان العراف \ العرافة يتقنن بأسلوب محترف، ومنهن الروائية البصرية المعروفة سميرة المانع، والشاعرة لميعة عباس عمارة، و نزار قباني في "قارئة الفنجان". وفاروق جويدة في "مع العراف" وأحمد خالد توفيق في "أسطورة العراف". وجاء الخلق في جميع هذه الحالات سهلاً وممتعاً، لأننا لا نريد أن نخلق شاعرة كنازك الملائكة ثانية، التي ترى: يجب أن يكون جلاسها وقراؤها من المثقفين وحسب، عكس ما اتخذته لميعة عباس عمارة التي جعلت النص الشعري وارداً على جهة الإيضاح والتواصل مع المتلقي، كذلك فعلت عاتكة الخزرجي. ولكي تبتعد الشاعرة عن اللبس، أَتَيْت بجمل تمثل الذاكرة الموروثة في قولها: "دع المشهد يرسم ثغر الرائحة"، وهي تتخذ من الرمز أبلغه على طريقة الاقتباس لِمّا أُبْهِم من قبل.

    وقولها:               

وماذا ستفعل الآن

على طاق النول البتول

فعل السداء بمطواته

يسيل متسريا

أرجع - محاولا- الى الأمام

قمتين فقط / خيطين،قبل تنشيّة عرض الهرم

ع ِ حاضنات لحظة الشد/ بأنفها الموشوم

واشهد- مسترخيا

كيف تفقس اللعنة

سجالات وجودها

حسبتُ النص بوحدته كالموجة الموحية تتسع وتضيق، وكأن الشاعرة تريده هكذا أن تختلف فيه مصبات الحبكة من جماليات متعددة تنشطُ حيوية الرمز، وفي الوقت ذاته تكثف وتحشد من الخواطر والوسوسة وتسأل: "ماذا ستفعل الآن \ على طاق النول البتول؟ وضعته بسؤالها أمام الكشف والعرض، هل هو اختبار لرجولته أم هو تعليم وإرشاد؟ لابد لهذه الأسئلة أن نجد لها محررا يعالج الحيرة، أمام هكذا تنويع في فلسفة الرمز المحوري، الذي يجعل من الفعل المدور يسقي جهة إضافة التمني، فهي هنا واضحة فطوقها البتول محسوب على جهة إيضاح قدسيته، لأن المعنى مسوق بأعلى مراتب الطلب، فلا مبالغة سيقت ولا تمنع، بل هو تنبيه من البعد ومزيد من التقرب والاحتكاك، أي إنها هادية لإغراقه باللعنة أن تفقس رائحتها النّكال بسمو لاجتماع الطباق الذي سيق من أجل رفع الوهم بالتمنع، فما زالت الشعائر يلمها تصاعد الأبخرة الروحانية ضَوْؤُهَا المقدس، ومنه قولها: " ارجع - محاولاً - إلى الأمام \ قمتين فقط – خيطين، قبل تنشيّة عرض الهرم". لغةً بَصَرِيّةً كأن لم يقرأها ناقد، مسوقة بسجال ذي لغة شعرية بلغت مراتب فيض تدوارها الحسي، لا مبالغة بل صفاء تحكمها معان تتحد وتتلاقح وتستوي لتستقر في دلالاتها المضاءة، تلتقي فيها الإشارات الخفية، والذهول المعلن، من غير تصنع في فعل الأمر "ارجع" لأن المعنى تضاد في سياق لغته التحولية وفي قصدها الإعادة وبيانها "محاولاً \ إلى الأمام" صيغة الأمر تفسر شد العزم واستمر حباً، وفي جانب الانطباع أحكمت المعنى بمساقه الدلالي الأول: "وماذا ستفعل الآن؟" والسؤال يخرج من جوانية التوجه بمشاعرها الطموحة أن تحقق الوسيط بين السؤال، وفعل الأمر الذي بنيت الجملة المركبة على اعتباره الطلب المثالي في قولها: "ارجع - محاولاً - إلى الأمام"وهذه البلاغة أسماها التبريزي ب "المفضليات". وأسماها يحيى بن حمزة اليمني ب "الاستطراد" واسميها التخليق الذي يوحي للجمالية الشعرية أن تحقق أمراً مقطوعاً بلغته المُحْكمَةِ، وفي جانبه الفني صاغت إشعاراً بمزيد من الهداية لتقوى العاطفة والروح، أن تسرد واقعها المعني، فالكتابة في موضوعة "العراف \ العرافة" أشبه بالتفاف النص حول ذاته لأنه يعبر عن الوجود الممزق، وهذا إن دل فهذا يعني الشعور بالخوف مرة، والشعور بالشجاعة مرة أخرى، ولكنها بالنهاية الحياة غير المحجبة التي لا تتضاد معها الشاعرة، لأنني أعتقد تماماً أن الشاعرة لا تدافع عن أصحاب المُثلْ العليا الكاذبة، وإنما التفويف جاء ناتجاً من خلال التحويل الرمزي إلى جهته المشبعة بالتكافؤ بوصفه مجازاً، حيث إنها جعلت من الثوران العاطفي حين ينتزع من الروح، تفيض بلتها من الشد والأنين، فيكون الهرم يشد علوه ويلوب ويتفاعل ويحتسي، فلا مُثِلاً عليا لأنها مفقودة بعد حين، وحال شاعريتها يقول لا تحملق كثيراً بما تنتزعه منك، فهي الأقوى وفي قولها نتمعن: "كيف تفقس اللعنة \ سجالات وجودها".      

