للكاتب رأي

محكمة التاريخ – الجلسة الثامنة - مفارقات ومفارق اللحظات النوويّة

الكاتب: أسد زيتون التاريخ: 08 فبراير 2014.

preview html m4d15c7b9منَ الفحم إلى الألماس والأسرار المُحرّمة (1)

أيّتها السيّدات أيّها السادة :

   بعضُ المهنِ والصناعاتِ التي تحتاجُ إلى مهاراتٍ فنّية ومراحلَ تصنيعٍ دقيقة تُمزَجُ فيها الخلائط بنسب معيّنةٍ ولزمنٍ محدّد كانت في الماضي حكراً لعائلات بعينها يتمُّ توارثُ طريقتها جيلاً بعد جيل من الآباء إلى الأبناء القادرين منهم على ممارستها والحفاظ على سرّيّتها باعتبارها مصدر رزق العائلة , وإفشاء أسرارها يجلب المنافسين ويهدّد بقطع الرزق الذي من دونه قطع الأعناق بالعرف الشعبيّ , ومازالت حتّى اليوم بعضُ المهنِ التي تأخذُ هذا المنحى كما هي الحال في الطبّ العربيّ , فعلى سبيل المثال يوجد في مدينة محردة السوريّة طبيب مجاز يعالج مختلف أنواع الحروق بمراهم طبيعيّة ورث سرّ خلائطها وتصنيعها عن والدهِ الطبيب العربيّ , وتشفي الحروق بطريقة ناجحة جدّاً لا توفّرها أيّة عقاقير أو معالجة أخرى في أحدث المشافي , وبذلك أصبح مقصداً يؤمّهُ المرضى من جميع الأنحاء , ويعودون في غاية الرضى والامتنان عن درجة الشفاء وانخفاض التكاليف .

  غيرَ أنّ هذهِ الحالة الإيجابيّة أصبحت نادرة جدّاً , أمّا الاحتكار السلبيّ فإنّهُ تحوّل إلى أشكالٍ أخرى مع تنامي الحضارة الحديثة وانتشارها وهيمنتها على جميع مناحي الحياة , ومالت الكفّة إلى جانب المال مدعوماً بارتفاع كلفة إنشاء المصانع وترويج المنتجات وتأمين أسواق الاستهلاك وحماية الاحتكار , فانهارت القيم والأخلاق المهنيّة التي كان يقوم شيخ الكار قديماً بفرضها وممارستها كتقليد وعُرْفٌ لهُ قوّةُ القانون , وفرضَ المالُ إيقاعَهُ الجشع على جميع الأسواق ومالت النسبة إليه بدل ميلها إلى المهنة وصار المال يجني العائلات بعدما كانت العائلات تجني المال إلى أن باتَ رأسُ المال يعني الزراعة والصناعة والتجارة والطب والسياحة والحرب والسلم والمرض والشفاء , وغدا لمجتمعهِ الذي ينتمي إليه الغاية والوسيلة وكلّ ما بينهما مباحٌ ومشروع , وما زالت رحلة الأسرار تدور برحاها وترسم أقدار البشر على صورة أعمالهم بينَ أسرارِ الفحم الحجريّ الذي أدارَ بهِ الإنكليز محرّكات قطاراتهم وسفنهم لنقل عتادهم وأسلحتهم من بلدٍ إلى آخر ومن مستعمرةٍ إلى أخرى , وبين أسرار صناعة الألماس واستخداماته في الصناعات العسكريّة لا سيّما صناعة الصواريخ والمركبات الفضائية وتكنولوجيا الاتصالات المتطوّرة , ذلك الألماس الذي يعمل الروس حالياً على تخليق الظروف والعوامل الملائمة لصناعة أصناف منهُ شديدة النقاء والجودة بكميّات كبيرة , وربّما شربَ الرئيس بوتين مياه العصر الديناصوريّ بكأسٍ من الألماس لا يعرفُ أسرارها إلاّ من يستطيعُ تحليلَ لوغاريتمات صواريخ الإس بأنواعها أو الياخونت وقراءة برمجيّاتها بسرعة أشعتها الليزريّة عشيقة الألماس.

   لا شكّ أنّ السوريّين تعرّضوا كغيرهم من باقي شعوب الأرض لحروب ونزاعات في العصور السحيقة , سواءً كانَ فيما بينهم أو مع الجوار , لا بل هم أوّل من قامَ بالحروب وأوّلُ من دوّنها وأرّخ لها , ولا ريب أنّ المنتصر بالغ في وصف قوّتهِ وسحقهِ لعدوّهِ كما بالغ المهزوم بوصفِ ما تعرّضَ لهُ من وحشيّة المهاجمين وقسوتهم , لكن وبغض النظر عن طبيعة وأسباب هذه الحروب فإنّ آثار حضارتهم وشواهدها العمرانيّة والثقافية الباقية من مختلف العهود التي مرّوا بها والجواهر والكنوز العظيمة التي تكتشف بينَ حينٍ وآخر , تجعلني أشيحُ بوجهي عنِ المقارنةِ بينها وبين الحروب التي بدأت تحتَ عنوان الاستعمار وتحوّلت إلى إحدى السلع والمنتجات التجاريّة التي يبحثُ لها مستثمروها عن أسواقٍ دائمة خشيةَ كسادِ بضائعهم , فانتشرت الحروب التي لا تخلّفُ وراءها إلاّ الخراب والدمار وتلال القمامة والقذارة ومستنقعات الأوبئة والجثث المتفحّمة والأشلاء المقطّعة وبقايا اللّحى النتنة المخصّبة بقمل الجهاد التي تأبى أن تحترق إلاّ في جحيم اللعنة الأبديّة والتي دأبت لندن وباريس وواشنطن على تمسيدها وتسميدها لعقودٍ طويلة خصّيصاً لنا نحن العرب لتعليمنا تخصيب الدبرانيوم لكيلا يبقى فيهم مَن يفكّرُ يوماً بتخصيب يورانيوم العقل .

