للكاتب رأي

أردوغان ومسعود البارزاني والمقامرة الكبرى

التاريخ: 05 تموز 2014.

43434يوم بدأ أردوغان يتدخل في الشأن السوري، ويُصدر الإنذار تلو الإنذار للسوريين بأن صبره يوشك على النفاذ، كنت، شأني شأن أي مراقب للأحداث عن بعد، أعيش حالة من يفيق من حلم جميل، فقد كنا حتى ذلك الحين مستبشرين بإزالة الحدود بين تركيا وسورية فيما بدا لنا إيذانا بانطلاق الشرق الأوسط الجديد الذي تلعب فيه تركيا بثقلها السياسي، والبشري، والاقتصادي دورا رائدا في العالم العربي عبر البوابة السورية. تدخُل أردوغان في الشأن السوري يومها – وأنا هنا أشير إلى إنذاراته بنفاذ صبره، وليس إلى أي شكل من التدخل الفعلي، كان يثير أسئلة صعبة، فما كنا نراه من انفتاح انقلب فجأة إلى انغلاق مفجع، وصار خط الحدود الذي أدخل بانفتاحه السرور والأمل في قلوب ملايين الناس على جانبيه ينذر بالشؤم، ويذكّر بخط الحدود بين العراق وإيران بين سنوات 1980 و1988. في تلك السنوات العجاف أيضا كنا نعيش صدمة فقد كنا نأمل أن زوال حكم الشاه في إيران سيفتح أبوابنا على مصاريعها للجمهورية الإسلامية التي حولت توجهات إيران بمائة وثمانين درجة نحو التحالف مع العرب ضد الكيان الصهيوني، لكننا تحولنا بدلا من ذلك، بسبب مقامرات صدام حسين، إلى بوابة للموت المجاني بمئات الآلاف. ويومها كنا ندرك أن التيس السعودي لعب بعقل صدام لعبة التيوس فحدث ما حدث. وصرنا في حالة تركيا وسورية نخشى أن تكون الأصابع السعودية والقطرية الخبيثة قد بدأت أيضا لعبة التيوس على الحدود بين البلدين. ولم يخطئ إحساسنا. وكان السؤال الذي يحيرنا هو: لماذا يجري إجهاض أكبر انفتاح اقتصادي، وسياسي، وثقافي بين بلدين في منطقة تعبت من التقسيم والصراعات؟ وكان الجواب الحاضر على الألسنة أن أردوغان يريد الحرية والديمقراطية للشعب السوري. وكان الجواب يعود ويثير أسئلة أخرى: إذا كان نقص الحرية والديمقراطية في سورية يقلق أردوغان بحيث يجعله يضحي بذلك المشروع العظيم، وبمصالح تركيا في ذلك البلد، فلماذا لا يؤرقه الغياب المطلق للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في السعودية وقطر؟ لماذا يضع أردوغان، وهو الذي يدعي أنه وريث العثمانيين، يده بأيدي هؤلاء التيوس وهو يعرف أنهم كانوا خنجرا مسموما في ظهر الدولة العثمانية قبل قرن من الآن؟ وكل جواب على أي سؤال لم يكن إلا ليثير المزيد من الأسئلة. وقيل يومها إن أوروبا لن تسمح لتركيا بأن تصبح مركز استقطاب للدول المسلمة من حولها، فتكوّن اتحادا خاصا بها يوازي في سعته وقدراته الاتحاد الأوروبي. اسطنبول لن يُسمح لها باستعادة مركزها على أيام سليمان القانوني. وأوروبا تتحرك بشكل أو بآخر لإجهاض الانفتاح التركي على العالم الإسلامي من حولها، وأية أدوات تنفعها في هذه الحركة مثل تيوس الجزيرة العربية! وكان مثل هذا الكلام يثير أسئلة أخرى، منها: هل وريث العثمانيين غافل عن هذا؟