اذهب إليّ

    = =

استعبَرَ .. بين اغوار دروبهِ وأَنجادِ دربي

.. كأنه سحابةٌ قد أخيَلـَت .. فبكى ..

خامرَني بسنابل السمراء : حنطته ِ

.. ثم انحنى ..

عن مغارس الشيب اللجوج .. يلمُّ شعثي

برِئتُ اليه ..

عارية َالأصدافِ مكسيّة َالخلدِ

سامَرته / غرب الخطايا وشرقها

امازح العهدَ المُصاب

مُسبَطا..على صراطِ جناياتهم

" الأنبياء ...... / الكهنة مأجورون .. والقضاة لا يبغضون حق الجحيم" *

كم من الفزع / نَهَدَ بكباش القرى

.. أفلى بشغاف هذا اللعين : قلبي

إذا أردنا البحث في أصل الكلام وتبيان علله وصوابه، ثم نورد الفرق بين ما هو ثقيل على الفهم، وما هو خفيف بألفاظه ومعانيه، قد نجد ما يصح قبوله في تقسيم العلل الثوالث بمفهومها التخليصي المنطقي على أن لا تنكر هذه النصوص من أصلها، كما نبين على النحو التالي:

أولها: البنية الاحادية المقطوعة بمصطلحاتها الفلسفية الكاثرة غير المستحبة للقارئ، كونها إما أن تكون تلك الألفاظ قد اختيرت من البواطن القاموسية، وإما عصبية ذاتية تتوزع بين لغة النحاة، وبين الأسلوبية الذاتية المنحصرة جدا في مغالاة اللغة الصوفية.

الثانية: البنية الاقناعية، وهي إنتاج المخيلة الإنجابية، التي تولد من لدن الخلق الناتج من الوعي المدرك بالوحي التوليدي.

والثالثة: البنية الفاسدة التي تقلد وتحتال وتسرق، ونسمي هذا اللون بالتأليف التمظهري حيث لا حياة فيه، ولا دهشة تستضيف القارئ، ولا تصريع يجني علم البديع، ولا إحساس يشد المتلقي، وشاعرات هذا المنحى أي التقليد سميّن ب "شاعرات" النت.

ونحن في ديوان الشاعرة فاتن نور، مع إيماننا البرئ نجدها تتوزع بين الحالة الأولى والثانية، وهذا يدلنا على أن الشاعرة لا تتفق مع مذهب الظاهرية بشئ، على اعتبار هذا المذهب لا يزيد بجمع الأصل على إثباته،وقد نظر ابن سنان الخفاجي في هذا قائلا: "أنه لا يثبت منها إلا القليل*" والمقصود في قوله أن الظاهرية التأليفية لا تؤكد الشاعرية. غاية ما هنالك إن الشاعرة لا تتفق مع التعليلات الثقيلة، وهذا أبان في حضورها النحوي في جانبه الإقنائي الإقناعي الذي يعالج الدلالي حيث يستقيم فيه تواشج المعاني، من تدفق الرهصة الأولى التي تبتدأ السهل الممتنع بمجراه التأملي المحسوب بسهولته مع قابلية المتلقي، هذا كون شاعريتها جارية على الاستنباط التوليدي، الذي يعبر عن بعده الابتكاري. لنأخذ العنوان مثالاً، الذي نحن بمجرى تناولنا لنصه "أذهب إليّ"  حيث جاء المدلول البلاغي معاكساً في إتجاه قيمة فعل الأمر "اذهب" والمعروف عن اذهب إلى كذا. لكنها قالت "اذهب إليّ". ومقصودها المردود في احتواء جوابات الإرشاد المحتقن قليلاً للدلالي الذي يشير له المعنى، من حيث فصاحة المستوى البنائي، لكن لو قالت الشاعرة "اذهب إليها" وهو احتساب الدلالة المضمرة للضمير أنا المتمثل في "إليها"، وليس في "اذهب" لانزاحت المقابلة إلى اِسْتِيفاء معاني غنية الاختيار الايجابي، أي أن المدلول هنا "إليها" حرك حرية التأمل في مفهوم خال من الإرصاد، إنما يحتسب على جهة التوشيع وهو بليغ يؤكد التطور الدلالي في الداعي إليه، عبر منجز الفلسفة التحويلية القائمة على المغايرة اللغوية والفنية. وقولها: "استعبَرَ بين أغوار دروبه وأنجاد دربي" إذااعتبرنا أن اللغة تقوم على عنصرين هما: الألفاظ، والمعاني "الأفكار"، أو نقول: الدال والمدلول، أما عنصر النسبة فهو ما يوحد الدال والمدلول، بمعنى: "متى عرف الدال عرف المدلول"، لكن إذا لم نعرف الدال نذهب مباشرة إلى مرجع علم البلاغة، وهذا يعني أن القارئ يجب أن يضع القاموس في حقيبته أينما ذهب. إذن معنى واستعبر أي تكسرت العبرات في الخلق قبل بدء البكاء، ولو قالت الشاعرة تأثر لكان الإيماء إلى المعنى أسهل امرا، وبمعنى آخر "استعبر" أي "هو" تعني تحيّرَ موقفه، وألَمَّ به نشيج عاطفي ألْزَمَهُ الاستعبار، فخضع للحساب الذي تراه هي، وفي التفضيل ما يفسر بيان الرُّؤيا في حكم الإرشاد.