  في العالم اليوم أيّها السادة شركات تنتجُ العقاقيرَ الطبيّة لها كلّ المصلحة في انتشار الأمراض , فتقومُ بتصنيع الداء قبل إنتاجِ الدواء , وشركات تنتج السلاح لها كلّ المصلحة باندلاع الحروب , ومع وجود قوى دوليّة عظمى راعية لهذا النهج تحوّل كلّ شيء في هذا العالم إلى سلعة حتّى قيم الكرامة والشرف والفضيلة والإنسانيّة والبطولة والشجاعة والتضحية أصبحت منتجات لها مستثمرون يعملون على تصنيعها وتسويقها حسب الطلب والحال , وأمست المنظمّات والهيئات الدوليّة التي أنشأتها تلك القوى حارساً أميناً على هذا النهج تنشرُ عيونها في طولِ الأرض وعرضها عبرَ شبكاتٍ مترابطةٍ ومرتبطةٍ بمراكز دراساتٍ متخصّصةٍ لرصدِ أيّةِ حالة ناشئة قد تشكّلَ خطراً على منظومةِ السيطرة تلك , لذلك نرى سياساتٍ وتجاربَ اقتصاديّةً عظيمة تصطدمُ بالعراقيل وتسير قسريّاً إلى الفشل كشركات القطاع العام في بلدنا , مقابلَ سياساتٍ وتجاربَ أخرى تتلقّى كلّ الدعم وتحصدُ النجاح بسرعةٍ مذهلةٍ ترافقها طبول ومزامير الدعاية لتطلّ من خلالها الأفاعي الرأسماليّة المتوحّشة وتنهشُ في قلبِ الاقتصاد الوطنيّ الضامن لقوت المواطن ولقمة عيشه , وأرجو منكم أيّها السادة أن تصبروا معي في المرور على مراحل تاريخيّة مهمّة لفهم طبيعة تحوّل الأسرار المحرّمة وانتقالها من إرثٍ إلى آخر علّنا نصلُ معاً إلى كشفٍ ما يخدمُ معركتنا الكبرى في استعادة الذات والكيان من أسر الأوهام وزيف الأيّام ...

     البريطانيّون هم أسيادُ هذا النهج الاحتكاريّ المستبدّ وهم أصحابُ علامته الشيطانيّة ومانحو امتيازاتهِ وقد بدؤوا بتطبيقهِ في مستعمراتهم والمناطق المستهدفة لأطماعهم ومصالحهم في أوج نهضتهم العلمية والصناعية وعزلوا أنفسهم عن تأثيراته القاتلة وهم خير من يعرفها وأطلقوا على سياستهم هذه سياسة ( العزلة المجيدة ) وهم من حوّلوا النزعة الشيوعيّة الاشتراكية إلى الإلحاد لكبح تطلعات العمّال وأرباب المهن والصناعات والتجارة المرتبطة بها الذين تضاعفت أعدادهم واتسع نطاق تأثيرهم ووعيهم لحقوقهم مع تنامي النهضة العلمية والصناعية والتحوّل من النظام الإقطاعي الذي ساد في العصور الوسطى , لكنّ ارتباط النهضة الصناعية لإنكلترا بالتوسع الاستعماريّ والسيطرة العسكريّة على طرق الملاحة والتجارة أدّى إلى تهميش دور النقابات التي أسّسها التجار والحرفيّون خلال القرنين الحادي والثاني عشر ميلادي لحماية حقوقهم والتي كانت تقوم بدور شيخ الكار أو كبير التجار لفضّ النزاعات والفصل في الخلافات , أمّا في باقي الدول التي انتقلت إليها الثورة الصناعية بفضل العلماء والتجّار والجواسيس وأرباب المهن والصناعة فقد تزايد تأثير النقابات وظهر مذهب النقابيّة في فرنسا الذي دعا إلى إحلال النقابات العمالية محلّ الرأسماليّة والحكومات المحليّة التي تعمل لصالح أرباب المال والملاّك على حساب العمال , ولقي هذا المذهب شعبية كبيرة في العديد من دول أوروبا وأمريكا اللاتينة أواخر القرن التاسع عشر, ومع انتشار الثورة الصناعية في أوروبا وأمريكا وخشية بريطانيا من غروب الشمس عن إمبراطوريتها وبسبب استعار التنافس الأوروبي على المستعمرات وتنامي قوّة ألمانيا العسكريّة وخاصّة قوّتها البحريّة وتحالفها الثلاثي مع إيطاليا والنمسا على يد بسمارك (1815-1898م ) الذي استطاع توحيد الولايات الألمانيّة على صهوة المشاعر القوميّة , واستشعرت عيون التاج البريطانيّ مُبكّراً هذا الخطر ممّا دفعهُ للخروج من عزلتهِ المجيدة  ولجأ إلى سلسلة من المعالجات منها غير المباشر كاختراع الجدليّة الماديّة بعناوين ثوريّة برّاقة وتطويرها إلى الشيوعيّة الإلحادية على يد كارل ماركس (1818-1883م) وشريكه فريدريك أنجلز الذي التقاهُ في باريس سنة 1843م لضرب التطلعات الاشتراكية للعمال بأخرى لا واقعيّة وغير منطقيّة , ونسف التوجّهات النقابيّة الواقعية القابلة للتطبيق ومنع وصولها إلى بريطانيا هذا من جهة , ومن جهةٍ أخرى لإثارة الاضطراب في ألمانيا وكبح نهضتها العلميّة والصناعيّة , أمّا أهمّ وأخطر المعالجات المباشرة فقد كانَ سعيها إلى إنشاء ما يشبه النادي الاستعماري لاحتواء المنافسين تحت سقفها وتوزيع المصالح واقتسامها بإشرافها, فاستطاعت أن تمنع تحالف ألمانيا مع فرنسا وإيطاليا , وبدؤوا بتقاسم شمال أفريقيا مستغلّين ضعف الدولة العثمانية فاجتمعوا في مؤتمر الجزيرة الخضراء بإسبانيا عام 1906م على خلفيّة تفاهمات ومحاضر مؤتمر لندن , كما أدّى الدعم الأوروبي لدول البلقان إلى استقلالها عن الدولة العثمانيّة الذي أدّى بدورهِ إلى ولادة كيانات جغرافية بنزعات قوميّة ووطنيّة وتحت سعار التنافس الأوروبيّ عليها , فاندلعت حرب البلقان الأولى وتلتها الثانية ممّا أدّى إلى فشل التحالف بين ألمانيا حليفة النمسا وبين روسيا حليفة الصرب التي دخلت إلى جانب بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ( قوى تحالف الصرب ) بينما دخل العثمانيون في حلف مع ألمانيا والنمسا ( قوى الوسط ) لتندلع الحرب العالمية الأولى عام 1914م بذريعة اغتيال وليّ عهد النمسا على يد قاتل من الصرب , ومع تأرجح كفّة الحرب بين الطرفين وخسائرهم الكبيرة اضطر الحلفاء لإدخال الولايات المتحدة في الحرب وكانت الذريعة غرق الباخرة الأمريكيّة لوسيتانا والمتّهم ألمانيا , فلجأ الألمان إلى دعم الثورة الشيوعيّة البلشفيّة لإخراج روسيا من الحرب وتهدئة الجبهة الشرقيّة والتفرّغ للحلفاء ودعمهم الآتي من رواء المحيط , غيرَ أنَّ أمد الحرب الطويل وخسائرها الهائلة أنهك قوى الوسط وأدّى إلى غليان شعوبها , بينما اكتسب الحلفاء لاعباً جديداً بكامل أناقتهِ ولياقتهِ , بالإضافة إلى عاملِ الجغرافيا الذي أبعد الشعب الأمريكيّ عن ويلات الحرب ودمارها فتولّت الولايات المتحدة هزيمة ألمانيا , وتفرغت إيطاليا للنمسا , بينما كان التركيز البريطاني الفرنسي على بلاد الشام لتنفيذ مخطط سايكس بيكو .  

  حينَ بدأت إيطاليا بتجهيز الذرائع لاحتلال ليبيا لم تأخذ بحسبانها سلاح التفرقة الطائفيّة وإنّما بدأت بإرسالِ حملاتِ التنصير وأنشأت لها المدارس والمشافي ونشطت اجتماعياً وتجاريّاً بشكل كبير , واستخدمت طريقة المرابين اليهود في السيطرة على أملاك الناس وأراضيهم , فأقامت المصارف وأقرضت المزارعين للاستيلاء على أراضيهم في حال عجزهم عن السداد , وبعد أن صار لها مصالح وموطئ قدم أرسلت إلى السلطان العثماني تخبرهُ عن نيّتها باحتلال ليبيا لحمايةِ رعاياها ومصالحها , ولكنّ بريطانيا في مصر بالإضافة إلى هذا الأسلوب الذي اتبعته الدول الأوروبيّة في تمويل حفر قناة السويس لإيقاع مصر تحت رحمة الدائنين فقد زرعت حركة الأخوان المسلمين على غرار ما فعلتهُ في الجزيرة العربيّة في صناعة التوأم الوهابي السعودي , وكان دهاؤها أشدّ خطراً إذ أبعدت أسرة الأشراف عنِ الحجاز بشكلٍ نهائيّ بعدَ أن استثمرتها أفضل استثمار في لجمِ تعاطف العرب مع العثمانيّين تحت تأثير التعاطف الدينيّ , فانضمّت القوات العربيّة إلى الحلفاء بدلاً من أن يكونوا جزءاً من الجيش العثماني إلى جانب ألمانيا والنمسا , ثمّ أتت بعائلة الأشراف لتنصّبها على بلاد الشام فوضعت السادة الأشراف في مواجهةِ بعضهم البعض بين حسنيين وحسينيين وسنّة وشيعة , وأنجبت لهم من سفاحها الحرام البغيض كيانات وحدود فاجرة ومنحتها الأسماء المجلجلة كما كان يفعل مأمورو النفوس مع الأطفال اللقطاء أو الضائعين على قارعة البلاء والفتن والحروب والمشاكل الاجتماعية إذ درج بعضهم على تسجيلهم بأسماء شخصيّات فنيّة مشهورة إمعاناً بالسخرية والتهتّك ويكفي أن ننظر إلى شكل خريطة فلسطين التي تشبه الخنجر المغروس , وإلى خريطة لبنان كرأس صبيّ مشاكس عاقّ أمسكَ اللصّ بعنقهِ فتراه لا يفتأ مستعدّاً للنطاح بجبهتهِ الطرابلسية فاغراً فاهُ بالصراخ الدائم على أمّهِ , وإلى خريطة الأردن كالبلطة المستعدّة لتقطيع الأوصال , وإلى خريطة العراق كالبالون المربوط على نتوء الخليج ما أن يفلت رباطه حتّى يصبحَ أثراً بعد عين , ودخل الأمير فيصل دمشق كعميلٍ إنكليزيّ تافه لينادَى بهِ ملكا على سوريّا بالزغاريد والقصائد ولم يفعل شيئاً سوى قبول إنذار غورو وحلّ الجيش فكانت ميسلون واستشهد يوسف العظمة وتمت مكافأة الأمير فيصل بإعلانهِ ملكاً على العراق لإكمال دوره القذر بالتواطئ مع أخيه عبد الله لفصل الأردن عن سوريّا وإعلان ولادة إمارة شرقيّ الأردن على يد القابلة الإنكليزيّة , وخَلَتْ شياطينها من آل سعود وحاخامتهم الوهابيين ببلاد الحرمين , وتفردّت هي بمصير القبلة الأولى فأسقطت بيت المقدس من التداول وأدخلت اسم فلسطين على أنغامِ مزامير أورشليم وأساطير التلمود , فهل بعدَ سخريّةِ واستهزاءِ السيّد الإنكليزيّ بنا من مصيبةٍ , وهو الذي لم يكن عاجزاً حينها عن رسم الحدود كما يشاء , ولكنّه تعامل مع الأمر بطريقة الرياضيّات ومجالها المفتوح على شتّى الاحتمالات , وأسقطت بندقية الشيخ صالح العليّ ودماء يوسف العظمة مخطّط تقسيم ما تبقّى من سوريا إلى دويلات طائفية واستيقظت ربّةُ الشمس من رقادها الطويل لإنقاذ ملاعب طفولتها في القِدَم بين بابل وسومر وأكاد وماري وإيبلا وأوغاريت ورأس شمرا , فانتفضَ التراب الذي يخبّئ في أحشائه كنوز الشمس وهبّ فرسانُ النور من شاطئ الأبجديّة وجبال العزّ والإباء إلى دجلة والفرات إلى جبل العرب ومن سهول حوران إلى قلعة حلب , ومن قاسيون الأشمّ وجنائن بردى إلى نواعير العاصي وجبل الأربعين وقد آلمهم صراخ لواء حلب وموصلها وأنين طرابلس الشام وجبلها لتبدأ الشمس رحلةً جديدة بعد ليلٍ طويل طويل .

   على الرغم من النجاحات الكبيرة التي حقّقها الحلفاء في الحرب العالميّة الأولى إلاّ أنّها انطوت على خسائرَ مؤلمةٍ جدّاً ستكون من الأسبابِ الرئيسيّة في كسر شوكة الشرّ الذي زرعتهُ بريطانيا في العالم واحتفظت بأسرارهِ المحرّمة لأكثر من قرن , إذ أنّ نتائجَ الحرب لم ترضِ حلفاء بريطانيا وخاصّة إيطاليا , كما أنّها عندما استدعت الذئبة الضاريّة من وراء المحيط إلى كرمها الأوروبيّ لم تكن تحسب حساب التطوّرات العلميّة الصناعية الهائلة التي ستقلّصُ المسافات وتختصرُ الكثير من الأحقاب لتحوّل العالم إلى قريةٍ صغيرة , كما لم يكن بحسبانها أن تقومَ ألمانيا بدعم الشيوعيّين الروس سيّما في أوج تنامي النزعة القوميّة لدى الألمان بشكلٍ خاصّ , وهذا ما أدّى إلى نجاح الثورة البلشفية وامتداد تأثيرها إلى جوارها في دول البلقان ( بلغاريا , صربيا , رومانيا , يوغوسلافيا ) الخارجة حديثاً من حكم الأستانة وساعد على ذلك الهزيمة المؤلمة للقوميّة الألمانيّة , كما أدّت الشروط القاسية التي تعامل بها الحلفاء مع ألمانيا إلى تنامي واستِعار رغبة الثأر والانتقام , فوجد الكيان اللقيط في الولايات المتحدة فرصتهُ الذهبية لدخول النادي الاستعماري العريق فمدّ يدهُ لألمانيا بالقروض والمساعدات , وبدأ صراعٌ آخر يتشكّل تحتَ السطح وفوقَهُ بينّ الماسونيّة البريطانيّة التي أنشأت الحركة الصهيونيّة كأداةٍ ومطيّة , وبين الماسونيّة الصهيونيّة التي سيطرت على الولايات المتحدة وحوّلت الماسون إلى أداة لخدمة أهدافها ومطامعها , وبدأ تنامي منظومة جديدة من الأسرار المحرّمة أشعلت فتيلَ الحربِ العالمية الثانية وأفرزت معسكرين أساسيّين في العالم : رأسمالي تقودهُ الولايات المتحدة , وشيوعي يقودهُ الاتحاد السوفييتي , تقاسما ألمانيا وكوريا وتجاورا في اليابان وكوبا , ليبدأ صراع القطبين النوويّين ببيادق الأمم على رقعة الشطرنج العالميّة في سعير الصراع الدامي وسعار الكباش البارد , حتّى انهيار الشيوعيّة فتفكّك وارسو وبقي الناتو ناتئاً على رأسِ الوحش النوويّ , ودائما كان على الأمم والشعوب دفع الثمن في جميع الأحوال بينما يتخمُ الزعماء وأرباب المال بالثروة والسلطة .

   احتفظت بريطانيا بأسرار صناعتها القوّية ومنها الصناعات العسكريّة التي شكّلت جانباً هامّاً في تنامي قوّتها وبسط سيطرتها ولكنّ سلاحها الأقوى كانَ سريّة خططها ودهائها الخبيث الذي اعتمدَ زرع الفتن وبثّ الفرقة بين الأمم والشعوب بشكلٍ غير مباشر عبرَ أدواتٍ محلّيّة في البلدان المستهدفة وهيَ مَن احتضنَت بذار الفكر التكفيريّ الإرهابيّ  ورعته وطوّرته وزرعته حيث تملي  مصالحها , وكانت لندن منصّة انطلاق لكل الأفكار والمناهج المحرّمة في بريطانيا , وفي الوقت نفسهِ لم تكن بعيدةً عن أسرار الدول الأخرى العلميّة والصناعيّة والعسكريّة , فعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة هي أوّل من فجّر القنبلة النوويّة وبنى مفاعلاً نوويّاً إلاّ أنّ أوّل محطةِ قدرةٍ نوويّةٍ كاملةِ العمل بدأت في كالدر هول في بريطانيا , وبينما اعتمدت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى على الغواصات والطائرات والأسلحة الكيماويّة وقاذفات اللهب , فقد ردّ عليها الحلفاء بنفسِ السلاح وحمّلوها تبعات الحرب وخسائرها .

   ومن الجدير ذكرهُ والوقوف عنده دخول اليابان في صفّ الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى وغيرت بوصلتها في الثانية وانضمت إلى دول المحور مع ألمانيا التي أشعلت الحرب بعد أن ساهمت الولايات المتحدة في إعادة بناء قوّتها العسكرية كما ساهمت من قبل في تطوير اليابان وتحويلها إلى دولةٍ استعماريّة شرسة هزمت الصين وسيطرت على كوريا وتايوان , الأمر الذي دفع الصين لدخول الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء , وفي الوقت الذي أخّرَ دخولُ ألمانيا الحرب عام 1939م مشروعها النوويّ , فقد بدأ المشروع النوويّ الأمريكيّ بعدَ رسالة أينشتاين إلى روزفلت لتدخل الحرب مع أولى تباشير النجاح في جامعة شيكاغو ولتُلقي بأوّل قنبلة ذريّة على هيروشيما بعد أوّل تجربة ناجحة في ولاية نيومكسيكو عام 1945م , وعلى إثرها أعلنَ الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان وليس على الولايات المتحدة فكافأته بقنبلةٍ ثانية على مدينة ناغازاكي واستسلمت اليابان وتقاسم الأمريكان والسوفييت كوريا فقسّموها إلى نصفين وأداروا حرباً أخرى بينَ شطريها .

   لقد تمّ تلغيم المطالب العمّاليّة والشعبيّة المحقّة وتفخيخ قيم العدالة الاجتماعيّة بالنزعة الإلحاديّة والتطرّف المادّي , ورُصّعَت هذهِ المطالب والقيم بالشعارات الثورية البرّاقة الناقمة على كلّ شيء مقدّس أو محترم في ذاكرة الناس ووجدانهم , لهذا استطاعت الرأسمالية الصهيونية امتطاء الحصان الشيوعيّ من داخلهِ وخارجهِ واستثمرتهُ أفضلَ استثمار في إعلان دولة إسرائيل والاعترافَ بها دولياً على خلفيّة قتل وتشريد شعب بأكمله , الأمر الذي شكّل ضربةً قويّة جدّاً للحركات الشيوعيّة في البلدان العربيّة والإسلاميّة حوّلتها إلى مجرّد ديكور في المشهد السياسيّ العربيّ ولا أجدُ ما يحسبُ لها باستثناء الدور الذي قامت به بعض الفصائل الشيوعيّة في لبنان وسوريا بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والتصدّي لاعتداءاتهِ والانخراط في جبهة المقاومة , وكانَ الأولى بها أن تجدَ فلسفتها الفكريّة الخاصّة ونهجها الاشتراكيّ الخاضع لحكمة العقل , وكانَ الأحرى بثورتها أن تحرّرَ العقل والنفسَ من الجشع والطمع والخوف لا من قيم الفضيلة والأخلاق وأن تتّصلَ بصاعقِ الكرامةِ لا بمبادئ ماركس ولينين وحماقة ستالين , وكم كانَ مؤسفاً أن تتحوّل طاقةٌ كبيرة للشباب العربيّ المثقّف باتجاه الانفلات الأخلاقي المغلّف بالمنطق الثوريّ وثقافة الجدل العقيم , وأنا شخصياً خضت تجربة حواريّة مضنية مع هذه الشريحة في أواسط الثمانينيّات منَ القرن الماضي , لهذا لم أتفاجأ بوجود بعضهم بينَ المعارضين الشرسين الذين أوصدوا الأبواب بوجهِ الإعلام الوطنيّ أثناء اجتماعاتهم في دمشق عام 2012م بطريقةٍ أقلّ ما يُقالُ فيها أنّها شبيهة بهم تماما أيّ خالية من الأدب والأخلاق , وما زلتُ أذكرُ جيّدا حواري الطويل مع إحدى الصديقات المتفوّقات علميّاً وطريقة تشبّثها الأعمى بنظريّة دارون التي كانت أدسم الأصناف على موائد هؤلاء إذ تصيّدوها في شباكهم , وقد استطعت أن أتوصّلَ مع تلكَ الصديقة إلى أرضيّةٍ منطقيّةٍ معقولة للحوار والنقاش على أساس الشكّ العلميّ , ولكنّها عادت صباح اليوم التالي لتقولَ بغضبٍ ثائر : ( أنتَ لا تستطيع أن تغيّرَ أفكاري بينَ ليلةٍ وضحاها , وأصل الإنسان قرد بالتأكيد ولن أقبل أيّ نقاشٍ في ذلك ) فما كانَ منّي إلاَ أن ابتسمت وقلتُ لها بهدوء : ( لا بأس فكلٌّ منّا يحنّ إلى أصله )  ويبدو أنّ عبارتي هذه كانت الترياق الشافي لها بعد بكاءٍ طويل .

   عندما نستعيد صورةَ انهيار الاتحاد السوفييتي وما فعلته اليدُ الصهيونيّة الرأسماليّة في الدولِ التي كانت تدور في فلكهِ مقابلَ ما نراه اليوم من قوّة روسيا ومناعتها العسكريّة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب المتنامي لدورها في العالم , ومقابل ما شهدناه من تطوّر الصين بعد مسيرة الإصلاحات التي بدأها دنج تسياو بنج أواخر السبعينيّات من القرن الماضي حيث بدأ تفكيك ألغام الديالكتيك المادي المنافية للناموس الكونيّ وموازينه الدقيقة , نستطيع أن نحلّلَ الأسسَ الباطلة التي ارتكزَ عليها كارل ماركس , وربّما نستطيع أن نفهم أيضاً سبب هروبهِ إلى لندن حتّى وفاتهِ بعد فشل الثورة الألمانية عام 1848م التي قامت إثرَ إطلاقه وصديقهِ أنجلز البيان الشيوعيّ الأوّل , وبالنظر إلى الخطوات الكبيرة التي كانت تخطوها ألمانيا على طريق التطوّر العلمي والصناعي , فإنّ الثورة كانت لإيقاف عمل المصانع والمناجم وإيقاع الفتنة بين طبقات المجتمع وشلّ تطوّر ألمانيا , كما أنّ احتضان لندن لاجتماعات الحزب الشيوعي الروسي أوائل القرنِ العشرين يُفسّرُ الهدف الحقيقيّ من إطلاق هذا الفكر الذي حوّلهُ الدعمُ الألماني للينين إلى اتجاهٍ آخر في مفارقةٍ قدريّة منَ العيار النوويّ الثقيل , ولا أجدُ نفسي بعيداً عن المنطق عندما أفهمُ مشروع الربيع العربيّ في هذا الإطار وهذا الاستخدام , والذي كانَ مُقدّراً لهُ صهيونياً أن يقود قطعانَ الوهابيّين والتكفيريين بعدَ نجاحِ المشروع باتجاه إيران وروسيا والصين , ولكنَّ من عادةِ الحياة تثبيتُ قوانينها في كلّ مولودٍ جديد وتنزيلُ برامجها القدريّة , ومهما جهدَ الأبوان في تنشئةِ المولود على ما يرغبون وإلى ما يتمنّون فإنّ للحياة إرادتها التي حملت بذار النبات في بطون الطيرِ وجعلت من الحشرات لواقح أزهارهِ ، لذا فكما ساهمت الشيوعيّة في تنمية الثقافة والفكر ونشر المعرفة شبه المجانيّة في الدول والشعوب الفقيرة , ووفّرت لها العتاد والسلاح للدفاعِ عن نفسها في وجه الوحش الرأسمالي , كذلك ما يحصلُ في العالم اليوم , على غيرِ ما أرادَ لهُ مخطّطوه تحوّلَ إلى أعظمِ حاملٍ وناشرٍ للوعي على أوسع نطاق أدّى لكشف أسرار الدهاليز المظلمة وأوكارها النتنة وأسقط ورقة التوت الأخيرة عن العورة التي طالما لبست العمامة والقلنسوة وربطة العنق الحضاريّة الأنيقة وتقيّأت نطافَ عارها وفجورها في أرحام العقول التائهة والضمائر العفنة والأنفس الوضيعة .  

   ولم يكن إطلاق مصطلح ( محور الشرّ ) في عهد بوش الثاني وترسيخهِ في أذهان العالم بعد ترسيخ مصطلح الحلفاء في حرب الخليج الثانية إلاَ من قبيل التمهيد لفرض أجواء حرب الألفيّة الجديدة المخطّط لها وربطِ نتيجتها مسبقاً بنتيجة الحرب العالميّة الثانيّة التي هُزمت فيها دول المحور على أيدي الحلفاء , وللأسف فقد وقعنا جميعاً في هذا الفخّ وما زلنا إلى الآن نستخدم مصطلح محور المقاومة , بعدَ أن نجحت الدعاية الغربيّة عبرَ البوق اللبنانيّ في تحويل مصطلح ( جبهة التصدّي والصمود والمقاومة ) إلى إحدى مفردات اللغة الخشبية حتّى في أذهان المقاومين أنفسهم , وكانَ الأجدى لنا أن نفرضَ مصطلحاتنا نحن ونجدّدها ونطوّرها وفقَ رؤانا وتجاربنا ونرفضَ السماح بتداول أيّ مصطلحات خارجيّة ملغومة , وذلك لكي يبقى الثبات قائماً في مركز حراكنا لأنّ أيّ تخلخل يمسّ ثبات المركز سيزيدُ نسبةَ الاحتكاكِ والعطالة وسيؤدّي حتماً إلى التهالك والانعطاب السريع .

  وضعت الذئبة النوويّة الضارية بعدَ الحرب العالميّة الثانية يدها تدريجياً على إرث الاستعمار وهي تتيهِ بكلّ صلفٍ وغرور , لكنّ جبروتها النوويّ لم ينفعها في فيتنام حيثُ كان الدرس الذي ألجأها إلى الأسلوب الإنكليزيّ لتستخدمهُ في أفغانستان فتسابقت مع الاتحاد السوفييتي في تقديم المساعدات للأفغان ومع نجاح الانقلاب العسكري الاشتراكي لجأت أمريكا لاستخدام الإسلام أوّلَ مرة كسلاح مباشر ضدّ الشيوعيّة فرفض رجالُ الدين مصادرةَ أموالِ الأغنياء وأملاكهم وتوزيعها على الفقراء بحجّة أنّ هذا حرامٌ شرعاً ومناقضٌ لعدلِ القضاءِ والقدر الذي جعل الأغنياء أغنياء والفقراء فقراء , وثار الفقراء للجهاد باسم الدين فدخل السوفييت عسكريّاً ولجأ ملايين الأفغان إلى باكستان , وبدأت صناعة البيئة الحاضنة لتفريخ الإرهاب التكفيريّ ورعايتهِ ومزاوجته بالأعمال الإجرامية الانتقامية على طريقة الثورة الفرنسيّة فيما سُمّيَ بعهد الإرهاب , وتمّ وصل الجنين الجديد بالحبلِ السرّي الوهابيّ السعوديّ في الحاضنة الصهيوأمريكيّة , وتدفّقت نماذج الاختبار من بلدانٍ شتّى عربية وإسلامية جميعها على لائحة الاستهداف , وبدأ ترويج وتصدير صورة المقاتلين من أجل الحريّة , وخرجَ السوفييت مهزومين ولبسَ الأعور الملاّ عُمَر عباءةً منسوجةً من لعاب الأرملة ليُقالَ أنّها عباءة رسول الله كما قيلَ عن درع مردخاي جدّ آل سعود , وتمّ تأمير الأعور على إمارة العميان , ومن يعتقد أن طالبان قصفت تماثيل بوذا دون أمرٍ مباشر من السي آي إيه فأنصحهُ بفحص دماغهِ عندَ طبيبٍ مختصّ .

  نجحت أمريكا في أفغانستان بأسلوبٍ إنكليزيّ وبأدواتٍ ورثتها عن الإنكليز وليسَ بقوتها العسكريّة وقنابلها النوويّة والفراغية والذكيّة التي لم تضرب بها أفغانستان في أعقاب الحادي عشر من أيلول إلا لتختبرَ قدرة جيشها الجديد على الاحتماء والقتال بواسطة الأساليب التي ابتكرتها لهم بإشراف شركة بن لادن وفتاها الأسطوريّ أسامة الوكيل الحصريّ آنذاك لآل بوش ورثة جمعية العظام والجمجمة , وتحتَ غطاء أسلحتها أيضاً تمّ تطوير بيئة الإرهاب في العراق بإشراف بلاك ووتر ووكيلها الزرقاويّ , لهذا فإنّها قادرة حتّى هذا اليوم على التفجير والتفخيخ في العراق انتقاما لفشلها وخروجها المُذلِّ والمُهين بإرادةِ الأسد المقاوم وحلفائهِ .

  مع انتهاء الحرب الباردة تطلّعَ أصحاب القرار في البيت البيضاويّ إلى جني أرباح هذا الانتصار , فتهادى الطاووس كلينتون وفريقهُ بين الأمم والدول لعقد الصفقات وتوقيع المعاهدات وتأمين الاستثمارات فاستطاع أن يوفّر للخزانة الأمريكيّة فائضاً مالياً بلغ /70/ مليار دولار عام 1998م , ووضع كامل ثقلهِ لإحلال السلام في العالم تحتَ سقف المصالح الأمريكيّة , فجُنّ جنون فريق السلاح والنفط والتكنولوجيا العسكريّة وقد أحسّوا بالخطر المحدق بخططهم وأحلامهم , ولم يقبلوا بأيّ شكل أن تبقى هذه الثروات الهائلة من السلاح المُدَمِّر دونَ استثمار , فأشعلوا نارَ الفتنة تحت ستار الناتو في بلدان يوغوسلافيا التي تفكّكت إثر انهيار الشيوعية وقسّموها بشكلٍ مدروس مسبقاً , وبرمجوا عمليات التطهير العرقي والدينيّ فيها , واتخذوا من محاكمة ميلوسيفيتش بدايةً جديدة لمحاربة الإرهاب الذي اخترعوه كعدوّ بديل عن الاتحاد السوفييتي باسم الحضارة الغربيّة لإبعاد تهمة الطائفيّة عنهم وقد بدؤوا بمحاكمة قائدٍ مسيحيّ حاول إبادة مسلمي البوسنة والهرسك ليبدو الأمر مقنعاً على المنابر الدوليّة حين يأتي دور الجحيم الذي أعدّوه للشرق الأوسط الجديد وفوضاهم الصهيونيّة الخلاّقة , وأعدّوا بيئة عملٍ مُتقنة لوضع دراسات معهد أوتبور في صربيا قيدَ الاختبار والتجريب الذي أشرفَ عبر منظمتهِ ( كانفاس ) على إعداد وتدريب كوادر صناعة الثورات وحركات التغيير التي اتخذت شعار القبضة وأطلقت لاحقاً ثورات الأزهار والألوان والأشجار والقمصان في الكثير من البلدان كجورجيا وأوكرانيا ولبنان وفنزويللا وإيران .. تحت مُسمّى اللاّعنف , إلى أن أعطيت إشارة البدء بإعادة تشكيل أحرف الربيع في المنطقة العربيّة وتحويله إلى العبري بدلاً من العربيّ , وأعطيت الأوامر بإطلاق ثورة الياسمين في تونس كأولى حلقات الربيع العربيّ الذي كانَ مُخطّطاً لهُ أن ينتهي بإحراق ياسمين دمشق ولكن يبدو أنَّ الياسمين الدمشقيّ قد نجحَ باختراقهم وبدأ بإحراقهم واحداً تلوَ الآخر وما يزال بعطرهِ ونار واديهِ بكامل فتنتهِ وأناقته يلوحُ بأقدار الحياة من على شرفات قصر الشعب أعلى جبل قاسيون .

   هذا الفريق الدوليّ الذي أشرفَ على وضع هذهِ الخطط هو الذي زاوجَ بين العقل الإنكليزيّ البارد وبين عقل القرصان المغامر المقامر وأنتجَ تشكيلةً واسعة من المعتوهين على كراسي الحكم في مختلف دول العالم , وبدا لهُ أنّهُ يملكُ القدرة على كلّ شيء , ولكنّ الطبيعة السكانية المتنوعة في الولايات المتحدة التي أنتجتها الهجرات المتعاقبة وحروب المستعمرات الطويلة وعهود الاستعباد والمجازر أدّى إلى فتور المجتمع الأمريكيّ تجاهَ تلك الخطط الجهنّمية ولم يكن يملك مشروعه القوميّ لتبنّيها كما عند الألمان وعقدة العرق الآري وأكذوبة اللغات الهندوأوروبيّة , وحتّى أنّ النسبة الكبيرة من المهاجرين احتفظوا بولائهم القومي لوطنهم الأمّ وأورثوه لأبنائهم وأحفادهم رغمَ المآسي التي اضطرتهم إلى الهجرة , وبدا لهؤلاء الصقور أنّ عهد كلينتون يباعد بينهم وبينَ أحلامهم وخططهم في بسط نفوذهم والسيطرة الكاملة على العالم الذي أصبحَ قريةً صغيرة أرادوا أن يكونوا إقطاعييها ومالكيها وجعلوا من العام 2020م مهلةً أقصى لتحقيق هذا الهدف على غرار العام 1818م الذي سيطرت فيه بريطانيا على الهند وكرّست سيطرتها على العالم , فحاولوا إسقاط كلينتون بقنبلة مونيكا وبدأت المساومات النووية على مشروعين مختلفين في الأسلوب متّحدين بالهدف لدخول الألفيّة الثالثة بوحيد القرن الأمريكيّ , ومع التهديد بطرده كلينتون من البيت البيضاوي بتهمة الحنث باليمين في فضيحة مونيكا فشلَ لقاء الأسد كلينتون في جنيف بسبب بضعة أمتار عن بحيرة طبريّا رأى الأسد كرامة أمّته وعزّة وطنهِ في كلّ حبّة تراب وكلّ قطرة ماءٍ فيها , ورأى كلينتون فيها نجاتهُ منَ الطرد أو القتل لنفس الأسباب التي قتلت رابين بعد وديعتهِ الشهيرة , وأعلنَ مجلس الشيوخ براءة كلينتون من تهمة الحنث باليمين المثبتة عليهِ على مرأى ومسمع العالم أجمع فأكمل ولايته ولم يطرد , وبينما بدا كلينتون كلباً مقطوعَ الذيل لا يعرفُ كيفَ يواري سوءته , فقد أغمض حافظُ الأسد عينيه على أروع انتصارٍ حقّقهُ على الكيان الصهيونيّ .

   أنهى كلينتون ولايته الثانية وقد بلغت أمريكا في عهدهُ أوج قوّتها وسيطرتها الأمريكية ليبدأ عصر الانحدار والتخبّط , وخاض النفط العربيّ وأرصدتهِ واستثماراتهِ المعركة الانتخابية بشكلٍ مستتر نوعاً ما إلى جانب بوش الثاني في ولايتهِ الأولى وبشكلٍ سافر ومباشر في الثانية لاستكمال مشروعهم وصفقاتهم التي أجّلوها في عهد والدهِ إثر حرب الخليج الثانية إذ لم يكملوا إلى بغداد حتّى ينفضّ الشركاء الكثيرون ويخلو لهم اقتسام الكعكة العراقية لاحقاً , وعلى الرغم من دخولهم القويّ إلى جانب بوش فقد فاز بصعوبة بالغة وبعدَ تشكيك بالنتائج وإعادة فرز وبفارقٍ ضئيل عن منافسهِ الديمقراطيّ , وانطلقت الخطّة من قبل شركات السلاح والطاقة لدخول القرن الأمريكيّ الجديد فكانت أحداث أيلول التي أشعلت النزعة القوميّة لدى الأمريكيين ومعها النزعة الدينيّة التي ركب الأحمق بوش موجتها الصليبيّة باسم الربّ ، وتحت شعار مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية بدأ نشر الوهابيّة والإرهاب التكفيريّ بمختلف نماذجه وأفكاره كأخطر القنابل النووية ذات التدمير الشامل لعقل الشرق وفكره وضميره ووجدانهِ .

   لم تكن مونيكا الجاسوسة الأولى على كلينتون فقد سبقتها باويلا جونز التي حاكمته بتهمة التحرّش الجنسيّ عام 1994 وكانَ حينها حاكماً لولاية أركنساس , ولكنّ الجاسوسة الأخطر كانت في حياته كانت هيلاري كلينتون ذات البطاريّة النوويّة التي كان يحلمُ الأحمق بوش وعرّابهِ ديك تشيني بإجلاسها على كرسيّ البيت البيضاويّ لسحق إيران , غير أنّ لاءات دمشق وحلفائها التي هزمت الأمريكيين في العراق ولبنان وفلسطين غيّرت البوصلة الأمريكيّة , وبدلاً من أن يحتفل العالم بأوّل امرأةٍ في سدّةِ البيت البيضاوي احتفل بأوّل إفريقيّ أسود يحمل بخلفيّتهِ الإسلامويّة سرّ السيف الذي رقص به بوش مع أخوانهِ السعوديّين .

   عبثاً أيّها السادة يحاولُ المرء أن يبرّأ أحداً من جرائم الماضي وآثامه الثقيلة , ولكن على الأقلّ يجب أن نكون قادرين على كشف الخداع والمكر والدهاء الذي ركبَ البشريّة في مختلف الأحقاب والعصور , وإن كنّا قد شهدنا خلال العقود الماضية تكرار تلك الجرائم والمآسي بشكل سافرٍ ومفضوح , فإنّ الكثيرين ما زالوا يرفضون الاستفادة مما حدث في تصحيح نظرتهم إلى هذا العالم , فمثلاً تمّ دفع العراق دفعاً لإعلان الحرب على إيران بعد سقوط الشاه الصهيونيّ فكانت حرب الخليج الأولى , وبذات الطريقة تمّ دفعهُ لدخول الكويت فكانت حرب الخليج الثانية , وفي كلا الحربين خسر الجميع وربحت الرأسمالية الصهيونيّة , وكذلك الأمر في الحربين العالميتين تمّ تصنيع الأحداث ودفع الدول دفعا إلى دخول الحرب , ومن لم يفهم من تسريب الاجتماع السريّ لأردوغان وأركان حربهِ مؤخّراً لتوجيهِ ضربة إلى الداخل التركي أو إلى قبر سليمان شاه في الداخل السوريّ واتخاذها ذريعةً لشنّ حرب تركيّة مباشرة على سوريّة , كيف كانَ يتمّ اختلاقَ الذرائع لإشعال الحروب وفرض السياسات الاستعماريّة كاغتيال وليّ عهد النمسا وغرق الباخرة لوسيتانا ومحرقة الهولوكست وأحداث أيلول وحرق البوعزيزي وغيرها فالأحرى بهِ أن لا يدّعي ملكةَ الفهم والعقل , ومع أنّها ليست الدلالة الوحيدة في الحالة التركيّة بل نحتاج في قراءة هذا الحدث وتحليله إلى الكثير من الترويّ والشكّ العميق إذ أنّ موقف أردوغان الرافض لاستهداف العراق عبرَ أراضيه كانَ جزءاً من ضروراتِ تصنيع شخصيّة أردوغان دافوس .

   كما أنّ هناكَ خيارات كثيرة لضرب العراق بوجود القواعد الأمريكيّة في الخليج إضافةً إلى العنصر الكرديّ البرزاني المضمون أمريكياً والمنغمس في المشروع الصهيونيّ , وفي هذا الحال يكون موقف أردوغان جواز دخول في الحلف المقاوم لاختراقهِ وكشف خططه واستعداداته التكتيكيّة والإستراتيجية في التعامل مع المستجدّات , أمّا اليوم فبوجود الموقفين الروسي والإيراني الصارمين سيّما بعدَ انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا وبوادر التسليم الغربي بنوويّة إيران مع بدء رفع العقوبات الأوروبيّة والأمريكيّة , فإنّ أردوغان وأركان حربهِ يدركون أكثرَ من غيرهم أن دخولهم الحرب على سوريّا ضربٌ من الانتحار , بينما هو مطلبٌ صهيونيّ وهّابيّ بامتياز بدفعٍ كبير ودعمٍ أساسيّ من جناح الصقور في البيت الأبيض , لهذا فإنّهُ من الأرجح أنَّ تسريب ما جرى في ذلك الاجتماع لم يكن إلاّ بعلم أردوغان نفسهِ وبتخطيطٍ مُسبق , ولم يكن حجب موقع اليوتيوب إلاّ محاولةً منهُ لإقناع أسيادهِ أنّ الأمرَ خارجٌ عن يدهِ , فراراً من توريطه بهذا الأمر الانتحاريّ من جهة , وذريعةً للانقضاض على منافسيه من جهةٍ أخرى , وإحراق ورقة البديل الاحتياطيّ حليفهِ السابق محمد عبد الله غولن التي لوّحَ بها أسيادُه في حال لم يقم بهذهِ الحرب , ولعلّ أردوغان قدِ استفادَ بشكلٍ ما من طريقةِ ويكيلكس في فضح وتوريط الحكّام والمسؤولين العرب عملاء أمريكا وإسرائيل ورفع البقيّة الباقية من الخجل عن عورةِ الخيانة والتآمر والظهور بها على الملأ كوجهةِ نظر .

  وإذا صحّ هذا الاحتمال يكون أردوغان بهذهِ الحركة وبعدَ أن بدا وكأنّهُ شرعَ بالحرب عبر إدخال القطعان التكفيريّة إلى كسب وإسنادها بغطاءٍ ناريّ من داخل الأراضي التركيّة وضرب المقاتلة السوريّة , قد ضمنَ عدم تخلّي أسيادهِ عنهُ في الانتخابات البلديّة , إضافةً إلى اكتسابهِ لأصوات الإسلاميّين المتطرفين إلى جانب الشرائح التركية التي تشكّل الاستثمارات الخليجية والأوروبيّة والصهيونيّة مجالَ عملها ومصدر رزقها , ثمّ جاء التسريب ليلغي مشروع الحرب التي بعثَ أردوغان مسبقاً لإيران برسائل الطمأنة بأنّها لن تحدث , وما علينا إلاّ أن نترقّب الردّ الصهيونيّ على الخبث العثماني وتذاكيهِ , وأعتقد أنّ مصيرهُ الأسود سيكون على يد أسيادهِ في وادي الذئاب , ولا أعرفُ إن كانت إشاعة مقتل الممثّل التركيّ الذي قام بدور مراد علم دار في مسلسل وادي الذئاب مؤخّراً يحمل دلالةً ما في هذا الاتجاه , خاصّةً إذا تذكّرنا صورة محمّد الفاتح التي وضعها صانعو شخصيّة علم دار وعرّابوه ( الختياريّة ) أصحاب الدولة العميقة في إحدى الحلقات على جدارِ مكتبهِ وقد تأمّلها عميقاً , إضافةً لمواكبة حلقات المسلسل لما يجري في المنطقة وخاصّةً في سوريّا , فإنّ لرسائلَ من هذا النوع طعمٌ استخباراتي تذوّقهُ أحمد داوود أوغلو على ما يبدو فدعا إلى تصحيح وتمتين العلاقة مع إسرائيل ووافقهُ أردوغان , ليظهرَ أنّ المقتول هو أحد الممثلين في المسلسل وليس بطلهِ الأساسيّ الذي تعجّبَ من التشابه الكبير بين حلب وبين مدينته في الجزء الذي أُرسِلَ فيهِ لاغتيال رئيس وزراء لبنان في سوريا , هل هي مجرّد مصادفة ؟! هل هي رسائل مقصودة لأهداف مرسومة ؟! هل ثمّةَ فرقٌ كبير بين الدور الذي يؤدّيه ممثّلو مسلسل وادي الذئاب وبين الدور الذي يؤدّيه المسؤولون الأتراك ؟! وهل تحتملُ شعوبُ الأناضول وفسيفسائها الاجتماعية والمذهبية المتنافرة والمُعلّقة على جدارٍ مُستعار أن يُوَجَّهَ ساستهم وتُرسمَ سياساتهم برسائلَ صهيونيّة من مُسدسٍ محشوّ بيدِ قاتلٍ مأجور ؟!  

لست أدري !!!.................  

غير مصرح بإدلاء التعليقات

send-article

مقــالات

الانتخابات البرلمانية.. موقفنا الراهن

we
قد يتبادر إلى الذهن أن رفضنا المشاركة في الانتخابات التي تُجرى كلّ أربع سنوات في العراق، يأتي من تشددٍ في موقفنا…

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو

أحدث التعليقات