نحن لم نعقب كثيرا على ما قيل، وزعم، وتم إثباته من سياسات أردوغان تجاه سورية، كي لا ننساق وراء الإعلام وقيله وقاله. ولكن، رأينا بعد ذلك الخلافَ يدب أيضا بين أردوغان ونوري المالكي في العراق، وازدادت حيرتنا: وصارت الأسئلة تتوالى على رؤوسنا، وكاتب هذه السطور قال وقتها بكل إخلاص إن هناك مؤشرات خطيرة تبدو في الأفق على تآمر إسرائيلي سعودي قطري على شعب تركيا، وقال كذلك إن بغداد ودمشق قلعتان على الطريق إلى اسطنبول فإن سقطتا فإن الطريق إلى اسطنبول تصبح سالكة أمام الصهيونية وحلفائها من عرب الخليج، وهم يريدون شرا بكل مراكز الحضارة في العالم، سواء في تركيا، أو في سورية، أو في العراق. والحق الحق نقول إن خشيتنا على اسطنبول كانت دائما أكبر من خشيتنا على بغداد ودمشق، لماذا؟ لأن بغداد ودمشق عرفتا على مدى التاريخ الغزاة والفاتحين، وصمدتا دائما، وبقيتا عربيتين إسلاميتين رغم كل شيء، فمن المغول والتتر إلى الانجليز والفرنسيين وغيرهم، مرّ كثيرون من هنا فتغيروا ولم تتغير لا بغداد ولا دمشق. يأتينا الغزاة ويذهبون وقد أخذوا معهم دين هذه الأمة وثقافتها. ويعرف السيد أردوغان أن خمسة قرون من حكم العثمانيين لبغداد ودمشق لم تستطع أن تسلبهما هويتهما العربية. بغداد يحكمها الشيعة، أو السنة، أو المسيحيون لكنها تبقى في آخر المطاف لأهلها، وكذلك دمشق. أما اسطنبول (وقلت سابقا، وأقول الآن أيضا: قلبي على اسطنبول) فإنها إن سقطت (لا قدّر الله) فإنها ستلحق بغرناطة، وقرطبة، وأشبيلية. نعم تجربتنا في الأندلس لا ينبغي لنا أن ننساها، وأوروبا لن يهدأ لها بال طالما اسطنبول إسلامية.

 

نحن نحترم تركيا، وشعب تركيا، ونعرف أن جزء كبيرا من حقد الأوروبيين علينا وإصرارهم على إذلالنا وسحقنا، وتخريب مدننا سببه ما علق في أذهانهم تاريخيا من سقوط القسطنطينية بأيدي المسلمين الأتراك عام 1453، وما علق في أذهانهم من تلك الجيوش العثمانية الجرارة على عهد سليمان القانوني وهي تحاصر فيينا، وبلغراد، وروما، وغيرها. نحن ندفع ثمن ما قام به العثمانيون في أوروبا باسم الإسلام وتحت رايته، ونحن، وبصرف النظر عما كانت عليه الدولة العثمانية من حق أو باطل، ندين الخيانة التي ارتكبها تيوس الجزيرة العربية بتحالفهم مع الانجليز ضد الدولة العثمانية.

لم نكن لنستغرب ذلك من وريث العثمانيين لو أنه اختار أن لا ينسى الخيانة بحق العثمانيين الذين يدعي أنه وريثهم، ولكن نحن صدمنا بأردوغان يضع يده بيد من خان العثمانيين وطعنهم من الخلف، ويدخل في لعبتهم الخبيثة ضد العراقيين والسوريين الذين لم يخونوا العثمانيين مع أنهم تحملوا منهم الظلم على مدى قرون. حيرتنا تغلبنا عليها بأن افترضنا أن أردوغان يشعر فعلا أنه وريث العثمانيين، لكنه لا يفرّق بين العرب إطلاقا، وكأنه وهو يرى الإرهاب السعودي والقطري في العراق وسورية يقول في دواخله "خاين عرب، بأسهم بينهم".

لكن السيد أردوغان صار يعودنا على الحيرة، هذه المرة بسياسته إزاء مصر. لقد صرخنا في حينه أن العلاقة القوية بين تركيا ومصر أمر مطلوب، وحيوي، وضروري لاستقرار المنطقة وازدهارها، ولكن لا بد لهذه العلاقة أن تكون مبنية على مصالح دولتين وشعبين بينهما من وشائج الصداقة والأخوة ما بينهما، وليس على أساس علاقة بين حزبين في البلدين. وهنا أيضا تلقينا صدمة كبيرة حين انتهى الانفتاح التركي على مصر بانتهاء حكم الإخوان المسلمين فيها، وذهاب مرسي. تركيا دولة إقليمية عظمى ولا يمكن أن تقوم علاقاتها مع الدول الأخرى على أساس العلاقة مع حزب، أو الصداقة مع شخص، ولكن هذا الذي جرى، ويجري.

وإلى هنا فلا حول لنا ولا قوة، فأردوغان زعيم تركي يصوت له نصف الناخبين الأتراك، والشعب التركي وحده له الحق في محاسبته على سياساته التي لا نستطيع نحن إلا أن نصفها بالمقامرة. لم يعد الأمر يتطلب خبرة كبيرة كي يحكم المرء أن سياسات أردوغان صارت تضر بمصالح شعب ودولة تركيا أكثر بكثير مما تضر بمصالح الآخرين.

واليوم، بظهور طاعون داعش في العراق نرى أن تركيا صارت على مفترق طرق حقيقي في علاقاتها بجيرانها كلهم، وليس بالعرب وحدهم، ولم يعد الأمر متعلقا بمنع تركيا من استقطاب العالم الإسلامي من حولها، بل بتهديدها هي في الصميم. كاتب هذه السطور لا يتهم تركيا بالتآمر على العراق، أو بتسليح داعش (هذا أتركه لغيري ولمن عندهم الأدلة والشواهد على ما يقولون)، ولكني أدق ناقوس الخطر بأن سياسة أردوغان، حتى بلا تسليح داعش، بل مجرد الصمت على ما يدور في العراق، صارت تثير أعمق الشكوك، فهي لا تضر بالجيران فقط، بل وتفتح ثغرات كبيرة في أسوار تركيا نفسها. تنبهوا: المؤامرة السعودية القطرية الصهيونية على شعب تركيا تسجل نجاحات ملموسة.

على أية حال هناك على الأقل أمران نعتبرهما مصدرا للحيرة والشكوك حول سياسة أردوغان، وينتاب الكثيرين من أصدقاء الشعب التركي القلق منهما، ونرى أنه ينبغي للسياسيين الأتراك الانتباه إليهما في تعاملهم مع العراق الآن في ظل الهجمة السعودية الصهيونية الداعشية على شعب العراق.

 أولا) التركمان ومسألة كركوك

تركمان العراق ينظرون إلى تركيا، تاريخيا، على أنها ضمانة لهم ولحقوقهم باعتبارهم أقلية بين قوميتين كبيرتين في البلد، العرب والأكراد. لا نقول إن التركمان عندهم ولاء لتركيا بدلا من الولاء للدولة العراقية. أبدا، فولاؤهم للبلد الذي يعيشون فيه، وهم على أفضل علاقة بالآخرين، خاصة العرب. ولكن عندهم في وعيهم القومي ارتباط عميق ذو طابع لغوي، وثقافي، وسياسي بتركيا وبالشعب التركي، ويسود بينهم تقدير بأنهم في الملمات يدخلون تحت مظلة تركيا، فهي ملزمة أخلاقيا بحمايتهم، ودعم حقوقهم.

التركمان في العراق عاشوا على مدى القرن الماضي، بعد انهيار الدولة العثمانية وانسحابها من العراق، في وضع مستقر قياسا إلى ما عانى منه غيرهم، ربما بفضل العلاقات الجيدة بين تركيا والعراق. أما اليوم فيعيش هؤلاء صدمة مروعة، فعصابات داعش تجتاح قراهم، ومدنهم، وتحرق بيوتهم، وتغتصب نساءهم،  وتقتل أطفالهم لا لشيء إلا لأن أكثريتهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية – هذه سياسة إجرامية وهابية سعودية صهيونية. يقلقنا أن أردوغان صامت صمت القبور إزاء ما يحدث للتركمان في العراق.

أردوغان يخذل، بصمته الذي يوحي بالقبول،  تركمان العراق، ويتخلى عنهم، ويتركهم للموت، والهلاك، والإذلال على أيدي العصابات الوهابية التي تفتقر إلى الشرف والإنسانية في وقت تعجز فيه الحكومة المركزية عن حمايتهم. وما يحيرنا هو أن الجميع، ما عدا أردوغان، يدرك أن هذا الوضع يفتح ثغرة في أسوار تركيا، فهناك، كما يقول بعض الأتراك، أربعمئة مليون إنسان في العالم يتكلمون هذه أو تلك من اللهجات التركية، ويرتبطون بشكل أو بآخر بتركيا بنفس طريقة تركمان العراق، ولتركيا عندهم مكانة الوطن الثاني. إن موقف أردوغان – حتى الصمت، وليس بالضرورة التدخل لصالح داعش، يرسل إشارة سيئة إلى هؤلاء في كل العالم: تركيا لم تعد لها في ظل أردوغان مسؤولية أخلاقية تجاه التركمان في العالم!! ربما صدرت سابقا إشارات سلبية من ناكارنو كرباغ في أذربيجان. أما في العراق فهناك كارثة تحيق بسياسة أردوغان.

تُرى أية مصلحة لتركيا في الصمت على المجازر ضد التركمان في العراق الذين يستهدفهم حلفاء أردوغان السعوديون في داعش لمجرد أنهم شيعة؟

الجرائم التي ترتكبها داعش في شمال العراق وغربه تتسلسل من تهديد وحدة العراق إلى أبسط حقوق الإنسان الفرد، وبين هذين القطبين من الجرائم نجد أن أكثر فئتين عراقيتين متضررتين من جرائم داعش السعودية هما المسيحيون والتركمان. ربما لا يشكل المسيحيون مسألة مهمة في توجهات أردوغان، بل على العكس ربما ينفعه أن مستقبل الأيام سيشهد قضية خطيرة ينشغل بها العالم، وجوهرها اتهام أممي رسمي للسعودية وأدواتها الإرهابية بارتكاب مجازر بحق المسيحيين في سورية والعراق، قضية لا تقل في خطورتها عن تلك التي تهدد بها أوروبا دائما تركيا تحت مسمى "مجزرة الأرمن". والحليم تكفيه الإشارة.

أما مسألة التركمان فستلاحق تركيا وليس السعودية، فالتركمان هم المجموعة القومية الثالثة في العراق بعد العرب والأكراد، وكان هؤلاء يتركزون في مواقع جغرافية معروفة تاريخيا أكبرها وأهمها مدينة كركوك حيث كان التركمان حسب الاحصائيات الرسمية حتى الستينيات من القرن الماضي يشكلون أغلبية السكان، وكانت كركوك مدينة تركمانية بكل المقاييس. هذه الصورة تغيرت بدءً من السبعينيات في القرن الماضي نتيجة سياسة التعريب التي استخدمتها السلطات في بغداد. ودون الدخول في التفاصيل فإن ظهور طاعون داعش في شمال غرب العراق حوّل مصير المدينة ديموغرافيا إلى اتجاه آخر. الآن سيطرت قوات مسعود البارزاني على كركوك وأعلنتها مدينة كردية، وستشهد المدينة حتما عملية تكريد بشعة تختزل وجود التركمان في المدينة بأحياء متناثرة هنا وهناك. أما في المواقع الجغرافية التركمانية الأخرى مثل طوز خورماتو، وتازة، وبشير، وقرة تبة، وتلعفر، وعشرات غيرها، فإن التركمان فيها أصبحوا شذر مذر، ومزقتهم أنياب داعش وحولتهم إلى لاجئين في المخيمات، ناهيك عن أن مناطق واسعة في ديالى يختلط فيها التركمان بالعرب والأكراد تحولت هي الأخرى إما إلى مسالخ بشرية تحت سواطير داعش، أو مخيمات لاجئين تحت رحمة مسعود البارزاني. التركمان لم يعد لهم في ظل دواعش السعودية كيان جغرافي في العراق. ونتساءل: إذا كان وريث العثمانيين يسره أن يرى نار العرب تأكل حطبهم، فما الذي يسره في رؤية تركمان العراق، وهم من نسيج العثمانيين، يتحولون إلى قوم من الغجر؟

ثانيا) القضية الكردية

نحن لا نبالغ في توقعاتنا من تركيا، فقد سبق لكاتب هذه السطور أن بين أن كون تركيا جزء من منظومة حلف شمالي الأطلسي يفرض عليها التزامات لن تتملص منها أية حكومة تركية حتى ولو كانت إسلامية، أو اشتراكية، ولكن نقول أيضا إن تركيا ليست محرومة من إمكانيات المساومة في سياساتها، فهي حجر الأساس في جبهة الحلف الأطلسي إزاء روسيا، ويمكنها لذلك أن توازن بين التزاماتها وبين استقلاليتها. أردوغان يضعنا في حيرة، ففي نفس الوقت الذي نرى فيه الاتحاد الأوروبي، وهو وجه من أوجه حلف الأطلسي، يتمدد شرقا بحيث صار يضم تحت جناحيه دولا إلى الشرق من تركيا – أوكرانيا، ويستثني تركيا، فإن أردوغان يعبث بأوراقه القوية لتحقيق رغبته في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعزل تركيا عن وسطها الإسلامي أيضا، والولوج في صراعات لا أفق لها مع هذا الوسط، بل ويتخلى عمن يشكل همزة وصل لتركيا مع البلدان الأخرى، الأقليات التركمانية.

أؤكد مرة أخرى أن كاتب هذه السطور لا يوجه إلى أردوغان أي اتهام بتمويل وتسليح داعش، رغم أن الكثيرين يفعلون ذلك، ويصرون عليه. لكن السكوت عن جرائم داعش، والسماح بتداول مفردات من قبيل "الثوار السنة" في بعض الإعلام التركي مؤشر خطير. تركيا ظلت على مدى سبعة عقود من الزمن بعد انهيار الدولة العثمانية منقسمة بين العلمانيين القوميين وبين العلمانيين اليساريين، وفي العقدين الأخيرين تغيرت الخطوط الفاصلة بين الفئات المجتمعية فيها، فصار هناك العلمانيون القوميون واليساريون من جهة والإسلاميون من جهة أخرى. هل نشهد الآن خط تقسيم جديد في السياسة التركية؟

نحن لا نريد أن يتدخل أردوغان في العراق بأي شكل من الأشكال، إلا ضمن ما هو أخلاقي تجاه الجيران، لكن أردوغان يتدخل وبأسلوب يثير السخرية، فالعلاقة بين أردوغان ومسعود البارزاني لا تترك أي مجال في الشك بأن أردوغان يستخدم العراق استخداما سيئا لتحقيق غايات غامضة في تركيا. إن ما يفعله أردوغان من أجل تركيا شأن تركي، ولكن حيث أنه يتحرك على الساحة العراقية لتأمين مصالح تركيا، فنحن نقدم له بعض النصائح لا غير.

نحن لن نفقد إيماننا بأن مصير شعوب الشرق الأوسط مشترك، ولن نفقد الأمل في أن هذه الشعوب ستدرك وحدة مصيرها فتميل ذات يوم قريب إلى التفاهم، والتوافق كما يفعل الأوروبيون، رغم وجود السياسيين الحمقى في كل مكان. وفي هذا فنحن مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وإنشاء دولته. لا ينبغي لأحد أن يكون في شك من هذا، ولكن نحن نعتقد أن الدولة الكردية يمكن أن تقوم بشكل موفق بالتوافق مع الأمم المحيطة بالأكراد، وليس رغما عن هذه الأمم، وليس قطعا بالغدر بهذه الأمم. وهذه الطريقة التي يتصرف بها حليف أردوغان، مسعود البارزاني، هي الغدر بعينه.

أردوغان يضع أوراق مصالح حيوية لتركيا، مثلا القضية الكردية، بأيدي مسعود البارزاني. ومسعود هذا يعتبر نفسه – يا لسخرية الأقدار – مترنيخ الأمة الكردية، وهو ليس مؤهلا ليكون ذلك، فهو رجل ذو أفق سياسي ضيق، وليس له شخصية ستراتيجية لامعة مثل مترنيخ، أو حتى مثل جلال الطالباني، بل هو زعيم عشيرة كردية، وضعته الأقدار في المكان الخطأ، مثلما وضعت ذات يوم عزة الدوري في قيادة العراق. مسعود البارزاني لديه في سياسة هذه المنطقة ورقة واحدة وحيدة لا غير، لا علاقة لها بالمرة بواقع الشعب الكردي وإمكاناته، وتوجهاته، وطموحاته، وهي الدعم الإسرائيلي له.

هناك حركتان كرديتان رئيسيتان في العراق هما الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة البارزاني. ومع أن جلال الطالباني تربطه أيضا علاقات مع زعماء إسرائيل عبر ما تسمى بالأممية الاشتراكية، إلا أن الاتحاد الوطني الكردستاني لم يصبح أبدا تربة خصبة لتغلغل الصهيونية إلى كردستان العراق، لأن الاتحاد يحمل أيديولوجية تقدمية متنورة، ولا يلتقي في منظوره القومي مع الصهيونية. لذلك نرى أنه في غزو العراق عام 2003 واحتلاله تم تعويم جلال الطالباني وحزبه عبر منحه منصب الرئاسة في العراق، وهو منصب فارغ من المحتوى والتأثير، في حين تم إطلاق يد البارزاني كرئيس لكردستان ليتحكم بمقدراتها. تلك كانت مصلحة إسرائيل.

نحن نعرف أن مسعود البارزاني لا يمثل كل الشعب الكردي، ولا حتى أغلبييته، وأن من حوله من مستشارين لا يملكون من الأفق السياسي ما هو أوسع من أفقه هو، على عكس الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتميز كادره بسعة الأفق، والنظرة الواقعية، وكذلك على عكس الحركات الإسلامية الكردية التي تتميز أصلا بنظرة أممية تسمو فوق الاعتبارات القومية. نقول هذا لأردوغان الذي يبدو أنه يعوّل على استخدام البارزاني في تعامله مع حزب العمال الكردستاني في تركيا – ويفعل ذلك على حساب مصالح دولة العراق وشعبه. إن الطبيعة العشائرية لمسعود البرزاني مضافا إليها ارتباطاته بإسرائيل تجعله في واد غير الوادي الذي يعيش فيه حزب العمال الكردستاني في تركيا. إن أقوى التيارات داخل حزب العمال الكردستاني هو التيار الماركسي اللينيني المعادي للامبريالية والمعادي لإسرائيل خاصة، ولذلك فإن بين البارزاني وبين حزب العمال الكردستاني نار تحت الرماد، وليس هناك أي تأثير للبارزاني على حزب العمال الكردستاني كما قد يفترض أردوغان. ربما يكون الاتحاد الوطني الكردستاني أقرب إلى حزب العمال، وأكثر تأثيرا عليه، وتنسيقا معه.

ثم إننا لا نحتاج إلى تذكير أردوغان بأن الفضل في وجود مسعود البارزاني اليوم يعود، بعد مشيئة الله، إلى الراحل صدام حسين الذي أخرجه عام 1996 من أربيل مختفيا في واحدة من دبابات الجيش العراقي لينقذه من قبضة مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان مسعود، مع ذلك، من أوائل من غدر بصدام حسين. إن ضعفه يجعله يميل إلى الغدر، وبهذا فإنه لن يتردد لحظة واحدة في الغدر بأردوغان ساعة يرى ذلك مناسبا لغباء مستشاريه.

من الضروري أن نقول بضع كلمات بحق جوهر ستراتيجية مسعود البارزاني، وهذه الكلمات ليست رجما بالغيب، بل إن كاتب هذه السطور يعرف أكاديميين أكراد كانوا يعملون في الدول الاسكندنافية، وكانت له علاقات شخصية بهم، وكانوا يشاركونه الرأي في طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، ولكن فجأة، وقبل فترة وجيزة من غزو العراق عام 2003 ظهر أن أولئك الأكاديميين الأكراد كانت لديهم في السر علاقات بالسفارات الإسرائيلية، وقناعة بأن قيام دولة كردية في شمال العراق ممكن، ويعتمد على شيء واحد، ألا وهو خلق أهمية لكردستان العراق توازي أهمية برلين الغربية لأمريكا أثناء الحرب الباردة، بحيث أن أمريكا تكون مستعدة لإيصال دولة كردستان هذه بالعالم عن طريق الجو، كما كانت تفعل مع برلين الغربية، فلا تحتاج إلى جيرانها العرب والأتراك والإيرانيين الذين يحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم، وتقوم رغم أنوفهم. ومفتاح هذه الستراتيجية هو جعل "دولة" كردستان حيوية، وضرورية لوجود إسرائيل وأمنها، وحليفة لها.