وبهذا فقد أصبح معروفاً أن الألفاظ التي تختارها نور تتعدد فيها الجوابات، وإن كثرت فيها التدفقات القاموسية، أما التوليف الباطني لهكذا صياغة تعني الاتجاه الذي يعبر عن معنى التشبيهية بالعظمة، وما ترتضيه لنفسها أن تكون دائماً هي الأذكى والأجمل، خاصة في قولها: "ثم انحنى". فقد درج بعض الشعراء على أن يختاروا طريق الترادف في المطارحة اللفظية، ويوظفوا الأنوية على أساس التميّز، وهذا الاعتقاد خاطئ تماماً، لأن الشعر إذا تَعَقّدَ تَبَلّدَ ليجعل من القارئ ينفر من مواصلة القراءة. وإذا أخذنا معنى  "استعبر"، وهو ما ترادفه الشاعرة في قولها: "كأنه سحابة قد أَخْيَلَت، فبكى" فنقول ثيمة "استعبر" تقيم لها الشاعرة استثناء لأهميتها المعنوية في دلالتها، لكن هذا لا يبرر التكرار في الشكل. ربما هو الخيال الذي يقود الشاعرة إلى السهو فتقع في التعريف. ولكن هذا التخليص لا يعني أنني أنكر المصب البلاغي المحكم في الجملة الشعرية عندها، بل العكس أجد الأكثر في شعرها قد أحْكَمَتْ دلالته، فالشاعرة جعلت من العين أو العاطفة قد أزدحمت فيها المشاعر والأحاسيس فأنفجرت كالسحابة، وهي المطابقة بين الغيمة والعاطفة، أو الاستعارة، أو المقابلة، ونحسبها تقرب مفهومية التأويل في المجانسة الحسية. والتوصيف الذي أرادته له في "كأنه" هو ارصاد ينفرد في المستعار "الغيمة" والمضاف "أخيلت" والمقصود "بكى" هو حساب تشكيلي بين العين والغيمة التي استعبرت ففاضت، وحال الغيمة رعدت وبرقت فأمطرت، وهذا تطور يشي بحقيقة: أن المستعار وظف للمبصر بين مصطلحين الطباق والتكافؤ، الطباق في حالة الغيمة، والتكافؤ بين التأويل والمحاصلة الشعرية.

تستمر الشاعرة تُحاصر السهولة التي تظنها تكبل حرية النحو، خاصة في لغتها المركبة، كقولها: "خامرني بسنابل السمراء، حنطته" تزيح الأسم "الحنطة" عن مكانه فتؤخره، وهذه سمة ذكية  يتضح من مدلولها القِيّمُ النوعية التي ترميها الشاعرة تحت مدواة الناقد، فلو قالت في التقرير: "خامرني بسنابل حنطته السمراء" لأصبحت الجملة مباشرة وذابلة لا حياة فيها، لكنها استخدمت التوظيف البلاغي لإحكام الصورة التحويلية غير المباشرة، أما الخلل الذي حصل في هذه العبارة يكون في اللون أو الصفة، أي إنها جعلت من لون السنابل: سمراء، وذلك ما أراته البنية الفنية في هذه الجملة الحسية هو تعويل المطارحة الكلامية من لدن مادتها، لأن اللون استنهض القيمة الدلالية لجلالة السنبل. أما الحاصل المنفعل في خامرني "خالطني" أو ربما هو شعور بالقيمة المقدسة للحنطة التي هي الزاد للبشر، والتحويل القائم في الجملة يعني التشابه في طبيعة الزاد بين الطبيعة والرجل، وهو الاختيار الذي أراد للشكل الأسمر أن يرمز إلى مقصود يشير إلى إيفاء الغرض، ولهذا تجدنا نحدد قولنا ونرمي إلى حرية قصد الرمز وثوابته، لا على طريقة مراعاة الايعاز للحكمة والتنظير، لأن القارئ العربي بسيط أمام العبقرية الشعرية. وبهذا وجدنا الشاعرة نور أولى وأفضل شاعرة "بصراوية" ظهرت لحد الآن منذ عشرات السنين، فقد بدأت فاتن بفلسفتها مختلفة عن جيلها من الشاعرات العربيات، التي شملت فلسفتها محاسن علوم اللغة التي أزاحت العلة في ما احتاجت إلى:

أولاً: المركب التحويلي في بناء الكلام.

وثانياً: التام المتحرك في حراك لوازم المعاني.

وثالثاً: الناقص المفيد لما فيها من ملائمة متى تتطلبه بلاغة الانزياح اللفظي.

ورابعاً: اللفظ الصوتي وقدرة تأثيره على السماع.

ولا أخال أن شاعرة مازجت بين المفاهيم اللغوية المنصوص عليها قديما، وبين المركب الفني الحديث الذي استحدثته الشاعرة نور، استثني من هذا القول: نازك الملائكة، لميعة عباس عمارة، عاتكة الخزرجي، والشاعرة الفلسطينية سميرة عزام، والشاعرة المغربية أمينة المريني. وساجدة الموسوي. ونضال الحاج. وروضة الحاج محمد. وإذا تعمقنا أكثر في قراءة الشاعرة نور نجد إنها أسست لبنية شعرية نثرية حركت فيها الدفق الموسيقي المفضل في القصيدة السيابية "قصيدة التفعيلة" مع توجيه أثر المناسقة مع النثر، وقد توزع هذا التجديد الذي يحسب لها من حيث دائرة موهبتها التأملية. نتابع تحقيق تميزها بالاختلاف التالي:

أولاً: إن فلسفتها المترعة بالنبل توظف المجانسة بين الصوت وحسيته، أي أن يكون الحس المبثوث بين ثنايا الصوت يشد المتلقي للتفاعل، الذي يعمل على أن يكون عاملاً منشطاً لإدراك الأفكار.

ثانياً: تُحَسْن متنوعات الوظيفة اللغوية، والأفكار المركبة، بين النواحي المتحركة، وبين المدركات المبتكرة التي تعمل على إشاعة الحس الوظيفي للفظة.

ثالثا: أتاحة فرصة واسعة لمركزية التأويل الذي ينشط الموحيات الصوفية، ويشملها بالتعريف الذي يبتغيه النص، كي يوصل للمتلقي سهوله حسيته الفتية.

"قصيدة دهاليز وجهي المُبتذل*"

إن الاختلاف الإبداعي في زوايا البنية التنويرية للنص إنما هو أمر حاصل فيه، كما عبر ابن الأثير بما يلائم قولنا، "أن الزوايا خبايا، وأن في الخبايا خفايا". أما الجزء الأكثر دراية في هذه القصيدة فقد حقق للتورية أحكامها في التعريض والأحاجي للمعاني الدالة على أمر بظاهره، يكون مبنياً على وجين متقابلين بفعل جواز إرادة المعنى الأصلي، وما تفرق واتفق فيه ولم يكشف عن النية الدالة على مرادين، وهو في الوقت ذاته متقارب الكناية بالملامح المعنوية ودرايتها بضروب التفنن وشيوع سهلها المدرك وكأنه اشتقاق الحريريات الصوفية، الذي يأخذ جواباته من متلاقيات نظم الطراز اللغوي المركب في الفنيةِ المُحْدَثَةِ، التي اعتمدتها الشاعرة في دلالاتها الحسية لبيان الاسْتِقْرَاءُ الذي تتسم به الموهبة التصاعدية على النحو التالي:

أولا: الإيقاع الأنموذجي الرشيق

ثانياً: الديناميكية الحالمة

ثالثاً: وحدة تقاسيم الغنائيات الصوفية

    وكما قلت إن الشاعرة نور شاعرة موهوبة غير مقلدة لمدرسة أو لشاعر أو شاعرة، بحكم تلقيها المفاهيم التثورية في المنازع العاطفي بين الأنا العاطفية، وبين إيقاظ المساواة نحو بلوغها التحرري، ولذلك حققت للتعدي قوته بواسطة طرقها المبتكرة كما في قصيدة "دهاليز وجهي المبتذل*" في قولها: "الشاردُ بحدبةِ القرير المنهزم \ العائد بالجحيم" وكأنك تقرأ الصوفيات تعلن عن لجة المضامين التي تستفز مخارج الحوار الباطني بالتقابل التوريدي، لكي تؤكد الإقناع المشاعي غير الظاهري بين فعل التوعية، ونوازعه المضادة، وما يتصل بهيئة الإيقاع الذاتي إنما هو توليد لجوابات الطاقة الإيحائية في حواريات النص وإعجازه، الذي يصب شأنه في نقد النظم المجتمعية الزائفة فيما يغبر عن حاله المعكوس من لدن الآخر، وثورتها التقنية تقول حتى السعادة الصغيرة يمكن التصرف بها، والتوصل إليها عن طريق إهمال الوعي التقليدي الذي يطرحه أصحاب النظريات المتطرفة، يقول كانط: "التنوير هو تغلب الإنسان على قصوره، الذي جلبه على نفسه، ومبدأ التنوير هو أن تشجع استخدام عقلك بنفسك*" فالمشمولية التنويعية في "وجهي المبتذل" اتصلت باللاواقعي المبتذل في الذاكرة الجمعية، لأن الشاعرة حطمت قيود الإشارة في اللاتأثري المعكوس في اللاوعي الباطني الاستقرائي المشمول بفلسفة: "الخاص جوهر العام". عندما حققت اتساع اللعب على التنويع في الوحدة الاستعمالية، من خلال التلاعب الذكي بالألفاظ، بوصفها الشفرة التعبيرية التي تتجاوز وحدة الحواس، وبساطة الانْعِكَاس الترميزي، كون النص حجة قائمة على الخلق، لأن الماهية التجريدية في سمات وحدتها التعبيرية ساقت التأويل فيما يجهله الآخر وقولها: "مَنْ مثلنا نحن البائسون \ حثالة الأرض يتقد بضحكاته الساخرة" ومن هنا يكون الاستسقاء النقدي للذات البائسة يوسع من مفهوم البرهان المحمول على تسلق أمر غير واقعي إلى إرادة تشبه الحقيقة، الذي تكمن إحالتها إلى متكلمية الإقناع الذي تنقص رتبته لتبين لنا أن القوم البائسون، دون أن تتعالى صفات الشاعرة المطلوب أن تثبتها بالبيان، والمنزلة التي قد يقولها النقد إنما القول هو تعبير عن النزعة النفسية في التفكير الذاتي لمجرد المحاولة لمفهوم محسوب، مع أن التعبير الطاغي على مشمولية النص واصل التحقيق في لغة المفاهيم الوضعية لهذه البيئة أو تلك. والمدرسة التعبيرية ليس شأنها شأن جديدا، إنما اعتبر الشعراء الأوربيون والأمريكان هم أول من فجر مفهوم التعبيرية أمثال: جورج بوشنر، فرانك فيدكند، أوجوست سترندبرج، ووالت ويتمان "1849 – 1912"، هؤلاء حققوا للأجيال التي تلت حقبتهم مفهوماً معبراً عن الدلالة ومكوناتها التأثيرية وخاصة عند الشعراء اللبنانيين. إذن في هذه الدهاليز المبتذلة ازاحت الشاعرة الستار عن الأنا العظيمة عند الأنسان، التي عرفتها واشاعتها نظريات الأنبياء والأوصياء الذين اكتشفوا الذبح والتعدذيب الذي نحن عليه الآن. فلو قيل عنهم فلاسفة منظرون لكان الأمر أقل حيرة.

وإذا قلنا النص " دهاليز وجهي المبتذل" مس الوتر الحساس في معالجة التقنية التنويرية، بأسلوب ارتقى حتى وصل إلى أن كافة الايعازات التي نتلقاها كانطباعات عبر العقل، إنما هي في الحقيقة تخبر الحواس أن الذات مقدسة تقتضي الشعائر معبراً لاستقلالية الفعل الذي تطلبه هي،  كما أشار كانط عن التنوير المتمدن، لأن الشاعرة تجاوزت الصفة غير الاستعمالية للغةٍ متحررةٍ من قيودها، ولاقحت المواقع الجمالية التي تألفها شاعرية نور المتعدية على الشعر النسوي منذ زمن، بحلمها الطارف الذي يغذي تدفق ينبوعها الإبداعي، ومنه تلاعبها باللفظ الخفيف الذي يرشق المعاني محاسنها، وهو ما افتقده الكثير من الشعراء، فأصبحوا مؤلفين، وخاصة البعض الغالب في الشعر النسوي العربي، اللاتي سقطن في القوالب العدمية التي سببت هدم وتشويه وتعرية القصيدة العربية من مضامينها الشعرية الحقيقية، بينما نجد نور تقف على الجانب الآخر، تشرق أدواتها بالقصيدة الحسية الوترية التي أتسع تقبلها والتغني بها، وقد حفظتُ من الشاعرة الكثير من خلال متابعتي لها، مع أن البعض من هاجم نور اعتبروها متطرفة في نزعتها المتحررة من القيود الوضعية المنادية للتطرف، وما في هذا التطرف من ابتذال لا يمكن أن يتم إلا بالتمرد عليه، لأن الأنسانية الشخصية لا يمكن أن يعالجها إنسان لم يتفق تفكيره مع حرية الرأي. ولذلك وظفت نصوصها لكي تتحدى أسلوبية النزعة التقليدية، مبتعدة عن قوالب اللغة الجامدة المتوارثة من جيل لجيل، تلك التي تخلو من الموسوعية الحسية، فجاءت قصيدة "دهاليز وجهي المبتذل*" تحدياً حقيقياً لألغاء القوالب التأليفية الجامدة بكل عناصرها.

    نتابع ونقرأ هذا التوزيع في الفلق التنويري المبني على الأسس الدورانية المتوازية في قوتها التأثيرية المقبولة، وقصيدة:

قبل الأوان بقليل

(1)
تبرقُ من فلقةِ الفجر البعيد.. أطرافُ طفولتي
أكادُ العبُ بالماء والطين..
أوشِكُ أن ألتقيني.
الآوان: أسطورة ُالنارِ والسَّمندَل.
المقام: على شفا أناكَ.
وإليها
أزُمُّ الشغافَ وأُطرِيه
لبرزخ الفيوضِ الآجلة.
قصيدة مكثفة تختلف صورها النطقية "الأوكوستيكي" المُمَوَلةِ بمعطيات أسطورية عبرت عن التكوين الخيالي باندفاع حسي: "الأنا" الخلاقة وسراجها الطفولة التي استحضرتها الذاكرة كلمعة البرق، حيث أن طفولة الشاعرة حاضرة وقد بنيت الشخصية على أساسها، حيث يأخذنا الشعر إلى الوضوح بدءا بالفلق التوصيلي للغاية "الجسد" و "الذات" و"الفلق" و "النار" و"الأسطورة" وبعضها يعبر عن الأصوات الحسية والسمعية، ولذلك حقق اعتماد العرض مطلباً مؤثرا في واقعية الإخراج الصوتي بقولها: "تبرقُ من فلقةِ الفجر البعيد" والقرآن يقول: "فالق الإِصْبَاحِ" آية 96 الأنعام. وابن جني يحث النحو نحو التجديد قائلاً: "نيطت به من علائق الاتقان والصنعة*" وهنا فهو يشير إلى علم اللغة وتأويل القياس والنظر والمحاججة، وهذا البحث يتساوى وصناعة نور الشعرية، فتبنيها خصائص الخلق طوّر عندها المحسن البنائي للنص، فالطفولة في قولها "أطراف طفولتي"  أشاعت التداعيات الذهنية، من مختزن الأصوات، لأنها المثار الممول للمشاعرية التوليدية الدائمة، على اعتبار أن الطفولة لم تكن وحيدة، كانت تقبل مشاعر الآخر أو هي من توالفه، وبهذا الإرشاد تخرج الرموز إلى الضوء، وتجعل من بياناتها تدور حول فكرة استقلالية حرية الأفكار، وأيمانها بمشاعرها الخاصة. فقولها: "أكاد ألعب بالماء والطين" أي أن الطفولة ما زالت حاضرة، تتبنى أدوات الحياة: "الماء" و "الطين". ولهذا فالرموز تتفاعل في دورتها الخلقية عندما تعرض مقتضيات الطلب، حين تخلص الطلب من خرسة، وخاصة الحسي منه أن يتجاوب بالمماثلة مع الألفاظ المبنية على طباق المعاني، وهي بهذا تكون قد كيّفت الرمز لمبتغاه لمّا أوصلته إليها في هذا: "أسطورة ُالنارِ والسَّمندَل" تلك أسطورة هندية تقول أن طير السمندل له ريش يتختلف عن ريش بقية الطيور لا يحترق في النار، وهذا يعني المقدس، والشاعرة تدري أن توظيف الرمز الأسطوري يمد الشعر بالطاقة الخلاقة التي هي طرف جوهري في تميز الخصوصية النوعية. ورؤيتها توضح أن هذا التعريف جامع يستوعب فكر الأفضليات ما قبل الغريزة،  وفي قناعتي أن كل شاعرة غير ببغاوية إنما تنبثق من مساحة إبداعها التوليدي، المتمول من العقل النقدي الذي ليس له إيمان بغيره، وفي قولها: وإليها \ أزُمَّ الشغاف وأُطريه \ لبرزخ الفيوض الآجلة." هذا تقدير لأصداء حياة جوانية تنظر إلى أن الحياة الأولى لا فيضان للحلم النموذج، الذي يصاحب الأنفجار العاطفي، فهو تحديد غير منقوص تبتغيه هي له، وكأنه تأجيل قادم أو منتظر حسب رغبتها التي ترتضيها، والرمز هنا مسجي على التمني وإن لم يرغب، حسب مطلب لغة تثويرية الجسد المقتضية والمقتحمة للفعل.

(2)
ضَلِلْتُ.. ربما طوعاَ!..
إذ استوت روحُ العقيقِ على سندانِها.
لفتيل الفكرةِ وسَرجِ القيام..
أخرُّ مُجنَّداً..بالفأس.. على نهدِ المسافة
ستمكثُ بيّ النذورُ والقرابين..
حتى يموءَ الشعريانِ
أو.. تنزَّ البوصلة.

    تواصل الشاعرةتوظيف أشكالها الشعرية الأكثر تجريداً، وأكثر إصراراً على كشف الهوية المتشاكلة مع المؤثرات النوعية باستعراض القيم الصوتية، وحال الذات الشعرية تحيل الرومانسية إلى واقعي، عبر تنفيذ أهدافها من خلف الواجهة الثابتة، من عمق مجتمع تسوده أخلاق زائفة، ورفاهية دينية مُسْتَغَلَةً من قبل الشكلانيين المتطرفين على أختلاف نواياهم، في المضامين والأشكال المنسوجة على توتر التطرف. ولي أن أشير إلى أن الشاعرة المثقفة نور واحدة من الشواعر القليلات اللاتي وقفن ضد النزعة المطالبة بتقييد حرية التعبير الشخصية للمرأة، على اعتبارها كائن "ناقص العقل والإرادة*". والشاعرة السويسرية إريكا بوركارت تصرخ متحدية الواقع المغلق بقولها: "أنا أحيا" تعاطفاً مع رأي ديكارت وكأنها تحاكي الطبيعة واستقلالها الصامت، والشاعرة نور أدى اختلافها مع جهنمية تلك الأفكار إلى الأخذ بها إلى مبدأ اللزوميات، فأخذت تحاكي الواقعي العام بلغة شعرية مختلفة، من خلال البنية التجريدية بفعل إحساسها المخضب بالأنتماء إلى حيث ما نسميه: لو أردنا بالرومانسية الملتزمة التي تحاكي الواقعي الخالي من الزخارف. ونقرأ: "ضَلِلْتُ.. ربما طوعاَ" إذن التأكيد أصبح لازماً بشدة، لأن التوافق مع نفسها بقناعة الآخر لها بالضلال، هي مشاكسة وتعترف بهذا، لكنها غير مبالية، لأن الإدراك المُقنع لما تتلمسه مبني على ثقافة متحركة الأتجاه، وذلك فأن قناعتها موجبة أن تعري الأتجاه المتخلف المطالب بتحييد حرية الكتابة أن لا تشارك في التقدم الإنساني، وإزاحة التشابه المظلم بين التنوير، ومبدأ المتخلف الحاكم بمصائر البشر، لأن الإنسان هو من فجر المعرفة وليس "الغيب" الذي يمنح هؤلاء السلطة التي تميّز بين المرأة ناقصة والرجل كاملاً. ففي قولها: "لفتيل الفكرةِ وسَرجِ القيام". لاشك هي محاولات للتعرف إلى ما هو إنساني في الإنسان، والمطلوب هي السعادة المفترضة أن تثري الطموح بإبداع يثور ويوقظ الآراء والإرادة والأهداف، ويحصن الاستقلالية الشخصية بحرية أفكارها، لا بأفكار الآخرين الذين يقفون ضد الفنون بكل أشكالها، ويحرمون الجمال والإبداع والتنوير، ويهدمون الماضي بحجة موروث الأصنام.

(3)
تريثوا..
قد يَفسَدُ ملحُ الأوان..أقولُ لسنانير المعركة.
بالنّيرِ وثورينِ هائجينِ فقط
انكِشوا النهرَ.. والنهرَ (لطفاً)
واسْتَذرِفوا شجيرةَ الغاف
ومتاعَ الراحِلة. 

 تميزت الشاعرة فاتن نور بالقواعد العامة لكل ما يختص بالمعرفة وعلومها اللغوية والفنية،التي عبرت عنها في صوّرها المنطوقة، وهذا نجده في شواهد النقودات التي عنت نصوصها الشعرية، فمن غير المألوف النقدي أن نقرأ الشعر بغير تأويله الحقيقي وإن جاء مبهماً، خاصة إذا كان يعالج النزاعات القبلية التي طورت من موروثها المخزي وطورته، إذا كانت تلك النزاعات تأخذ بيان التناص كما هو الحال في هذا المقطع، فقولها في صيغة الأمر: "تريثوا" أو نقول للأنصاح أو الإرشاد، أن لا تستعجلوا الحالة كي لا تفسدوها، فهنا جاء النثر توظيفاً يضع تصميماً يرضاه الذوق. وهي تتابع النصيحة وتستمرئ مفعولها بقولها: "أقول لسنانير المعركة" وسنانير ومفردها يعني رئيس القبيلة، في هذا التوليف حققت الشاعرة استعارة طبيعة الخلافات بين المذهبين الرئيسين المتخاصمين وأشارت لهما بالثورين، وقد علق على رقبتهما النّير* وهما يحرثان النهر أي الوطن، أي إنها أتخذت الاستعارة محركاً لدورانية الرمز وجعلته مصدراً لنقل الأفكار، وتثوير الانفعالات، وبالتالي أدت وظائفها في نطاق ما بنيت على اساسه معطيات لغتها، لأن الاستعارة حققت للرمز أن يعبر عنها ب الإضافة التحويلية المشعة في جوانبها البيانية، وبها حققت تخصيص الأسلوبية في اِتجاهات الصورة الشعرية. تتابع بذات الانطباع وما يحسن تأثيره على القارئ بقولها: "واستذرفوا شجيرة الغاف" وتختم في: "ومِتاع الراحِلة" والغاف نوع خاص قوامه يتوسط الأشجار الكبيرو وشجيرات صغيرة كالعاقول مثلا، فهي شجيرة كثة الفروع الريشية، والمقصود من استعارة هذه الشجيرة ربما في متعة ثمرها الحلو، وهو أشبه بالارشاد الدلالي ومقصوده، فإذا قلنا أن الشاعرة اعتمدت نظريات غاية في الدقة ووظفتها بأسلوب تقني ناجح، ووزعتها حسب درايتها الشعرية تحت نظر النقد، ولأن المعرفة عند نور تعد اِنْسِجاماً تلاقحياً بين الثقافة والتنوير، وفي ذات السياق نجد التنوير يهتم بالجانب النظري الواضح في نصوصها، بينما الثقافة تهتم بجوانب مختلفة، والجانب العملي عند الشاعرة هو اهتمامها الخاص بجنسه الأدبي، وما يرافق ويتفق مع هذا الجنس وما يبنى وبنيَ عليه، حسب قدرة وسعة الذات على التفكير الايحائي التوليدي المختلف بين مبدع وآخر.

أترك للقارئ قراءة ديوان فاتن نور الشعري والتمتع بمنجزاته التوليدية المختلفة.        

= = =

ملحوظة: سوف يصدر كتابي "الشعر النسوي العربي" الجزء الأول ويضم الشاعرات التالية أسماؤهن: نازك الملائكة، لميعة عباس عمارة، بشرى البستاني، فاتن نور، جومانة حداد، مليكة العاصمي.

الهامش:

راجع المنهج الماركسي، المداخل الاجتماعية لدراسة الأدب.

راجع ابن جني، كتاب: سر الصناعة. ج1 – ص10

أبو نُواس: كتاب تاريخ الأدب العربي. الجُز الثاني. عنر فروخ ص 158                    

اقرأ: كتاب نقد الشعر للناقد كمال مصطفى

اقرأ: كتاب لسان العرب، ابن منظور. وهو 

اقرأ: كتاب الايضاح 3\4

اقرأ قصيدة "من هنا" الرابط هو: http://www.alnoor.se/article.asp?id=111832

اقرأ: أصول البلاغة ص82. و كتاب الاكسير ص259. وكتاب الفوائد المشوق ص 146.

اقرأ كتاب علم البديع د. أحمد محمد علي.

اقرأ كتاب: "علم اللغة بين القديم والحديث" د. عبدالغفار حامد هلال.

اقرأ كتاب التنصيص للتبريزي 289.

اقرأ "سر الفصاحة" ابن سنان الخفاجي.

اقرأ كانط: كتاب نقد العقل المحض ص87

ابن جني: الخصائص – ص33.

المرأة ناقصة العقل والإرادة

أنظر ابن هشام: شرح شذور الذهب ص12 .

اقرأ ديكارت: كتاب تأملات في الفلسفة الأولى 1641

اقرأ كانط: كتاب نقد العقل المحض، ص 110  

رابط قصيدة: دهاليز وجهي المبتذل  http://almothaqaf.com/index.php/نصوص-1/2011-07-04-08-42-34.html

النّير: هو الخشبة المعترضة فوق عنقي الثورين أن تجمعهما وارتباطها بالمحراث.

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو