للكاتب رأي

" لا " شرق أوسط يهودى ولا اسلامى ولا مسيحى

الكاتب: د . نوال السعداوى التاريخ: 16 يونيو 2014.

111القاهرة 6 أغسطس 2006

مع غبار المعارك الحربية والدماء المغرقة للأرض والسماء , تغرق العقول فى بلادنا فى الغبار والضباب , وتتخبط فى نظريات منقولة عن الاعلام الامريكى الاسرائيلى , أو الاعلام الطاثفى الدينى الاسلامى أو المسيحى أو اليهودى أو الشيعى أو السنى أو غيرها من المذاهب الدينية والطائفية  المختلفة , أو النظريات التى ترتدى ثوب العلم والفلسفة , وهى فى أغلبها نظريات استعمارية جديدة ,

ومنها نظرية صراع الحضارات أو الثقافات , وتحويل الصراع على الأرض والنفط , أو الماديات  الى صراع على الروحانيات والأديان , لعبة قديمة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام , واختلاط الأوامر  السماوية العليا بالأوامر العسكرية الدنيا .

لا تتذكر أغلب النخب فى بلادنا الدماء التى سالت فى الغرب والشرق , الفرق المسيحية التى قتلت بعضها البعض فى أوروبا  تحت حكم الكنيسة , والفرق اليهودية التى قتلت المسيح واليهود والمسلمين تحت شعارات دينية وآيات  فى التوراة تنص على الاستيلاء على أراضى الشعوب وذبحهم عن آخرهم طاعة للاله , والفرق الاسلامية التى ذبحت بعضها البعض منذ عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والحسن والحسين حتى اغتيال عدد من المفكرين والأدباء فى بلادنا العربية , ومحاولة اغتيالهم فيما عرف باسم : قوائم الموت , التى نشرت فى الصحف خلال العقود الثلاثة الماضية ,

واليوم نقرأ أفكارا لرجال السياسة والفكر , أو رجال الدين المسيحى أو الاسلامى أو اليهودى , يتنبأون بأن المنطقة التى نعيش فيها , والتى تغير اسمها الى " الشرق الأوسط "والتى تشمل شعوبا مختلفة منها تركيا والباكستان و اسرائيل وايران ولبنان وسوريا ومصر والعراق وكردستان والمغرب وتونس والجزائر , والكويت والسعودية وقطر , والبحرين ,  والامارات واليمن والسودان, وغيرها ,شعوب المنطقة الكبيرة التى تختلف فى أديانها , ومذاهبها وعقائدها ولغاتها وثقافاتها ونظمها الاجتماعية والسياسية , أن شعوب هذه المنطقة سوف نخضع لحكم دينى واحد , اسلامى ؟

ألا ترون ما يحدث فى العراق من فتنة طائفية يقتل فيها كل يوم مئات النساء والأطفال والرجال تحتاسم الدين والطوائف ؟

ألا ترون أن تفتييت فوى الشعب أو الشعوب دينيا هى الوسيلة المثلى لحكمها واخضاعها ؟

ألا تذكرون الحرب الأهلية الطائفية فى لبنان التى مزقته الى فرق متناحرة , وما أن التقط لبنان  أنفاسه ووحد صفوفه حتى عادت الآلة الاسرائيلية الامريكية لتمزقه من جديد , بحجج مختلفة ,  ونبريرات متعددة , هدفها واحد : تمزيق لبنان دينيا ,

ألا ترون أن المقاومة اللبنانية اليوم تصر على وحدة لبنان وعدم تقسيمها دينيا , أو عقائديا ,  لتشمل المسلم والمسيحى واليسارى والقومى واللبرالى الوطنى المعادى للاستعمار الاسرائيلى الامريكى ؟

حتى حزب الله لا يريد أن يقاتل تحت أى مظلة دينية اسلامية أو غيرها ,

بصعود التيارات الدينية فى مصر , و " حصول الاخوان المسلمين على 88 مقعد فى البرلمان "" تسابقت الفرق المفكرة السياسية الى كسب رضا هذه القوى الدينية الجديدة , تحت اسم الواقعية ,  أو احترام نتائج الانتخابات الديموقراطية \ الغير ديموقراطية , لأنها تتخذ شكلا ديموقراطيا , من الظاهر فقط , بعد أن تم سحق القوى السياسية الأخرى المتفدمة , ولم تبق الا هذه القوى الدينية التى تعاون " ريجان والسادات " على تدعيمها مع اسرائيل , وقد نجحت هذه الطريقة فى ضرب ياسر  عرفات فى فلسطين بتدعيم حماس , واليوم يتم التخلص من حماس , كما تم ضرب القوى اليسارية فى  مصر بتدعيم التيارات الدينية , ثم محاولة التخلص من هذه القوى اليوم ,  يصاحب التقدم العلمى فى مجال البيولوجى وعلم الكون والطب والفيزياء والكيمياء تقدم فى تكنولوجيا  الاعلام والسلاح العسكرى والأسلحة البيولوجية والكيماوية , ولأننا تخلفنا فى هذه المجالات جميعا , بسبب القيود السياسية والدينية على عقولنا ( وليس بالطبيعة البيولوجية أو الجينوم الوراثى ) تفوق علينا الاستعمار الأوروبى الأمريكى الاسرئيلى , وتزايدت الهوة الفكرية والحربية بين بلادنا وبلادهم , كانت مصر بحكم حجمها البشرى وتاريخها الفكرى مؤهلة للتقدم العلمى والعسكرى أيضا , الا أنها تخلت من دورها تماما لصالح اسرائيل منذ بداية السبعينات من القرن الماضى , واستطاعت الحكومة الامريكية عبر" خدعة المعونة لمصر" , أن تنزع عن مصر سلاحها الاقتصادى الانتاجى , وسلاحها الحربى أيضا , حدث خلل كبير فى القوة العسكرية بين مصر واسرائيل , بسبب توقيع مصر على معاهدات منع انتشار الأسلحة النووية , أولها فى 10 ابريل 1972 , ثانيها فى 26 فبراير 1981 ,  , وثالثها 14 أكتوبر 1996 , واستطاعت مصر أن تقود البلاد الافريقية والعربية لتوقيع هذه المعاهدات ارضاء للحكومة الأمريكية ,  وأصبحت اسرائيل هى القوة العسكرية النووية الوحيدة فى المنطقة ,

تدرك اسرائيل بصفتها دولة " يهودية " أنها ( كى تستمر ) لا يد من تحويل  البلاد من حولها الى دويلات دينية مثلها ,  تعلمت اسرائيل من الاستعمار الاوروبى والأمريكى أن " الدين " ورقة ناجحة  دائما فى تفتيت الشعوب , ( فرق تسد ) .

يعتمد مشروع الشرق الأوسط الجديد ( الذى أعد له من قبل أحداث 9 سبتمبر 2001 على تقسيم المنطقة دينيا وطائفيا , لذلك يمكن أن تتمشى أهدافها عاجلا أو آجلا مع مشروع  الشرق الأوسط الاسلامى , وهى ليست المرة الأولى التى يحدث فيها التعاون بين القوى الدينية السياسية والقوى الاستعمارية  القديمة أو الجديدة , وهكذا تبدأ الصراعات الدينية والطائفية , وتغرق بلادنا فى بحور من الدماء ,

بعض الآراء تقول , ولماذا نفترض أن الحكومة الاسلامية ستفرق بين المواطنين ؟  لماذا لا يكون هناك عدل ومساواة بين الناس فى ظل جكومة اسلامية ؟  والاجابة بديهية : لأن الحكم الدينى يسوده التحيز للدين السائد وقيمه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية ,والسياسية والثقافية ,  يحدث هذا فى المسيحية واليهودية والاسلام والبوذية والهندوكية وغيرها , واذا تساوت الأديان فى ظل هذا النظام فلماذا يطلق عليه اسم دين معين ؟

ان اسرائيل , التى تدعى الديموقراطية والمساواة بين المواطنين , دولة دينية , لا ينال فيها الفرد حقوق المواطنة كلها الا اذا كان يهوديا , ولكونها دولة دينية فهى تفرق أيضا بين الرجال والنساء ,و الأسرة تحكمها السلطة الأبوية , بالرغم من حركة النساء التحريرية  وتعانى الطبقات الكادحة الفقيرة من سطوة النظام الطبقى الرأسمالى فى اسرائيل ,

لقد تقلص الحوار السياسى فى بلادنا اليوم الى سؤال واحد : هل يصبح الشرق الأوسط الجديد أمريكى اسرائيلى ؟ أم شرق أوسط اسلامى؟

هذه الردة الفكرية تحدث غالبا عند الأزمات , لدى الكثيرين من المفكرين فى المنطقة , وقد مرت بلادنا بأزمات متعددة , وهزائم متكررة , وانهارت القوى العربية الاقتصادية والعسكرية والثقافية , وسادت التيارات الدينية تحت اسم الهوية والأصالة والخصوصية الثفافية , وانتشرت الأفكار الطبقية وعادت البورصة والخصخصة تحت اسم حرية السوق , وعادت النساء الى الحجاب والخضوع تحت اسم الأمومة والأنوثة والأخلاق والدين ,

وقد انكمشت جميع الأنظمة العربية خوفا وعجزا عن المقاومة , واندثرت الجامعة العربية , وتطلع الجميع الى حسن نصر الله , كما كانوا يتطلعون الى ياسر عرفات عام 2003 , بعد أن عاد من كامب ديفيد الثانية , وتقلصت قضية قيام الدولة القلسطينية الى الصراع حول القدس الشرقية فقط , وتم نسيان عودة ثلاثة ملايين ونصف من اللاجئين الفلسطينين الى وطنهم , ومشكلة المستوطنات وغيرها ,

وأصبحت قضية القدس مسألة دينية , وليست عودة أرض محتلة الى أصحابها بصرف النظر عما فيها من آثار اسلامية أو مسيحية أو غيرها , تبنت أغلب النخب العربية هذه الفكرة , وتحول الصراع حول الأرض المسلوبة الى صراع دينى , وهو بالضبط الصراع الذى تريده اسرائيل وأمريكا , لأنه يؤكد على فكرة الهوية الدينية , واشاعةالتفرقة بين الناس على أساس طائفى ,

ان الأرض لا دين لها , واذا أصبح للأرض هوية دينية فماذا يحدث فى العالم ؟ سوف تحتل الفاتيكان أرض مصر لأن فوقها كنائس , وتحتل السعودية أرض الهند وباكستان لأن فوقها مساجد , وهكذا فى الأماكن الأخرى من العالم , , وأصبح من حق الفاتيكان أن يكون لهم حق الاشراف على القدس وليس الفلسطينين ,

بالأمس تظاهر فى لندن اكثر من مائة ألف شخص , تجمعوا من أجل هدف واحد , هو ايقاف الحرب فى لبنان وادانة اسرائيل , تجمعوا معا بصرف النظر عن اختلاف الدين أو الجنس أو اللون أو الطبقة أو غيرها , تكررت هذه المظاهرات فى أغلب بلاد العالم , وتتكرر دائما عند كل اعتداء يقع على أى شعب من قبل الآلة العسكرية الأمريكية الأوروبية الاسرائيلية , تظاهرت شعوب العالم ضد الحرب على العراق , وفلسطين , وأفغانستان , وغيرها ,

أليست هذه القوى العالمية الشعبية ظاهرة جديدة تستحق الدراسة , والتفكير كيف يمكن التضامن معها والاستفادة منها للتغلب معا على يطش الحكومات ؟ لقد اتسع الصراع وامتدت ميادين القتال وتجاوزت حدود الدول , أصبحت القوى الباطشة دولية , مما يستوجب أن تكون المفاومة الشعبية دولية أيضا , بالاضافة الى المقاومة المحلية ,

ولا تزال أغلب قوى الشعوب المحلية العربية معطلة أو متفرجة , تحتاج الى عقول مبدعة تحركها وتنظمها بطرق جديدة غير تقليدية , لتكون أكثر فعالية وتأثيرا , فى رأيى أن الهزيمة الأساسية التى أصابتنا هى هزيمة فكرية , أو هى التبعية الفكرية للحكومات

التى هزمتنا عسكريا واقتصاديا , ان العقل المفكر المبدع هو السلاح الأقوى فى كل الأزمات , وهو الذى يحمى الفرد والجماعة من

الانقراض , لولا ضعف عقولنا ما انتصرت علينا اسرائيل أو أمريكا أو أى قوة أخرى وحشية ,

ان صمود المقاومة اللبنانية بما فيها حزب الله هو صمود عقلى , وليس طائفى أو دينى , ولا هو قوة السلاح العسكرى , فالفارق بين القوى العسكرية كبير , لكن الابداع العقلى ينتصر فى النهاية , والا كيف انتصرت بلاد صغيرة مثل فيتنام وكوبا على الجيوش الامريكية؟

ان الجندى الاسرائيلى يتدرب على الآلات الحربية , ويقاتل بالضغط على الأزرار فى التابلوه أمامه  على نحو أوتوماتيكى , محتميا من الخطر بجسد الطائرة الصلب , أما المقاتل فى حرب العصابات فهو يتحول الى جهاز عقلى , يتدرب على مواجهة الخطر , والكر

والفر , والابداع الفكرى فى كل لحظة يمر بها , أو مفاجأة تحدث لم يتوقعها ,

وقد ينهزم الفرد أو الجماعة فى حروب العصابات أو فى المقاومة الشعبية , وقد تنهزم الشعوب عسكريا أو سياسيا الا أنها لا تموت ,وتنهض من جديد بعقل جديد أكثر عمقا وابداعا , وهكذا عاشت شعوب صغيرة واندثرت امبراطوريات فى الشرق والغرب ,

غير مصرح بإدلاء التعليقات

send-article

مقــالات

عمالة وأكاذيب البعث -- 12 --

mohseen
نعلم حقيقة أن أي تجمع عشوائي أو مؤتلِف لايخلو مِن منحرفين عنه أوvخارج السلوك القويم له ومشكلته الأنكشاف وخطورتها تأتي…

الحلفي قاد انقلابا على الحزب الشيوعي ويتهم منافسيه…

1380846 580042378719502 1965640798 n
ما قاله عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي عن الانفجار امام مقر الحزب، أكثر تفجيراً من الانفجار نفسه.(1) قال ان "الخروقات…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو

أحدث التعليقات