للكاتب رأي

المثقفون الأوروبيون يحذرون من انتخاب أصدقاء إسرائيل

الكاتب: صائب خليل التاريخ: 17 أيار 2014.

 

67777في الوقت الذي يتدافع بعض المثقفون العراقيون للدفاع عن أصدقاء إسرائيل وانتخابهم، فإن المثقفون الأوروبيون يحذرون مواطنيهم من هؤلاء ويخبرونهم أنهم يمثلون خطراً على أمانتهم الأخلاقية يتساءل أنتوني لاوسن في فلمه الوثائقي المعنون بنفس السؤال: "ما الذي يعني أن تكون صديقاً لإسرائيل"؟ ويجيب: "أي صديق لإسرائيل يجب أن يكون مستعداً لـ "غض النظر" عن أفعال لم يكن مستعداً للتغاضي عنها لو أنها وقعت في محيطه".(1)

فعبارة "غض النظر" هي التعبير الأساسي المنتظر من تلك الصداقة: أن تغض النظر أي أن تؤيد أو تتساهل مع عمل سيء.

وليعطي لاوسن مثالاً على ما يقصده، يقدم لقطة لجنود إسرائيليون يعتقلون طفلاً فلسطينياً لا يتجاوز الستة سنوات من العمر وهو يصرخ خائفاً لأنه قذف سيارتهم ببعض الحجارة ويتساءل لاوسن: ما هو موقفك من هذا لو أنه حدث في الشارع الذي تعيش فيه؟ هل تعترض على معاملة طفل في السادسة من العمر وكأنه مجرم كبير العمر لأنه قذف ببعض الحجيرات، أم أنك سوف "تتغاضى" عن ذلك؟

في اللقطة التالية يعرض فلسطينياً يتعرض للتعذيب الإسرائيلي أمام الناس لأنه طلب من الجنود أن يتعاملوا برفق مع الأطفال، وكان الجنود قد استعملوا ضدهم قذائف الفلفل، ويتساءل ثانية: ما هو موقفك؟ هل تستنكر أم "تتغاضى" عن ذلك لو حدث حيث تعيش؟

ومرة أخرى يعرض لاوسن لقطة لجنود إسرائيليون يتعاملون بعنف شديد مع فتاة كانت ضمن ا لمتظاهرين ضد الجدار العنصري، ويتساءل ثانية إن كنت سوف "تستنكر" أم "تتغاضى" عن ذلك؟ ويجيب عن السؤال بالقول: بأنه بالنسبة لإسرائيل فأن ذلك التغاضي جزء من الصفقة: أن تحبني وأن تحب جداري (للتمييز العنصري) وأن تتساهل مع معاملتي الوحشية لجيراني الذين هم ليسوا أكثر من قطيع من الماشية على أية حال.

ثم يقدم الفلم لقطات من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على غزة بكل وحشية مشاهدها وأرقام حقائقها، ويقول جوناثان ميلر: لقد غطيت أخبار الزلازل الأرضية والتسونامي لكني لم أشاهد مثل هذه المشاهد (التي تركتها البلدوزرات الإسرائيية والجيش الإسرائيلي الذي مر من ذلك الطريق). ويسأل منتج الفلم مشاهديه: ما هو موقفكم؟ هل تستنكرون هذه الأعمال أم "تتغاضون عنها"؟

ثم يعرض الأساليب التي يستعملها الإعلام لتشويه الأخبار ونقلها بشكل يدفع بالناس إلى التساهل مع جرائم إسرائيل، مثل قول مراسلة البي بي سي أن "الإسرائيليين الذين هبطوا على سفن أسطول الحرية كانوا لا يحملون أسلحة قاتلة، لكن كل منهم كان يحمل مسدساً!!".

ويستمر منتج الفلم في عرض مظاهر التزوير الإعلامي الذي يتعرض له المشاهد والسياسي الأوروبي والعالمي فيما يتعلق بجرائم إسرائيل، واختيار شخصيات تتميز بـ "صداقة إسرائيل" لنقل تلك الأخبار بالشكل "المناسب" الذي يشوش الصورة على منظومة الأخلاق الإنسانية الإعتيادية التي تستنكر في العادة مثل تلك الأعمال، لكي "تغض النظر" عنها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

ويعرض الفلم لقطة عاجلة عن التأثير الإسرائيلي في أميركا وسيطرة أيباك الإسرائيلية على القرار السياسي الأمريكي ويشير إلى من ينقل التجربة نفسها إلى أوروبا فيجمع ألاف البرلمانيين والسياسيين من "أصدقاء إسرائيل" ويكشف أن الشعارات المغلفة بعبارات السلام والإنسانية ليست سوى أكاذيب وأن هؤلاء "الأصدقاء" لم يجمعهم إلا الرشوة أو الإبتزاز، فـ "مثلما هو الأمر في أميركا، فمن الصعب على أي مواطن أن يحتفظ بمنصب سياسي تمثيلي في أوروبا أن لم يكن مستعداً لـ "غض النظر" عن الجرائم المزرية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين وبقية جيرانها".

ويختتم الفلم بالتساؤل الساخر بمرارة في قوله "هل هناك ما نستطيع نحن، الشعب "غير المختار" أن نفعله تجاه هذا الأمر؟ نعم هناك، إلا إذا كان لديك استعداد أن تنتخب من يمثلك، ممن هم مستعدين "للتغاضي" عن هذه الأفعال: ليس من أجل الله، ولا من أجل المسيح، ولا بإسم الله، بل بإسم الفلسطينيين والسوريين وأي شعوب كانت إسرائيل قد قررت السيطرة عليهم أو سحقهم، ومن أجل إنسانيتك ذاتها...في الإنتخابات الأوروبية المقبلة: لا تنتخب صديقاً لإسرائيل!".

****

لنقارن ما فعله هذا المثقف الغربي الذي أنتج الفلم بما يفعله بعض مثقفينا في ذات الموضوع، لعلنا نرى بوضوح أكبرما يدور حولنا. هذا الرجل يقول بصراحة: لا تنتخبوا صديقاً لإسرائيل! وهي نفس الدعوة التي وجهتها ضمناً بفضحي حقائق مثال الآلوسي ونوع الإسرائيليين الذين يتعامل معهم مثل صديقه موشي يعالون – أحد أشد الإسرائيليين وحشية ولا إنسانية – وفضح "التيار الديمقراطي المدني" الذي لا يجد سوى رمز إسرائيل ليستضل بضله، وكأنه يطمئن أميركا وإسرائيل، انهم ليسوا ضدهم وضد مصالحهم وأجنداتهم في بلادهم ذاتها، ولسان حالهم يقول: أنظروا .. رموزكم معنا... ونحن مستعدين للتحالف معكم! عندما أحتججت على ذلك التحالف المشين في مقالة أو تعليق كان الرد عنيفاً من "أصدقاء إسرائيل" الجدد (والقدماء، السريين والعلنيين)، فغضب موسى فرج على التعدي على الرمز "الوطني" مثال الآلوسي، وانقلب من علماني مدني إلى "شيعي" يمثل الـ "80%" ويحميهم من السني صائب خليل الذي يحمل القرباج ليضربهم كما فعل عزت الدوري.

وعلى مقالتي علق الكاتب اليساري(؟) "يوسف آلو" في انفجار منفلت: "وراء مقالتك هذه ثمنا باهضا مدفوعا" و "زيارة مثال الآلوسي لأسرائيل حينها كانت بدعوة من منظمات المجتمع المدني وها أنت قد قلبت الأمور عكسا على عقب وجعلت مثال الآلوسي عميلا وجاسوسا ومجرما وكأن اليهود ليسوا بشرا وليس من حقهم العيش على أرضهم الأصلية التي سلبتموها منهم أنتم!!! كما سلبتم أراضي الآخرين الذي كانوا أصحاب الأرض الأصليين وجعلتموهم اليوم أقليات!"

كل هذا يكشف الكثير من الحقائق الخطيرة عن رؤية بعض اليسار (السابق؟) بإسرائيل ونظرتهم إليها تذكرنا بيساري (سابق؟) آخر هو الدكتور كاظم حبيب الذي ما إن وجد نفسه في وكر إسرائيل العراقي الآمن - كردستان، لم يتردد بالتصريح بأنه مع التصالح مع إسرائيل وإقامة العلاقات معها، متلاحقاً نفسه بإضافة تذييليه بأن إسرائيل يجب أن تعطي حقوق الفلسطينيين الخ..

ويذكرنا كذلك بدفاع الدكتور عبد الخالق حسين عن الموساد(!) وأنها ليست هي التي قتلت العلماء العراقيين بل أن "البعث" هو الذي فعل ذلك! وكذلك دفاعه مع عزيز الحاج عن زيارة مثال لإسرائيل ومصافحة الطالباني لإيهود باراك..

هذه المواقف تكشف مدى هشاشة القشرة الثقافية العلمانية واليسارية لدى بعض مدعيها الذين يقفزون فور إثارتهم إلى أقصى انتمائهم الطائفي والديني، ولا يكتفي واحدهم بنسيان كل ثقافته اليسارية المؤسسة على الإنسانية والعدل، بل يذهب البعض ليكشف تبنيه موقفاً صهيونياً واضحاً بل ومتطرفاً من قضايا المنطقة، فأي اهتراء يلف مثقفي العراق، وما مدى تغلغل هذا الخلل المعلوماتي والأخلاقي فيهم يا ترى؟ وهل هؤلاء هم كل التماهي العراقي الجديد مع إسرائيل، ام أننا لا نرى إلا رأس جبل الجليد العائم؟ إن كل مثقف، وخاصة اليساريين منهم، مدعوون إلى تبيان موقفهم من إسرائيل ورموزها بوضوح، فلم يعد هناك شيء واضح في العراق.

أود أن أوضح أني لا أدعو هنا إلى "الحرب" ضد إسرائيل، بل إني أدعو إلى الإبتعاد عنها و"الخوف" من خطرها، الذي لا يعطى حقه أبداً، ويتم التشويش عليه من قبل تلك المواقف وتلك الشخصيات. أريد أن أضيف أن هذه الشخصيات التي ذكرتها، ليست شخصيات منافقة في طبيعتها حسب علمي، لكن ما أن تأتي إسرائيل أمام البعض حتى يفقدوا كل قدرتهم على القياس الأخلاقي ويتحولوا بقدرة قادر إلى كائنات هزيلة ذات مواقف مشينة لا تليق بإنسان يحترم نفسه ومبادئه كإنسان على الأقل. وهذا هو نفس من كشفه الفلم المذكور اعلاه عن ظاهرة "التغاضي" عن جرائم إسرائيل محذراً من المعنى الأخلاقي المدمر لذلك الموقف. وهم من أجل تبرير ذلك الخطأ، يتحولون إلى بهلوانات لفظية تتقافز بين المعاني لتوهم مستمعها بصحة موقفها. فيوسف آلو يحول موقفي من إسرائيل إلى موقف من اليهود، رغم أني لم آت بذكر اليهود بأية إساءة في تلك المقالة أو غيرها. وعبد الخالق حسين لم يجد سوى سلة الموساد ليضع بيضه فيها ، بلا أي إحساس بالمسؤولية عن سمعته، والدكتور كاظم حبيب يتحدث عن العلاقة مع إسرائيل بإيجابية، مضيفاً شروطاً يعلم أنها خيالية ولا توجد أية مناسبة لتوقع حدوثها، وموحياً بأن الأمور تتجه إلى هذا الإتجاه في الوقت الذي تسير إسرائيل في الإتجاه المعاكس تماماً، وينتظر من الإنسان السوي أن ينبه إلى ذلك الخطر بدلاً من الإيحاء بشكل غير مباشر بزواله. إنه لا يقول شيئاً خطأً من الناحية القانونية والحسابية لكنه يوحي بما هو خطأ، تماماً مثل من يكتب ويلح بالكتابة عن اليهود العراقيين الذين يغنون الأغاني العراقية في إسرائيل. إنه لا يقول كذباً، بل يوحي بما هو كذب: إنه بتركيزه على هذه الناحية دون غيرها، يوحي لمن يقرأه أو يسمعه بأن إسرائيل ليست سوى مجموعة عراقيين مهجرين تغني الأغاني العراقية القديمة، لا أكثر!

إن كان لـ "صداقة" إسرائيل معنى أخلاقي إنساني مؤذي فقط بالنسبة للأوروبي، فإنها بالنسبة لمن يسكن هذه المنطقة ويتعرض لخطر إسرائيل وإهانة إسرائيل واستخفاف إسرائيل ومطامع إسرائيل التي لا حدود لها، فإنه يدل إضافة إلى ذلك، على أنعدام القدرة على تقدير الخطر، وعلى مشاعر عميقة بالإحساس بالدونية، فلا يقبل بمعاملته معاملة علنية عنصرية متدنية من أحد، إلا من كان لديه إحساس شديد بالدونية، يبلغ حد المرض النفسي.  

لقد فشل مثال في تسويق القبول العلني لإسرائيل في العراق حتى اليوم، كما فشل ممثلوا التحالف الكردستاني قبله، لكن إسرائيل لا تيأس بسهولة، ولا تدع لـ "أصدقائها" أن يخلدوا للراحة. إنهم إن كانوا اليوم لا يكشفون أنفسهم إلا حين يزيح الغضب حذرهم، خشية رد الفعل العام على هذا الموقف المؤسف، فنحن الذين نرى إسرائيل دولة عنصرية معتدية ومعادية للعرب وللمسلمين وخطرة عليهم وعلى كل شعوب المنطقة، نحن الجانب الذي سيتوجب عليه الحذر غداً وأن لا يكشف موقفه إلا بانتباه، إن استمر الحال في التدهور في العراق والعالم، وسمح لهذه الآراء الغريبة أن تحتل الشارع وتسيطر عليه وترهب من عداها. إنها تكشف اليوم في تعليقاتها المنفلتة تلك، ما ينتظرنا منها إن صار لها السلطة الكافية لكشف مشاعرها الحقيقية علناً. لقد لاحظت بالفعل أن مقالاتي التي تتعرض لإسرائيل هي التي تهاجم أكثر من غيرها ويعرقل نشرها أكثر من غيرها. فحتى في المجال "الثقافي" العربي والعراقي صار منذ الآن على من يتكلم بالضد من إسرائيل أن يحسب حساب "أصدقاء إسرائيل" وأخلاقيتهم المبنية على "التغاضي" الأعور عن حقائقها الخطرة. إنها علامات تنبيه يجب التوقف عندها، فإسرائيل إن دخلت بلداً، مدت أذرعها إلى مفاصله المحركة، فلا يحس أصحابه إلا وقد إستولت على السلطة فيه، وجعلت مواطنيه بشراً من الدرجة الثانية، محرومين حتى من حق الإحتجاج وممنوعين من الشكوى بتهم جاهزة وإعلام جبار. إن أوروبا وأميركا تئن من "صداقة" إسرائيل و "أصدقاء إسرائيل"، فكيف بالعراق وأمثاله إن دخلوها؟

(1) What Does it Mean to be a Friend of Israel? - YouTube

 

غير مصرح بإدلاء التعليقات

send-article

مقــالات

عمالة وأكاذيب البعث -- 12 --

mohseen
نعلم حقيقة أن أي تجمع عشوائي أو مؤتلِف لايخلو مِن منحرفين عنه أوvخارج السلوك القويم له ومشكلته الأنكشاف وخطورتها تأتي…

الحلفي قاد انقلابا على الحزب الشيوعي ويتهم منافسيه…

1380846 580042378719502 1965640798 n
ما قاله عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي عن الانفجار امام مقر الحزب، أكثر تفجيراً من الانفجار نفسه.(1) قال ان "الخروقات…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو

أحدث التعليقات