رب قائل إن وجود إسرائيل في كردستان العراق يعود إلى زمن المرحوم مصطفى البارزاني في ستينيات القرن الماضي. صحيح، ولكن يومها كانت تلك العلاقات على أساس مقولة "عدو عدوي صديقي" التي لم تنفع، وبقيت في إطار تزويد البارزاني الأب بخبراء عسكريين، فبمجرد أن رفع شاه إيران يده عن البارزاني عام 1975 وجد الرجل نفسه طريدا في العالم، قابعا في مستشفى في أمريكا حيث مات ميتة مذلة. اليوم هناك ستراتيجية عميقة اسمها "كردستان هي برلين الغربية، لإسرائيل" يجري تطبيقها على أرض الواقع عبر تواجد إسرائيلي كثيف في المناطق الكردية الخاضعة للبارزاني، وعبر شبكة من العلاقات المعقدة بين الجانبين. ولهذا يظن البارزاني أن ضعف الحكومة المركزية في بغداد اليوم، والحرب الإرهابية الوهابية السعودية الصهيونية على سورية، وتأمين جانب أردوغان عوامل تطلق يده في تحويل كردستان إلى برلين الغربية الإسرائيلية.

وهنا يبدو أن أردوغان ربما يريد أن يغري مسعود البارزاني بأنه لا حاجة له بفكرة برلين الغربية، فهو يمنحه ممرا إلى البحر عبر تركيا، إن هو سانده في التعامل مع حزب العما ل الكردستاني! ربما. ولكنّ عيني "مترنيخ" البارزاني ليست على عروض أردوغان، بل على عصابات داعش فهو متحالف معها علانية لغايتين أساسيتين هما تسهيل احتلال كركوك في نفس الوقت الذي تحتل فيه داعش الموصل، ثم ممر آمن إلى البحر عبر "دولة" داعش في العراق وسورية، أي أن محفزات أردوغان لمسعود لن تجنبه الغدر.

إن القراءة الهادئة لطبيعة هذه المنطقة توصلان إلى قناعة تامة بأن أردوغان ومسعود البارزاني يتعاملان مع السراب، وسياساتهما تدخل تحت عنوان واحد هو "المقامرة الكبرى"، فأهل هذه المنطقة هم عرب العراق وسورية، والأتراك، والأكراد، والإيرانيون، ولا حلول لمشاكلهم إلا بالتفاهم وتبادل الثقة، أما إسرائيل ودولة آل سعود فكيانان مصيرهما الزوال الحتمي، والتعويل على أي منهما ليس إلا مقامرة لا تختلف عن مقامرة صدام حسين بمصير العراق حين سار في ركاب آل سعود.

احتلال كركوك وربط ذلك باستقلال كردستان العراق يكشف مدى قصر النظر السياسي الذي يتميز به البارزاني، فكركوك لن تصنع دولة للأكراد أولا، والحكومة المركزية في العراق ستستردها إن عاجلا أو آجلا، ثم إن كردستان العراق تتمتع أصلا، ومنذ أكثر من عقدين بأقصى استقلالية ممكنة، فماذا سيضيف إعلان قيام "دولة" إلى هذا الاستقلال سوى إظهار مسعود كمترنيخ المسخ؟ على العكس، فإن حلم الدولة سيُجهض إذ لن تعترف بهكذا دولة إلا إسرائيل، وستتحفز البلدان المعنية إلى إجراء اللازم. مسعود البارزاني لن يستطيع بمقامراته فرض الأمر الواقع على الأمم التي تحيط بكردستان حتى لو وقفت وراءه ألف إسرائيل.

وعلى الأرض فاحتلال كركوك ضربة إلى الوجود التاريخي الجغرافي للتركمان في العراق، لكنه في الوقت نفسه ضربة لسياسات أردوغان الذي يتحمل بمقامراته جزء كبيرا من المسؤولية عما يحدث لتركمان العراق، على الأقل.

 

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو