من هنا وهناك

آخر الاضافات

   
   

فشل الجيل الأول من المحافظين الجدد في الاستمرار في ابتزاز ...

لايصيبني بالسقم الا سماع الكلام الذي يسقط فوق تلال الكلام ...

لعل المتابع المتبصر لما يجري من أحداث مركّزة مكثّفة متلاحقة ...

فيلم أميركي طويل الحديث هنا ليس عن مسرحية المبدع زياد ...

الخجل من اليسارية

قفز إلى رئاسة العراق، من حيث لا يعلم ...

لا يرقى ليقين القراء الأفاضل شك، بأننا نتابع كل تعليقاتهم، ...

في أحد مواضيعي السابقة كتبت وحذرت من الشركات الإحتكارية ...

لاأدري لماذا يذكرني الرئيس الفرنسي بالشخصية الكوميدية ...

(«عدوّنا هو الغرب» ــــ هادي العلوي)

صاحب القول أعلاه، ...

تتجه روسيا إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية؛ ستعتبر ...

منذ ان اعلن ابو بكر الداعشي خلافته ظهرت علينا التصريحات ...

العراق والرسائل الدموية التي مضى على تدفقها المستمر ما ...

يقولون: "عود على بدء والعود أحمد". في حالتنا العراقية، ...

كانت امه الفقيرة المقهورة تحلم أن تراه يوما يكبر بكرامة ...

كل الانسان يجتهد برايه حسن ما تحلله معلوماته و الية الحواس ...

قررت الولايات المتحدة الأميركية قصف داعش في سوريا. تبلغت ...

في حياة الجماعات وخصوصا في زمن الأزمة والردى، ينتظر الناس ...

في الصورة طبيبان نرويجي "كافروالآخر سعودي عربي ...

(طلب أحدنا أن يكتب كل منا نصاً يعبر عن حال العراقيين اليوم ...

" كتبتُها على منوال مستهل القصيدة الشهيرة ـ ذهبيّ الشعر ...

  
  • بوكو حرام وداعش وبقية العيال الأمريكي

    فشل الجيل الأول من المحافظين الجدد في الاستمرار في ابتزاز العالم تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"، وتحقيق خرافة القرن ا...لأمريكي عن طريق الغزو الغاشم الذي كان يبرر بالأكاذيب، كما حصل في أفغانستان والعراق، وأصيبوا بالفشل الذريع، وجروا العالم الرأسمالي معهم إلى أزمة مالية عاصفة كادت تطيح بالعديد من بلدان ذلك المعسكر. وجاء الآن دور الجيل الثاني من نفس الماركة الأمريكية المسجلة لتحقيق نفس الغاية، لكن بتجربة ستراتيجية جديدة تقوم على جعل دول العالم تطلب طوعا وبنفسها غزوا أمريكيا ناعما لـ "مكافحة الإرهاب"، مشروع مفضوح لتفريخ الإرهابيين وابتزاز العالم بهم، كان نتاجه البكر القاعدة، ثم طالبان في أفغانستان، ثم بوكو حرام في نيجيريا، وداعش وأخواتها بين العراق وسورية، والإنتاج متواصل، وسيولد "من هذا المال حمل جمال"، عيال لا أب لهم إلا أمريكا، ولا أم لهم غير المصالح الامبريالية الأمريكية.
    داعش قوة عظمى تتطلب مواجهتها تحالفا دوليا – وبطبيعة الحال تحت زعامة أمريكا. هذا ما يريدنا الإعلام الأمريكي وإعلام بلدان الناتو عامة أن نصدق به. وداعش حركة مفرطة في الوحشية بحيث يترتب علينا أن نفعل كل شيء لمواجهتها، مثلا نطلب ضربات جوية أمريكية، وإرسال خبراء أمريكيين وفرنسيين، وإقامة قواعد لطائرات الدرون (بلا طيار) – يعني أن نطلب من الأب أن يربي ابنه ببضع صفعات جوية، ونتناسى على الفور صراعاتنا مع الأب نفسه، وننسى الجرائم التي ارتكبها بحقنا، ونتفرغ سوية معه لمواجهة ذريته، داعش. لكن أهم ما يريدنا هذا الإعلام الأمريكي/الناتوي أن نفعله هو أن لا نسأل، مثلا: كيف ظهرت داعش، وصارت بين ليلة وضحاها قوة عظمى، أو في الحقيقة قطبا في السياسة العالمية بحيث يتوجب على كل بلدان العالم الآن أن تتحد، وتكون قطبا مضادا له؟ وأن لا نسأل: كيف ظهرت داعش في منطقة من العالم تراقبها الأقمار الاصطناعية الأمريكية، والبريطانية، والفرنسية، والإسرائيلية ليل نهار لتسهيل عمل المنظمات الإرهابية على أرض سورية، منطقة تعج بالعملاء والمخبرين في شمال بلد يتحكم الأمريكيون بمقدراته وأجوائه، وأرضه من إحدى عشرة سنة، وقرب قاعدة أمريكية في جبال كردستان العراق، وعلى مرمى حجر من قواعد حلف الأطلسي؟ وأن لا نسأل لماذا لم تظهر داعش هذه كمجموعة من عشرين أو ثلاثين مسلحا يجوبون الجبال والوديان، ويتموضعون في تورابورا في شمال العراق، وإنما ظهرت كجيش عرمرم، يحتل المدن، ويهجر ملايين الناس من قراهم ومناطق عيشهم، ويسبي آلاف النساء، ويقطع حتى رؤوس الأمريكيين!! و .. وماذا أيضا؟
    في البداية بدا الأمر وكأن الأمريكيين يريدون معاقبة نوري المالكي الذي صار يتململ في علاقته بالاحتلال، ويحاول أن يبرز كوجه وطني لا يتجاوب مع كل طلبات الأمريكيين، وذلك بتوجيه أحد العيال المشاكسين ليحرجه في الموصل. وفي البداية بدا الأمر أيضا وكأن تحقيق هدف إسرائيل في ولادة توأم لها في شمال العراق صار يتطلب تجديد الصراعات الطائفية الدموية في العراق، فبدأ ابن شقي لأمريكا يثير الفتن، وفي البداية بدا الأمر كذلك وكأن الأمريكيين بعد فشلهم الذريع في سورية يريدون العودة إليها ليس عن طريق الاعتراف بالهزيمة، بل عن طريق معاقبة أحد عيالهم العاقين، داعش، عسى أن يكون ذلك مقدمة لفتح حوار مع الدولة السورية، والعودة كأصدقاء.
    لكنْ، سرعان ما تبين أن داعش ليست مجرد حركة طائفية عادية لها أهداف محدودة، بل إنها حركة "فتح مبين" تعتنق التخلف في أبشع صوره، وتمتهن الجريمة في أقسى وسائلها، وتصب جام غضبها على الجميع، مسلمين، ومسيحيين ويزيديين، وغيرهم، وعلى كل من يرفض همجيتها، فتبين للناس الخيط الأبيض من الخيط الأسود في أمرها، فداعش ليست مشروعا صغيرا في نطاق طائفي، بل هي مشروع ماكنة إرهابية ضخمة يراد تشغيلها على مستوى العالم، تركيبتها الأساسية أمريكية بامتياز، مع وجود قطع غيار بريطانية، وفرنسية، وكندية، وأسترالية، وإسرائيلية، وسعودية فيها. وأمريكا تنوي فتح فروع لمشروع داعش العالمي في كل مكان. لا ينبغي لنا أن نفصل أبدا بين ظهور حركات "إسلامية" إرهابية في أي مكان وبين مشروع داعش الأمريكي العالمي. إنه نفس الأب يرسل أبناءه المعتوهين حيثما تقتضي مصالحه، فيتخذ الابن لنفسه اسما يناسب المكان الذي يعمل فيه، ويعيث في الأرض فسادا. في نيجيريا، مثلا، اسم الولد الشقي هو "بوكو حرام"، وهو الأخ الشقيق لداعش من نفس الأب الأمريكي ونفس الأم، المصالح الأمريكية، تماما كما كان الابن الشقي في أفغانستان يسمي نفسه "طالبان"، أو "القاعدة".
    قررنا أن نسأل، وليسأل العالم كله معنا: ألم يتم تصنيع داعش وغيرها من الحركات والمنظمات الإرهابية على أيدي الأمريكيين من أجل إسقاط النظام الشرعي في سورية؟ فلماذا انحرفت الآن من إسقاط النظام في سورية إلى استهداف العالم كله؟ ولدينا أسئلة كثيرة إلى الجيل الثاني من إرهابيي المحافظين الجدد حول نشاطات مشروع داعش في كل مكان، منها مثلا: أن الطائرات الأمريكية (بطيارين) استطاعت عام 1967 مسح غابات بوليفيا في أمريكا اللاتينية، وحددت مكان الثائر الكوبي تشي جيفارا ومجموعة من ستة أو سبعة مقاتلين معه في تلك الغابات الكثيفة، واستطاعت الاستخبارات الأمريكية تصفيتهم، فكيف لا تستطيع الطائرات الأمريكية الآن في عام 2014 (أي بعد نصف قرن من التطور التكنولوجي في مجال الطيران والتجسس) تحديد مكان 300 فتاة خطفتهن عصابات بوكو حرام في نيجيريا؟ هل حركة بوكو حرام وراءها عقول ستراتيجية تناطح الخبرة والتكنولوجيا الأمريكية، أم أن من وراءها هي عقول أمريكية؟ حركة بوكو حرام تقوم بمهمة الابن المطيع الذي يعطي أباه، أمريكا، الفرصة للدخول إلى نيجيريا بناء على طلب من حكومتها لإقامة قواعد للطائرات الأمريكية بدون طيارين، وإرسال سيل من الخبراء، والاختصاصيين العسكريين، ومعداتهم التكنولوجية إلى هناك – لماذا؟ لإزالة النفوذ الصيني وضرب المصالح الصينية هناك. ألا تقوم داعش بنفس الدور في خلق مبررات لاستدعاء غزو أمريكي مرغوب فيه إلى شمال العراق؟
    أليس هناك قاسم مشترك بين خطف بوكو حرام لثلاثمئة فتاة والتهديد ببيعهن (لم تعثر الاستخبارات الأمريكية وطائراتها على أثر لهن حتى بعد أن أسست أمريكا وحليفاتها لوجود دائم في نيجيريا)، وبين بيع داعش للفتيات اليزيديات؟ أليس العقل المحرك هو نفسه في كلتا الحالتين؟ أية مصادفة هذه في اتهام الإسلام بالهمجية! في تاريخ الإسلام البعيد، كما في تاريخ كل الامبراطوريات على الأرض، وقع سبي للنساء، لكننا لم نسمع في الجيل الأول من عيال أمريكا، القاعدة وطالبان، أن أحدا منهم سبى النساء، وباعهن في سوق النخاسة كما يفعل الجيل الثاني، داعش وبوكو حرام! إنه تحديث مريع لماكنة الإرهاب الأمريكية!
    ولنأخذ تطويق داعش لسد الموصل. وصول داعش إلى سد الموصل كان الهدف منه بكل وضوح جعل الناس يصرخون أن الخطر الماحق آتٍ، فلستنجد بالأمريكيين – تماما كما فعل الناس في مالي وفي نيجيريا. تصوروا لو أن داعش نسفت سد الموصل، الأمر الذي حال دونه تدخل الطيران الأمريكي! مسرحية تبكي من الضحك لشدة سخفها، فالإعلام الأمريكي والناتوي كله يصور داعش كقوة تملك من الأسلحة المتطورة التي استولت عليها من الجيش العراقي ما تكفي لتهديد العالم كله. ولو كان الأمر كذلك فإن نسف سد الموصل كان يتطلب من داعش مجرد توجيه بضعة صواريخ إليه قبل، أو أثناء، أو حتى بعد غارات الطيران الأمريكي. لكن داعش لم تفعل ذلك لأن الهدف لم يكن سد الموصل بل إعطاء رامبو، الأب الأمريكي، فرصة للعب دور البطل المنقذ. تهديد سد الموصل هو بروفة داعشية/أمريكية ستتكرر في أماكن عديدة، وفي كل مرة سيكون هناك خطر ماحق لا بد من استدعاء رامبو ليلعب دور البطولة في أفلام وقف الخطر، أفلام لا تصلح للعرض إلا في صالات الدرجة الخامسة. داعش ستعطى الفرصة لتصل إلى أخطر الأماكن في كل بلد في العالم تماما مثلما أعطيت الفرصة للوصول إلى سد الموصل بحيث لا يكون هناك من مخلّص إلا الطيران الأمريكي، والخبراء الأمريكيون، والقواعد الأمريكية التي "يجب" علينا، طوعا وعن طيب خاطر، الترحيب بها حماية لأنفسنا من داعش.

    ونسأل أيضا أنه بعد الحادي عشر من أيلول عام 2001 قامت الولايات المتحدة بالارتباط مع الحرب على الإرهاب بما أسمته "تجفيف منابع تمويل الإرهاب"، أي حرمان منظمة القاعدة من أية فرصة للحصول على تمويل، مع أنها كانت متيقنة من أن التمويل الرئيسي للقاعدة كان، منذ تأسيسها، يأتي من السعودية، فشنت أمريكا حملة شعواء على كل نشاطات جمع التبرعات للفقراء والمحتاجين في العالم العربي بحجة أن التبرعات قد تستخدم لتمويل الإرهابيين. وبهذا الخصوص استطاعت أمريكا عن طريق رمزي "swift"، و "IBAN" مراقبة كل التحويلات البنكية في العالم بشكل مطلق، إذ يتم إبلاغ الاستخبارات الأمريكية بشكل اتوماتيكي وفوري عن أي تحويل للأموال عبر البنوك، وعن طرفي التحويل. نريد أن نعرف لماذا لا تجفف أمريكا مصادر تمويل داعش سواء من السعودية، أو من قطر، أو من مبيعات النفط السوري والعراقي؟ ونريد أن نعرف كيف تصدر داعش وبقية المنظمات الإرهابية النفط إلى العالم، وإلى من يبيعونه، وعبر أية بنوك يستلمون الأثمان. هل توقف دور سويفت وإيبان عند جمع التبرعات لفقراء المسلمين، وعند تحويل الأموال في التبادلات التجارية مع إيران؟

    ثم إنه حتى الأطفال يتساءلون اليوم لماذا تقوم أمريكا بتسويق هائل غير مسبوق لمنظمة إرهابية مثل داعش باعتبارها خطرا على العالم كله، بحيث يتزعم السيد أوباما بنفسه الدعوة للتحالف ضد هذا الخطر؟ أليست هذه محاولة مفضوحة للضحك على ذقون العالم كله؟ سورية استطاعت الوقوف بوحدها في وجه عشرات المنظمات الإرهابية المدعومة أمريكيا، وأطلسيا، وخليجيا، بما فيها داعش، لكن مواجهة داعش وحدها أصبحت الآن تستدعي تحالف كل القوى الكبرى، وكل دول الشرق الأوسط، والقارة الهندية، وأمريكا اللاتينية؟ ثم لماذا يُسمح لداعش باستخدام امكانات التواصل الاجتماعي لبث صور الجرائم التي ترتكبها لبث الرعب في قلوب الناس في كل العالم؟

    الأغبياء وحدهم لا يرون أن داعش مشروع أمريكي مفضوح، وهي الوسيلة التي أخترعتها "العبقرية" الأمريكية لإعادة السيطرة التي بدأت أمريكا تفقدها في العالم، عبر الضغط الإرهابي على كل دول العالم لتخييرها بين قبول التحالف مع أمريكا، أو تلقي رفسات داعش - نفس شعار جورج بوش وديك تشيني: معنا أو ضدنا. ونظرة خاطفة على التسويق الهائل الذي يقوم به الإعلام الأمريكي والناتوي لداعش تكشف أن داعش أصبحت شبحا يجول في كل مكان في العالم، إنها توجد حاليا، أو ستوجد عن قريب في كل دولة على الأرض فيها مصالح أمريكية لكن دون أن تشكل خطرا على المصالح الأمريكية نفسها، بل على مصالح تلك الدول، فلا يكون أمام تلك الدول إلا طلب المساعدة الأمريكية وذلك لخبرة الأمريكان في محاربة الإرهاب، ولامتلاكهم كل مقومات الانتصار على الإرهاب، بما فيها الاستخبارات القوية وتكنولوجيا التجسس المتطورة من الفضاء وباستخدام طائرات بلا طيارين (التي ويا للمفارقة لم تكشف كلها داعش إلا بعد أن أصبحت قوة عظمى تهدد العالم كله، ولا تكشف مصائر مئات الفتيات اللواتي خطفهن شقيق داعش في نيجيريا).

    داعش قوة ساحرة ستدخل عواصم كل الدول العظمى فاتحة منتصرة، وليس أمام دول العالم من خلاص إلا في التحالف مع الأمريكيين، وفتح أرضها، ومياهها، وسمائها أمام الجيش الأمريكي! داعش تهدد بشكل خاص الدول التي تكون تحالفات منافسة لأمريكا، مثل دول مجموعة بريكس. كان غريبا أن يُخرج جربوع شيشاني رأسه، ويهدد روسيا بأنه سيحتل موسكو. تساءل الناس: ماذا يظن الدواعش أنفسهم؟ يفتحون موسكو؟ هم إذن أقوى من جيوش نابليون ومن جيوش هتلر؟ ولكن لم يكن غريبا أبدا أن يظهر زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، بعد أقل من يوم من تصريح الداعشي الشيشاني مهددا موسكو، ليعلن إقامة فرع للتنظيم الإرهابي في القارة الهندية! إذن عيال أمريكا سيحتلون مومبي ونيودلهي أيضا. نحن بانتظار ظهور الدواعش بين  الإيغور في الصين ليهددوا باحتلال بكين وشنغهاي. وترقبوا ظهور داعش في جنوب أفريقيا والتهديد باحتلال جوهانسبرغ، وترقبوا ظهور داعش في البرازيل والتهديد باحتلالها برمتها. وداعش تهدد طبعا، ومن باب ذر الرماد في العيون، باحتلال لندن، وباريس، وبرلين، وواشنطن، ونيويورك! ألم يقل زعيم داعش عند إطلاق سراحه من السجن الأمريكي في بغداد (see you in New York)؟ داعش قوة عالمية لم يخلق مثلها في البلاد.

    السياسة الأمريكية لم تقم في يوم من الأيام على أسس أخلاقية أو إنسانية، لكنها الآن وصلت إلى مستوى غير مسبوق في انعدام الخجل وفقدان احترام النفس. إنها تظهر اليوم متخفية وراء قناع داعش وبوكو حرام. الأمريكيون يظنون أنهم يضحكون على العالم بمثل هذه المسرحيات الهزيلة، لكنهم في الحقيقة لا يضحكون إلا على أنفسهم وعلى أمثالهم من الأغبياء. العالم كله يعرف أن داعش وأخواتها ذرية أمريكية خالصة أبا وأما.
    لا بد من محاربة داعش والقضاء عليها، وإنما ليس بالتحالف مع أمريكا لأن أمريكا هي داعش وداعش هي أمريكا، بل تكون محاربة داعش بإقامة تحالف القوى الإنسانية التقدمية في العالم التي ترفض الهيمنة الأمريكية تماما مثلما ترفض إرهاب داعش وهمجيتها وقطع الغيار الوهابية السعودية فيها. والأمريكيون يجب أن يستفيقوا من غفلتهم فالعالم لم يعد يصدق بهم، وهذه الأساليب الهزيلة في الابتزاز ستكون لها عواقب لن تكون أمريكا نفسها في منجى منها.

  • في بيتنا خليفة .. وفي دستورنا سقيفة

    لايصيبني بالسقم الا سماع الكلام الذي يسقط فوق تلال الكلام وتتكسر فيه أنصال الحروف على أنصال الحروف دون أن تصل الى القلب كما تكسرت نصال السهام على نصال السهام التي أثخنت قلب المتنبي الذي صار في غشاء من نبال الأيام .. فيزيد تكسر الكلام على الكلام من تعبي ومن وجعي ومن غضبي .. لأن تلال الكلام الذي لايضيء ولايشع ولايتوهج لاتشبه الا أكواما من السماد العضوي في الزرائب .. فما نفع الكلام اذا لم يتحول مع الزمن الى مادة مشعة تتألق كاليورانيوم في العقل وتشعل مفاعلاته وتشطر نوى الأفكار والخواطر لتطلق انفجارات النظريات والمشاريع الانسانية الكبرى .. الكلام الذي لا يشع مثل اليورانيوم ولايشطر الموروث ليطلق التفاعلات النووية لايستعمل الا سمادا .. تسمّد فيه عقول الثوار .. 

    خلال قرن من الزمن قلنا كلاما كثيرا عن أحلامنا .. وكنا نعتقد أننا نخصب اليورانيوم المدفون في العقول لكننا اكتشفنا أن غيرنا سبقنا وملأها بفضلات الزرائب وأفرغ العقول من الكلام المشع .. لأن ماظهر بيننا بعد قرن كامل من الكلام عن الحرية وعن الوحدة وعن العدو وعن الحلم .. هو الخليفة .. وجنود الخليفة .. وروث الخليفة .. فهل يقطف الكرّام الكرمة اذا زرع الأفيون؟ وهل تجنى الحكمة والموعظة والفلسفة من بيادر زرعت حقولها بالعواء والهواء والرياء؟  

    اليوم يفاجأ الناس بالخليفة يظهر من كهفه القديم وهو ينفض غبار الصحراء عن عمامته وعباءته وشاربيه ولحيته وينفث الرمال من منخريه ورئتيه ..  البعض يقول بأنه وصل على ناقة محمد بن عبد الوهاب التي هبطت علينا من الفضاء مثل المخلوقات الغريبة التي طفت على بقع الزيت الأسود .. والبعض يقول بأنه وصل مع طلائع الدبابات الامريكية التي دخلت بغداد والتي مدت جسرا من الخلفاء من تورا بورا الى الأنبار .. فيما يقول آخرون بأن الخليفة تسلل متخفيا في عباءة سلاطين بني عثمان

    الجدد وفي طرابيشهم .. ولكن اين المفاجأة في ظهوره؟ وهل كان ظهوره بلا مقدمات؟

    ان من يبحث عن الخليفة في الأنبار والموصل والرقة لن يجده .. فالخليفة يلعب معنا لعبة الغميضة حيث يختبئ في مكان يمر به كل الناس وفي كل الشوارع ولكن لايراه أحد وربما لايريد أحد ان يعترف أنه يراه .. الخليفة يدخل الى بيوتنا وغرف نومنا ومطابخنا .. ويشاركنا في أراكيلنا وفي أكواب الشاي ويلعب معنا الورق كل مساء .. وفي الصباح نتقاتل مع جنوده وظلاله ..       

    الى من فوجئ بالخليفة يصلي في الموصل فانني أعتذر ان قلت له بأن الخليفة صار في بيوتنا منذ أن وصل الينا كارل ماركس على ظهر ناقة عربية .. فالناقة العربية حملت شيوعيينا وبركت أمام الخليفة .. ولولا ذلك لما تحول الشيوعيون العرب الى أتباع للخليفة العثماني في الثورات العربية في ومضة عين ولما حلت المراجع الفقهية للطوائف محل ديالكتيك هيغل .. الشيوعيون العرب بايعو الخليفة العثماني بالأمس .. وفي يوم آخر أدوا البيعة للخليفة البغدادي ..

    والخليفة صار في بيوتنا منذ أن رضي البعث والقوميون العرب أن يسكنوا في خيمة سايكس بيكو قرنا كاملا دون أن يهدموا عمودها ويجتثوا أوتادها .. ومن يسكن في خيمة سايكس بيكو قرنا كاملا لن يخرج منها الا الى خيمة الخليفة بعد أن "تسيكس" الوعي و"تبيكن" الحلم ..

    والى من يحارب جنود الخليفة في الموصل وفي عرسال والرقة ويريد أن يسقطه عن سنام جمله في ديار محمد بن عبد الوهاب فأخشى ان أقول له بأن للخليفة رأسا مثل رأس الهيدرا كلما قطعته خرج من جسده رأسان .. ومن أراد هزيمة الهيدرا فعليه أن يقطع جذورها وشروشها .. ومن يريد أن يحاصر الخليفة في الموصل فأعتذر ان قلت له بأن حصار الخليفة لن يكون الا في الدساتير التي كتبها لنا أحفاد ريتشارد قلب الأسد حيث أخفاه الأعداء .. فصار الخليفة يحاصرنا من دستورنا .. ولم يعد يأكل التمر ويشرب اللبن من ضروع الابل .. بل يشرب لبنه من ضروع الدساتير ..

    كيف سيخرج الخليفة من أرضنا ونحن نفرش له الدساتير والأعراف السياسية في الشرق وفي الغرب؟ ولماذا نلوم فضائيات ابي جهل وجرائده ونلوم وعاظ السلاطين وفقهاء الدم؟ .. فماالذي فعله الخليفة سوى أنه جاء الى ارض دستورها داعشي؟؟ ..

    ففي لبنان عرف سياسي داعشي وضعه الفرنسيون وينص هذا العرف صراحة على أن كل طائفة تجلس على قطعة من الدستور ولاتتزحزح .. طائفة في كرسي الرئاسة .. وطائفة في كرسي البرلمان .. وطائفة في كرسي رئاسة الوزارة .. ولاتسمح طائفة لأي مواطن من طائفة أخرى أن تطأ أرضها وقطعتها من الدستور .. كما تريد داعش الآن في فتاواها .. وصار الحديث عن الطوائف جزءا من الحديث عن الدستور المقدس .. وكلما تغيرت موازين الطوائف وأثقالها الدستورية حدث تفاعل كيماوي رهيب بين مكونات الدستور والعرف سميناه الحرب الأهلية .. تنتهي بطائف للطوائف ودستور داعشي .. والحرب الاهلية في الشرق كانت دوما لاعادة أو كسر توازن طائفي وليس من باب الصراعات الحزبية كما في الحرب الاهلية الاسبانية .. 

    وفي العراق جاء الأميريكيون واجتثوا البعث وزرعوا مكانه بالقوة عن سابق تصور وتصميم خبيث عرفا سياسيا يقضي بتقطيع جسد الدستور العراقي على الطوائف مثل قسائم الحصص التموينية .. وهناك في بغداد زرع الخليفة عصاه بين خطوط العرف الجديد الذي يعطي ماللشيعة للشيعة وما للسنة للسنة .. فتطاولت ثقافة الطوائف وترسخت حدودها .. وأخطر مافيها أنها صارت جزءا من اللغة اليومية .. فقد كنت منذ أيام أستمع لنائبة في البرلمان العراقي كانت تتحدث بوطنية فائقة عن العراق ولكن كل كلامها كان عن المكون السني العراقي كمكون أصيل وطني عراقي .. وبين كل عبارتين كانت هناك فاصلة عن المكون السني الأصيل والذي يحس بالمظلومية .. وقبلها تحدث نائب عراقي أكثر وطنية عن الوطن العراقي الشامل وعن المكون الشيعي الأصيل الذي عانى من المظلومية .. وبين المكونين الشيعي والسني وضع الخليفة عرشه .. لأن داعش انبثقت من بين مفاصل الدستور العراقي ومكوناته وأعرافه السياسية الوليدة في توزيع الوطن على الطوائف .. وهذا الكلام عن مكونات مذهبية لوطن هو بالضبط مااسميه بالكلام الذي لايشع ولايمكن أن يكون يورانيوم الأمة والجيل القادم بل فضلات هذه الزريبة العربية التي يتكوم كلامها عن الطوائف في الدساتير السياسية والحزبية كما يتكوم الروث في الزرائب ..

    داعش هي حالة انعكاس لاستسلام القوى العلمانية والوطنية واستهتارها بالمبدأ الوطني والعقد الاجتماعي الذي يربط قوى المجتمع بروابط مدنية وانسانية ووطنية لتحل محلها الروابط الدينية والمذهبية .. فتفككت الروابط الاجتماعية القديمة التي عاشت منذ حمورابي وقويت على حسابها الروابط الدينية والمذهبية .. ولكن الحقيقة هي أن تثبيت "الداعشية السياسية" سيكون حقيقة ناجزة مقدسة كما صارت الطائفية السياسية في لبنان شيئا واقعا ومقدسا مالم يتم مواجهتها بشجاعة .. لأن مايسمى في لبنان طائفية سياسية هو "داعشية سياسية" دون نقصان .. لأن داعش استيقطت في لبنان أثناء الحرب الأهلية في كل الطوائف ..فقطعت الطوائف ما طاب لها من رؤوس خصومها وخطفت الناس وفقد الآلاف ولم يعودوا حتى اليوم .. ولكن لم يكن هناك يوتيوب ومواقع تواصل اجتماعي أثناء الحرب الأهلية اللبنانية لتبث دواعش ذلك الزمان انجازات وشعارات الموت والذبح .. بل ان سمير جعجع نفسه كان أحد أمراء الحرب المشهورين يقف على الحواجز اللبنانية ويقتل طوائف الخصوم كما يفعل أمراء داعش في العراق وسورية دون أدنى فرق .. وعندما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا وصفها شارون بأنها مجزرة قام بها مسيحيون عرب ضد مسلمين عرب .. في محاولة منه للهروب من مسؤوليته في رعاية دواعش لبنان في القوات اللبنانية آنذاك والذين كان يشرف عليهم ويغطي تمردهم كما يشرف نتنياهو الآن والمخابرات الغربية على دواعش هذا الزمن من الاسلاميين ليقول نتنياهو لنا: "ان اليوم هو مرآة الأمس لكنه معكوس .. لأن داعش هم مسلمون عرب يقتلون مسيحيين عربا .. وداعش أيضا هم عرب سنة يقتلون عربا شيعة .. ونحن لادخل لنا في هذا القتل" .. 

    نحن مع ظاهرة داعش أمام تجربة تحاكي تماما تجربتنا مع سايكس -بيكو التي كنا نلقي عليها أطنان الكلام والشتائم ولكن في النهاية بقيت خطوط التقسيم وبقيت سايكس بيكو وبقيت تلال الكلام الذي جمعناه وأنتجناه في قرن كامل والذي لم يتحول الى يورانيوم في عقول الناس ليشع لهبا ويذيب فولاذ الخطوط ..

    لاأزال أتوقف أمام خارطة سايكس بيكو التي قهرت عدة أجيال وعدة أحزاب وعدة شعوب ولم يقدر أحد أن يزحزح خطا واحدا فيها ولاأن يعدل الخطوط الحمراء والزرقاء والسمراء وصار الكلام بلا معنى ونصال الكلام عن تلك الخطوط تكسرت على نصال الكلام ..

    قرن كامل على خطوط سايكس بيكو وهي جاثمة لاتتحرك كأننا ندفع بايدينا العارية جسد أبي الهول ولانزال لانعرف سبب رسوخ الخطوط وسطوتها وسر تلك التعويذة المقدسة التي كتبها سايكس وبيكو على ورقة .. كأنها تعويذة مقدسة لاتقدر حتى الزلازل على تجاوز خطوطها ..

    لكن اليوم بدأنا نعرف سر التعويذة وسبب اندحار غزواتنا على سايكس وبيكو وسبب عدم تخصيب يورانيوم الكلام في العقول .. وقد جاءت داعش بالسر وربما بالدواء .. فـ"سايكس وبيكو" لم يجلسا على الحدود يراقبان العابرين وينصبان نقاط التفتيش ومقرات الهجرة والجوازات .. بل جلس هذان الخبيثان في الدستور في أول مادة ترسم الحدود النهائية لكل بلد في سورية ولبنان والعراق والاردن وانضمت فلسطين باختراع القرار الفلسطيني المستقل كنظير للمادة الأولى من دساتير بلاد الشام والعراق التي وقفت خلف قضبان سجن سايكس بيكو .. وصار احترام الحدود مدخلا لاحترام الدستور المقدس واحترام الدستور مدخلا الى الهوية الجديدة والانفصال النفسي .. فلبنان دولة مستقلة .. وسورية دولة مستقلة والأردن والعراق وفلسطين .. وأول بنود الدستور في هذه البلدان هو تقديس استقلال هذه الكيانات المستقلة ..

    خرجت جيوش سايكس وبيكو من الجغرافيا ولكن الرجلين دخلا قلعة الدساتير الوطنية وأقفلا الباب الحديدي خلفهما .. وعبثا يبحث الناس عن مفاتيح الحدود وعن ديناميت ينسف الجدران أو سلالم تتسلقها .. وكانت أنصال الكلام تتكسر على أنصال الكلام عن الوحدة وعن الحدود المصطنعة وعن وحدة المصير وكسر ارادة الاستعمار .. ولكن لم يجرؤ أحد على دخول الدستور الوطني وكتابة المادة الأولى فيه أن بلاد الشام والعراق دولة واحدة .. بل كان أعز طلب لدى ثوار "الحئيأة" اللبنانيين هو ايجاد سفارة لسورية في لبنان .. كنوع اضافي من تكريس تعويذة سايكس بيكو .. 

    وفي لبنان عاشت داعش عقودا ستة في الطائفية السياسية والتي هي سايكس بيكو دينية .. وكأنها كانت تنتظر الخليفة وزمن الخليفة .. فكيف لايظهر خليفة في بلد دستوره مفصل على مقاس الخليفة .. رعاياه مواطنون لاينتمون الى وطن بل سنة وشيعة ودروز وموارنة .. كل يبحث عن خليفة؟؟ في الحرب الاهلية اللبنانية كان الخلاف الظاهر على شعارات وطنية ولكن الجيوش والميليشيات التي تقاتلت كانت أجل أن توسع كل قبيلة قطعتها من الدستور الذي تجلس عليه .. والدليل هو أن كل طائفة كان لها حزبها الذي يرتدي اسما براقا من الحرية والتقدمية والاشتراكية والأمل .. وأستثني من هذه المعمعة حزبين أو ثلاثة .. 

    داعشية الحياة السياسة في لبنان والعراق التي تحاصرنا في سورية والاصرار على بقاء الطائفية السياسية في هذين البلدين سيعني أن عقيدة داعش السياسية ستحكم المنطقة وان اختفت كظاهرة عسكرية كما يتوقع لها لتنفجر بين فينة وأخرى .. لأن عقيدتها ستبقى في دستور بول بريمر ودستور استقلال لبنان ..

    في سورية سيهزم المشروع الاسلامي لعقيدة داعش كما هزم الاسلام السياسي .. وبقيت ثمالة ستبقى بسببها رائحة داعش في حياة السوريين وتكمن في المادة الثالثة للدستور التي تقضي بأن يكون دين رئيس البلاد هو الاسلام .. وأذكر اننا قبلنا بتلك المادة على مضض لضرورات المرحلة على أن يتم اخضاعها للنقاش والتعديل في مرحلة لاحقة بعد نهاية الأزمة .. فهي الآن آخر بقايا داعش في سورية ..

    ويجب الاستفادة من حقيقة أن سورية هي التي دحرت مشروع الاسلام السياسي وبصمودها بدأت مصر بالانقضاض عليه .. ولاشك ان تركيا لايمكن ان يستمر فيها الاسلام السياسي اذا تم عزله عن الجنوب وهو يناطح أسوار سورية والعراق ومصر .. لذلك على سورية أن تبدأ باقتلاع مابقي من الداعشية السياسية في المنطقة .. والغاء هذه المادة من دستورها في قادمات الايام .. فالغاء هذه المادة هو الذي سيشكل ردا على ثقافة داعش وتأسيسا لمرحلة حقيقية من مواجهة سايكس بيكو الديني والجغرافي ويشكل دعوة حقيقية لوقف نزيف المسيحيين المشرقيين الى المهاجر .. لأن داعش تريد استئصالهم واستئصال الأقليات جميعها بالساطور .. ولكنها تستأصلهم مع غيرهم بالدستور أيضا .. واذا انتهت الداعشية السياسية بخطوة شجاعة في سورية (التي ستهزم الداعشية العسكرية كما صار حتميا) وتثبت الدين لله والوطن للجميع فان ذلك قد يساعد في اطلاق موجة نحو العراق ولبنان والمنطقة لأن لهذه القضايا تأثير الدومينو .. تسقط فيها الطائفية السياسية .. وتسقط معها الداعشية السياسية تدريجيا .. والا أعدنا درس سايكس بيكو المؤلم ..      

    في زمن ماض كنت أحلم يوما بحزب البعث الحجازي .. وبفرع للحزب الناصري في نجد .. وأحلم بحزب اشتراكي في الامارات أو قطر .. واذ بي أفيق من أحلامي لأجد أن الناصرية هزمت في مصر .. والبعث انتهى في العراق .. وأن سورية تمكنت من الافلات من مصير رهيب بثمن كبير واننا دخلنا في بعث داعش .. ووهابية الشيوعيين .. وأن الصراع الدائر بين الرمل والنهر لايسير في مصلحة النهر .. فلقد غلب الرمل مياه النهر .. ولاندري كيف وصل الرمل الى مياه النيل بدل أن يصل النيل الى الربع الخالي ويرويه .. ولاندري كيف ارتفعت كثبان الرمل وابتلعت دجلة والفرات .. وكبف تجرأ الرمل على بردى ..

    لكن الحقيقة هي أننا وجدنا أن في بيتنا خليفة .. وفي دستورنا سقيفة .. 

    أنا لم أقتل خليفة يوما .. ولكني سأدعو الى قتل دستور الخليفة ..

    وانا لم أهدم سقيفة .. ولكني أدعوكم لتشاركوني في هدم السقيفة التي يجلس في ظلها الخليفة ..

    فهل تشاركونني في هدم السقيفة على رأس الخليفة؟؟

  • مواجهات المصير...والسقوط في الخندق المعادي

    لعل المتابع المتبصر لما يجري من أحداث مركّزة مكثّفة متلاحقة بشكل غير مسبوق في قلب العالم العربي ودوله الكبرى المؤثرة (في بلاد الشام وبلاد الرافدين و مصر وليبيا و اليمن وغيرها) يكاد يعانده استقراء المنطق السليم ,ولايصدق تدفق شلال هذه الأحداث الرهيبة العبثي و سيجدُ حتماً صعوبةً كبيرة في استيعابِ مفاعيلها وتأثيراتها على الواقع الجغرافي والسياسي.

    إن الأحداثَ المتوالية التي انقدحت في منطقتنا وراحت تحرق بنيرانها المشتعلة الجميع وتهدد بتغيرات وجودية و كيانية مذهلة تقع بعد سنوات طويلة من نشر مشاريع ومخططات أطلقتها أصوات وأقلام في مراكز بحثية غربية لمستقبل شعوب المنطقة العربية وشكل بلدانها الجديد,لكنها بدت لكل العقول العربية "الكبرى" وقتذاك نوعاً من الأحجيات والطلاسم,صعبة الفهم و التصديق والاستيعاب لدرجة أنها لم تكن قادرة على تفكيكها وإعداد خطط المواجهة المصيرية لها عندما تحين سنوات الحسم.

    فلم يُقابل نشرُ خرائط المنطقة الجديدة وإطلاقُ تعابير ومصطلحات وافدة من مثل "الفوضى الخلاقة" أو مشروع "الشرق الأوسط الجديد" إلا بنوعٍ من ثقافة نخبوية ضيقة تشبه إرهاصات توجسات غير ناضجة أو مُدركة وكأنها صنفٌ من الترف الفكري تناولَتها بعضُ النخب دون أن تكون قادرةً على إيصالها لوعي الجماهير,والعمل على خلق بيئات ممانعة لها، قادرة على تحطيمها وإسقاطها في أوقات المواجهة المصيرية، قوبلت هذه الأصوات القليلة التي تحدثت بخطر هذه المشاريع والخطط المشبوهة بهدير ثقافة وجوقة مثقفين "نفطيين" أن هذا كله ليس إلاّ ولعٌ وإيغالٌ في ترويج فكر المؤامرة, وسيطرةٌ له على العقول العربية التي ابتليت بلغة خشبية قديمة لم تغيرها. وبات على الإنسان العربي أن يعطل عقله وأن يتناسى تاريخه القريب والبعيد, وأن ينشط كل غرائزه ليصبح متلقياً "صالحاً" سهل المنال لسيل لاينتهي من الكذب والتضليل .

    هذا الفكر النفطي المُستأجر هو ذاته من فرش الطريق لهذه الخطط والمشاريع المدمرة وكان مفكروه أنفسهم من استخدم السيناريو المعدُّ سلفاً لها,وانطلقت بواكير التصنيفات الطائفية والمذهبية, فأصبح عندهم الردُّ على "الفوضى الخلاقة" إعلانَ وجود "هلال شيعي" في المنطقة من قبل ملك الأردن ،المعلومة العبقرية الفهلوية التي تغطّست بعوائدِ النفط مراتٍ كثيرةً و لاكتها ألسنةُ طائفية مأجورة بدون كلل أو ملل، وبات الرد على  مشروع "شرق أوسط كبير" ومخاضه أثناء حرب تموز 2006 نوعاً من الانخراط مع العدو الصهيوني بالتآمر العلني وما استتبع ذلك من فضائح تزكم الأنوف بحيث يُعهد بمال عربي بترودولاري لتشكيل مجموعات إسلامية متطرفة لغرض طائفي من أجل قصِّ أجنحة المقاومة وسحق مقدراتها البشرية واللوجستية وضرب البنى الأساسية التي تستند إليها ,كما تم العمل الحثيث على تشويه السمعة و شيطنة كل من يحارب الكيان الصهيوني المحتل أو يحمل هذه الثقافة.وهنا يمكن قراءة الواقع الحالي وتأثيراته الكارثية المتلاحقة في أوراق ووثائق الماضي القريب [تقرير سيمور هيرش 2007عن تشكيل المجموعات المتطرفة في لبنان وطرق تغذيتها لوضعها وجهاً لوجه أمام المقاومة] وعبر التقارير والبيانات الصادرة عن الإدارات الأمريكية و مسؤوليها تكشف ما حدث ويحدث في المنطقة[خطة بوش والمحافظين الجدد في أمريكا في إسقاط سبع دول في المنطقة ابتدءاً من العراق فسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن.. حسب ما صرّحَ به كبار رجال المخابرات الأمريكيون عبر ما دعي نظرية " تساقط قطع الدومينو"].

     تم خلال ذلك صرف مبالغ نقدية كبيرة لتشويه المقاومة ولشراء ذممٍ للنشر والتعميم والترويج وللتورية والكذب والتضليل بدأت بها الإدارة الأمريكية مباشرة بعد حرب تموز 2006 ,مضافاً إليها الدعم السخي الذي حظيت به المعارضة السورية الخارجية ومجموعات "المجتمع المدني وتشجيع الديمقراطية" في أقطار عربية كثيرة من قبل الإدارة ذاتها.

    هاهم العرب مرة أخرى يستعدون لتشكيل جوقة مساندة جديدة,تقرع طبول الحرب وتندفع في الصفوف الأمامية لجحافل المعارك العالمية الكبرى للقضاء على خطر الإرهاب "الإسلامي " ,البعض يفعل ذلك مضطراً وبعضهم يفعل ذلك مختاراً,وبعضهم يفعله خاضعاً لأجهزة تحكم وسيطرة خارجية.

    يستعاد السيناريو القديم في ضرب الخطر الأحمر "الشيوعي" بذات أدواته وبيادقه وبذات الطريقة والأسلوب يتم تشكيل الجبهات المتقاتلة لدفن الصفحات القديمة وتشكيل المصطلحات المواكبة لسيناريو إنهاك المنطقة الجديد.لايمكن تفتيت الأمة وإضعافها بطريقة أسهل من ذلك,معارك طائفية ومذهبية وعرقية متنوعة.

    و لكيلا لايتوه المرء في خضم دخان الحروب المشتعلة والسيولات الجغرافية المذهلة التي تجتاح المنطقة أو يفقد بوصلته ضمن تداعي الأحداث السياسية وتناقضاتها وتبدلها,وبسبب تقارب الجبهات المتقاتلة وتغير بعض التحالفات والإفلاس الذي تشعر به بعض الحكومات المرتبطة بالخارج وبسبب تبدل الخنادق السريع في هذه المواجهات, فقد تجد نفسك في خندق عدو أزليّ لك,تطلب مساعدته من خلف متراسك,بحيث أصبح هذا الخيار متاحاً في المنطقة,وصار الأمريكي بفكره التقليدي المتغطرس وذيوله واستطالاته موجوداً في ساحات مشتعلة كثيرة من العالم العربي يُطلب منه المساعدة كمخلِّصٍ في الحرب على الإرهاب,الأمرالذي لايبدو حلاً مثالياً أو مقبولاً لمشاكل الشعوب العربية.

    لذا يجب أن لاتضِلَ مراكبنا في هذه الأنواء القاسية والطقوس المظلمة,ويجب أن تتجه بوصلتنا نحو جنوب مغناطيسي لانخطأه عند هبوب العواصف المفاجئة.

    يجب أن يستبقى مجالُ واسعٌ لرأيٍ مختلفٍ مغاير يرفض رهنَ قسمٍ كبيرٍ من عرب المنطقة "السنّة" والتعامل معهم ككتلة صلبة واحدة متطرفة دينياً, تشكل بيئةً حاضنةً لهذه الفكر الديني ويصبح معها المقامرة بهم في حرب مذهبية مُفصّلةٍ أصلاً للمنطقة في دوائر الغرب المعادي أمراً لا يسترعي حفيظة أحد.

      إن جموع التيار البشري الواسع المُعبِّر عن المناطق الواقعة في شمال وشرقي سورية وغربي العراق والمأسور حالياً بطبقة متطرفة طافية على سطح التحولات الجديدة,لايمكن معاملته كقيمةٍ مضافة غير مؤثرة حسابياً في مشهد المواجهة الأخير ونتائج الحرب الكارثية أو اعتباره ضحية مقبولة لقصفٍ أمريكي أو لتمترس أفواجِ من المتطرفين بينهم.

     إن تفكيك الفكر المتطرف الحالي الذي يغطي الصورة الكاملة في كل العالم العربي وعزله فكرياً و موضوعياً في بيئته, والعمل على إحياء وتنمية فكر معتدل يعبر حقيقةً عن المطالب الوطنية العقلانية المرتبطة بالمصالح الشعبية السنيّة يعدُّ باكورةَ الطريق نحو حلٍ موضوعيٍ تجترحه شعوب المنطقة وقياداتها الواعية.ويلزم ذلك افتكاك القسم الكبير من المواطنين الواقعين تحت سطوة التطرف والإرهاب في المناطق المشتعلة بكل تصنيفاتهم الطائفية,خاصةَ أولئك السنّةُ الذين شكلوا على الدوام أديم العروبة في المنطقة ومتنها,ويجب عدم تركهم رهينةً مُكرهةً مأسورةً تدور باسمها زوراً أوار الحرب المذهبية المدمِّرة.

     إن انخراط حلف المقاومة الكامل ودخوله في حرب مذهبية طائفية في المنطقة يفرض إسقاطاً موضوعياً لكل طاقات الأمة العربية وشعوبها في السيناريو المعادي الذي طالما حذرنا منه,وبذلك ينجرُّ الجميع لحربٍ عبثية يقودها الحمقى والأغبياء والطائفيون وسيسقط فيها مئات الألوف وربما الملايين من الأبرياء بدون طائل أو فائدة,وقد تفاجئك ظروف الواقع الميداني للحروب المصيرية فتسقط في خندق العدو وتصبح معه في جبهته كتفاً لكتف وتبدأ بالتصفيق لعدوك القديم [أمريكا وتوابعها] وهو يقتل ابن بلدك في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها في صور متلاحقة لقُصُوفاتٍ(ج قصف) جوية تشبه ألعاب الفيديو والرسوم المتحركة,تحتاج كل صورة وموقعة منها عشرات التحقيقات لكشف مصداقيتها وبراءة أو إجرام الضحايا فيها.

    لذا يجب عدم الانجرار وراء الأحداث الجارية بمنطق الغرائز الطائفية والأحقاد المشتعلة والرؤوس الساخنة,والبحث السريع عن حلول إبداعية إصلاحية تعيد تحكيم العقل إلى هذه الساحات المليئة  بالجنون المذهبي والتطرف الطائفي,والعمل على استعادة كل طاقات ومقدرات الأمة العربية والإسلامية,ونفضِ هذا الغبار الطائفي عن ضميرها الراسخ المتجذر,و مواجهة مؤامرة مشاريع الخرائط الجديدة بخطط توحيد وتشارك لكل الإرادات الواعية والمقاومة في المنطقة بعيداً عن اجترارالسيناريو الأمريكي ومصطلحاته ذاتها.

    حوادث و حقائق :

    - صدور القرار 2170 من مجلس الأمن بمكافحة التنظيمات الإرهابية تحت الفصل السابع 

    - الطيران الأمريكي يقصف في العراق واليمن وليبيا

    - أوباما يعلن: سنستمر في الطلعات الجوية فوق العراق و"الدولة الإسلامية" سرطان في المنطقة لايمكنه أن يعيش فيها.

    - العراق يتسلم 15 مليون قطعة سلاح

    - الطيران السوري يقصف معاقل المتشددين في الرقة

    - أمريكا تعلن فشل عمليات استخبارتية في سورية لتحرير أسرى ورهائن أمريكيين لدى "الدولة الإسلامية"

    - سقوط مئات الضحايا كلَّ يوم في العراق وسوريا وبقية الدول العربية

    د.عبدالمعين زريق

    حلب

    16-8-2014

    المقالة منشورة في جريدة الأخبار

  •  ما بين 11/9/2001 و 11/9/2014 فيلم أميركي طويل

    فيلم أميركي طويل الحديث هنا ليس عن مسرحية المبدع زياد الرحباني التي قدمها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية و حاول من خلالها تسليط... الضوء على ظروف الحرب و المجتمع اللبناني بطريقة كاريكتورية ناقدة..الحديث اليوم عن فيلم أميركي ممتد منذ ثلاثة عشر عاماً إلى يومنا هذا فيلم أمريكي خالص مدوّن بسبك متين و ممتلئ بعنصري الإثارة و التشويق اللذين عودتنا عليهما مشاهد هوليود بكامل بهرجتها و تقنيتها العالية
      الفيلم افتتح أول مشاهده بمشهد هيتشكوكي في 11/9/2001 مشهد تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك وهو مشهد أصبح مقياساً كريختر في تحديد الزلازل إلا انه مقياس يمثل رؤية ساسة و مفكري و صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية لطريقة الغزو الجديد للعالم بشكل عام و للشرق الأوسط على وجه التحديد فبعد هذه الحادثة و تبني القاعدة و زعيمها أنذاك "اسامة بن لادن" لها بكت امريكا ضحايا التفجيرين و بدأت حملة الإنتقام لدمائهم "الزكية!!" عبر رفع شعار "محاربة الإرهاب في كل العالم" و صارت أي دولة تقف في وجه أمريكا هي بالضرورة واقفة في وجه هذا المشروع أي أنها تدعم الإرهاب و يستوجب على أمريكا و كل حلفائها إعلان الحرب عليها و تغيير أنظمتها و خلق أنظمة جديدة مواليه لها تلبس ثوب الحرية و الإعتدال!!
    ثم انتقل المخرج العبقري الأميركي لتصوير ثاني مشاهد فيلمه لكن هذه المرة تغير موقع التصوير فبدل أن يكون التصوير داخلي ليلي أصبخ خارجي نهاري على أرض الأفغان المعقل الرئيس للقاعدة و بدأ منها جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ شعاره بمحاربة الإرهاب و أرسل قواته رفقة حلفائه إلى أفغانستان لمحاربة القاعدة و لم يكتف بذلك بل كانت أفغانستان حجر الدومينو الأول الذي سينتقل عبره إلى تدمير المشرق و إضعاف و إزالة كل مشروع مقاوم لإسرائيل و كان البوابة هي خدعة الأسلحة المحرمة دولياً في العراق حيث اتهمت الإدارة الأمريكية نظام صدام حسين بحيازته هذه الأسلحة و انها تملك الدلائل التي قدمها كولن باول في جلسة الأمم المتحدة لإقناعهم بوجوب تنفيذ ضربة لنظام البعث العراقي لتجريده من هذه الأسلحة و معاقبته على ديكتاتوريته بحق شعبه و دعمه للإرهاب ثم بعد ان سقط النظام بدات تظهر التحليلات التي أثبتت عدم صدق هذه الدلائل و أنها ملفقة
      وسقطت بغداد في تاريخ 20/3/2003 بعد أن هرب رئيسها و تخلى عنها جيشها الجيش العراقي الذي كان يعد من أقوى الجيوش العربية و الإقليمية و دخلت أميركا و حلفاؤها إلى العراق لنشر الديمقراطية و الأمان(!!) لكن الهدف لم يتحقق فبدلاً عن ديمقراطية العم سام تحولت العراق إلى دولة مفككة بلا جيش ولا نظام قوي يسيطر على مفاصل الدولة و يحميها و بدل الأمان الموعود انتشرت الميليشيات الطائفية و تكرست القاعدة في العراق أكثر فأكثر ثم بعد أن انتهت ورقة العراق و نفدت حقولها من النفط أو كادت انسحب منها الأميركي تاركاً خلفه شبه دولة يسكنها شعب يعاني ما يعانيه من أمراض سياسية و اجتماعية و اقتصادية
      ترك العراق لكن قبل انسحابه منه كرر مشهد افغانستان و العراق بكلاكيت مكرر لكن هذه المرة بطريقة مختلفة طريقة لا تكلفه أي جندي او دولار واحد احتلال تحت اسم نشر الديمقراطية "الربيع العربي" فاستغل الأمريكي عطش الشعوب العربية للديمقراطية و تململها من حكامها الذين مارسوا عليها أقسى انواع الإضطهاد فقاموا بدعم كل دولة يصل إليها الربيع العربي دعماً غريب الشكل و الاسلوب يهدف إلى التقسيم و التشرذم دعم يهدف إلى إيصال الإسلام السياسي الذي تبنوا شعار محاربته في افغانستان و العراق و أيدوه في تونس و مصر و ليبيا بعد أن شكلوا حلفاً دولياً لضربها و تم بالفعل الحلف و انطلقت الطائرة الأميركية و طائرات الناتو فوق سماء طرابلس الغرب تسرح و تمرح لتنهي حكم القذافي و تترك ليبيا لرياح الإقتتال القبلي و السلفي
      و ليكتمل فيلم "ضرب الإرهاب" في العلن و "تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة عبر حماية إسرائيل" في السر كان لابد من ضرب أهم الدول المقاومة للمشروع الصهيوأمريكي و الداعمه لحركات المقاومة في لبنان و فلسطين و العراق ألا وهي سورية و جيشها فانطلقت أزمة سورية لتجتاح العالم و تقسمه عامودياً بين مؤيد لإسقاط النظام السوري و معارض له و قد تزايد عدد الممثلين في هذا المشهد الأخير حيث لم يقتصر على السلاح الأميركي و الناتوي كما في (أفغانستان و العراق و ليبيا) ولا على أبناء الشعب المقهورين كما في (مصر و تونس) بل تحولت سورية لأرض الجهاد الأولى لكل التيارات الظلامية و الوهابية و أصبحت قضية اممية فلم يبق دولة لم تتدخل في الحرب السورية كما استقطبت الحرب حزب الله إلى ساحاتها فجاء الحزب تحت مسمى حماية ظهره و سنده و غررت بحماس أيضاً لتحييده عن هدفها في المقاومة ما سبب تبدلاً في جماهيريتهما في الوطن العربي بين مؤيد و معارض بشده علاوه على تحول سورية لمادة دسمة لجميع وكالات الأنباء العالمية فأبتداءً بأخبار التظاهرات إلى الإنشقاقات إلى أخبار ميليشيا الجيش الحر انتقالاً للنصرة فداعش ختاماً بصور التفجيرات و ضحايا القتل الطائفي و مشاهد الذبح عدا عن ترسيخ سورية كوجبة رئيسية على موائد التفاوض بين الدول الكبرى روسيا و أميركا و تحول سورية لجسر عودة روسيا و حلفائها من دول البريكس إلى الواجهة الدولية و تحول إيران لمحج أوربا بسبب سورية بعد فترة الحصار و المقاطعة الطويلة لها
      و تعددت سناريوهات هذا المشهد الختامي بين حكومات حره في المهجر و إئتلافات لنصرة الشعب السوري و أحلام في مناطق عازلة تصبح منطلقاً للميليشيات التي تقاتل الجيش الوطني السوري مروراً بالضربة الأميركية التي كانت تحضر لها لضرب النظام القائم في صيف العام الماضي مدعومة من المال الخليجي و الحليف التركي و التي انتهت بصفقة الكيميائي التي قررت الحكومة السورية من خلالها تجنيب سورية و شعبها حرباً كانت واقعه لا محالة عبر دخولها في منظمة حظر السلاح الكيميائي و تسليمها مخزونها منه بالكامل..
    و بعد هذا كله و بعد ثلاثة عشر عاماً من التأليف و السناريوهات و الإخراج وصل الأميركي و حلفاؤه إلى الدقائق الأخيرة من فيلمهم دقائق ستكون مليئة بالدماء و التطورات النارية حيث أعلن الرئيس الأمريكي أوباما عشية ذكرى تفجيرات أيلول في خطابه للشعب الأمريكي عن استراتيجية جديدة ستنهجها الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب بصورته الجديدة داعش عبر تشكيل حلف دولي من 40 دولة ستضرب مقرات التنظيم و توقفه حسب زعمها إلى الأبد في العراق و سورية و كانت الحكومة السورية قد وافقت على قرار الأمم المتحدة 2170 القاضي بمكافحة الإرهاب لكن من خلال التنسيق معها بشكل مباشر و هذا ما رفضه أوباما في خطابه بل و أخرج كل من إيران و روسيا من التحالف الطويل الأمد كما أسماه.
    يترقب الجميع اليوم نهاية هذا الفيلم المأساوي الطويل و كيف سينتهي هل سينتهي بتحالف حقيقي لضرب إرهاب داعش يمر عبر الحكومة السورية ما يعلن إنهاء الحرب السورية و الإقرار بشرعية النظام القائم في سورية فالتنسيق اعتراف بالشرعية؟ أم سيكون سيناريو جديد لضرب سورية تحت شعار ضرب الإرهاب و دعم المعارضة المعتدلة ما سيدفع لتقسيم المنطقة طائفياً و قومياً(كردستان ربما)؟ ولكن يبقى السؤال الأهم الآن يقع على عاتق كل من روسيا و إيران و سورية و حزب الله الإجابة عنه ماهي الحركة القادمة لهذا المحور في وجه التحرك الأمريكي الذي أبعدهم و رفض الإعتراف بهم....

    -----------------------------------------
    *جعفر مشهدية
      عضو الأمانة العامة لحزب الشباب الوطني للعدالة و التنمية

  • يسارك شرفك 1- الشرف الوحيد في عالم السياسة

    الخجل من اليسارية

    قفز إلى رئاسة العراق، من حيث لا يعلم أحد، وهو أمر ليس غريباً على السياسة في العراق، شخص لم نكن نعرف عنه شيئ تقريباً، ففتحنا أعيننا نبحث عن أمل في هذا الضياع الأمريكي الإسرائيلي الذي يلف البلاد ويلقي بها في غيائب المجهول، ولا يريد أن يترك في قياداتها إلا السفلة والمتوحشين المندفعين إلى الليبرالية الجديدة وحرية النهب، (حرية السوق)، فقرأنا أن "معصوم" كان في فترة من حياته "شيوعياً"، فكان ذلك بصيص أمل، أن تكون شيوعيته الماضية قد تركت أثراً أنسانياً في زاوية ما من رأسه وأن يكون قد قرأ يوماً شيئاً عن الجانب المدمر للرأسمالية، فإذا به يكشف عن حقيقته كاملة في خطاب توليه الرئاسة، بتجاهله تلك الفترة من حياته تماماً، ويتجاوزها كما تتجاوز امرأة وصمة عار في تاريخها!

    وقبل ذلك كان رئيس الوزراء المتنحي الذي قامت أميركا بإزاحته أخيراً كما فعلت بالذي جاء قبله، يهتف مفتخراً بأنه أسهم في القضاء على النظام الإشتراكي في العراق! وقبل ذلك كان وزير الدفاع يضمن خطاب تعيينه وعداً بـ "القضاء على الإرهاب والشيوعية"!

    كل ذلك جرى تحت سمع وبصر الحزب الشيوعي العراقي ولم يفتح فمه بكلمة احتجاج أو عتاب أمام أي من هذه الأحداث، بل يسارع قادته بدورهم قبيل الإنتخابات الأخيرة إلى التأكيد على أنهم "يؤمنون بحرية السوق"!

    فهل صارت اليسارية والإشتراكية والشيوعية كلمات سلبية يستنكرها المجتمع، ويتهرب من الإتصاف بها أفراده ويتجاوز ذكرها من ارتبط بعض تاريخه بها، ويفخر من حاربها بما فعل، ويعلن من يحمل رمزها، توبتهم وبراءتهم منها، و "إيمانهم" بالدين الجديد؟ هل صار اليمين هو الشرف واليسار عار في المجتمع الذي تسيطر على سلطاته الإعلامية مؤسسات رسخها الإحتلال الأمريكي في البلاد واستلمت مقاليد سياستها جهات دينية ذات تاريخ معاد لليسار؟ دعونا إذن نقلها ونبرهنها في هذه المقالة بصراحة لا مجاملة فيها: اليسارية هي الموقف الإجتماعي السياسي الوحيد الشريف، وكل ما عداها أنانية واطئة، تتلبس أقنعة مختلفة، وتتجمل بأسماء مضللة!

    اليسار إجتماعي واليمين فردي

    اليسار إجتماعي الهدف بطبيعته، بينما اليمين فردي الهدف بطبيعته، ويركز الأول على القيم الإجتماعية كالتعاون والسلام والمصالح الإجتماعية مثل مجانية التعليم ومجانية التأمين الصحي للجميع وتحديد ساعات العمل وحد أدنى للأجور والتأمين الإجتماعي للمحتاجين وغيرها، وقد دفع اليساريون من أجل كل منها وفي معظم البلدان، دماءاً غالية، في صراع مرير بدأ قبل ولادة ماركس بزمن طويل.

    أما اليمين فيركز على القيم الفردية كالتنافس وتحقيق الأرباح القصوى وتقديس الملكية الفردية وإعطاء الأثرياء حرية التصرف بأموال المجتمع ومقدراته وامتلاكهم لمفاصل السلطة فيه.  وبما أن "الشرف" مفهوم إجتماعي، من المفاهيم التي وضعها المجتمع لتشجيع تصرف معين يراه في صالحه وردع تصرف آخر معاكس يراه ضاراً له، فلا يمكن تعريف “الشرف” فردياً. إن شخصاً يعيش حياته منفرداً على جزيرة، مثل روبنسون كروزو، لن يعرف ما يفعله بمثل هذه الكلمة، وكيف يستعملها ليميز الصحيح من الخطأ بالنسبة له، بينما لو عاشت على هذه الجزيرة مجموعة من الناس، لوجدت في تلك الكلمة أداة ثمينة لها ولتمكنت من استخدامها لتثبيت كل ما يساعد المجموعة على البقاء، وصار "الصدق" "شرفاً" و "العمل الجماعي" "شرفاً" و "أداء الواجب" (تجاه المجموعة) "شرفاً" و "مساعدة المحتاج" “شرفاً” ..الخ.

    تحديد اليسار

    ولأجل تحديد ما نقول ونتمكن من تبيان العلاقة الإستثنائية بين "شرف" المرء ومقدار "يساريته" كما يشير عنوان مقالتنا، يجب أولاً أن نحدد المقصود بكل من "اليسار" و "الشرف" وهما كلمتان شائكتان بالتأكيد. كيف نحدد اليساري؟

    اليسار الكاذب

    في عالم تسيطر فيه رادارات التشويش الأمريكية والإسرائيلية على "الإعلام" في عالمنا ، يجب أن لا ننتظر جواباً سهلاً! لننظر إلى هذه الأسطر للكاتبة المصرية إكرام يوسف في مقالتها " مسميات ثورية بنكهة المارينز"

    “في بواكير شبابنا، كانت الأمور أكثر وضوحا ، والأسماء تساوي بالضبط مسمياتها: الحليب حليب، وعصير الفواكه عصير فواكه. ثم أخذت الأمور تختلط تدريجيا: عرفنا الحليب بطعم الفاكهة! و الفواكه المهجنة بفعل الهندسة الوراثية، فذقنا الخوخ بطعم البرقوق، والفراولة بطعم البطاطس أحيانا، والخيار أحيانا أخرى! وشيئا فشيئا لم تعد الأسماء تعبر بدقة عن مسمياتها. وظل الأمر في حدود المقبول طالما لم يخرج عن تجربة مذاقات جديدة في المأكولات والمشروبات....
    وبالمثل، كنا قديما نعرف من هو اليساري، ورغم اختلاف تيارات اليسار الماركسي المصري، إلا أنك كنت تستطيع أن تحدد ثوابت اليساريين، فلم تكن تجد يساريا ـ مثلا ـ يدافع عن التطبيع مع الكيان الصهيوني من دون حل القضية الفلسطينية ”(1)

    تشويه اليسار واليسار الجديد المنافق

    قال أحدهم ساخراً من المحاكم العسكرية: "إن علاقة المحاكم العسكرية بالمحاكم، كعلاقة الموسيقى العسكرية بالموسيقى"، ويمكننا أن نقول أن علاقة اليسار الجديد باليسار، كعلاقة الليبراليون الجدد بالليبرالية: لا توجد أية علاقة ، إلا علاقة اللفظ!

    فما لا يستطيعون تشويه اسمه وإعطائه معنى كريهاً ليهرب منه الناس، يحاولون سرقة اسمه وتغيير معناه ليعطي الناس دون انتباه، احترامهم لهذا الإسم إلى محتوى آخر كريه يناسب السلطة.

    أصبح الحوار المتمدن الملجأ الدافئ ليس لكل الليبراليين الكارهين لكل ما هو يساري فقط، ولكن أيضاً لكل اليساريين الذين تعبوا من يساريتهم وبدأوا يبحثون عن تبرير أكثر “كرامة” من الإعتراف بهذا التعب (المشروع)، والطريق المتاح أمام هؤلاء هو الهجوم على اليسارية الحقيقية وكل ما له علاقة حقيقية بها، مع الإبقاء على الأجزاء والشعارات الهامشية أو المرنة التي لا تصطدم مع الرأسمالية المخيفة، للإيهام بأن من يسير تحت هذه الشعارات، يساري حقاً.

    مثل ذلك الموقف من الدين، والذي صار كأنه الشعار الوحيد للكثير من هؤلاء اليساريين السابقين "التائبين"، إضافة إلى الأهداف القليلة التي يشتركون فيها ولو شكلياً، مع الرأسمالية، مثل "تحرير المرأة" و الحريات الشخصية مثل حرية المأكل والمشرب والملابس ..الخ . وهي مراوغة تذكر بمراوغة رجال الدين الذين يختارون من الدين للتطيبق، ما لا يكلفهم مصالحهم، فلا يعودون يرون منكراً في الحياة سوى شرب الخمر! ولا بأس أن تستمر السرقة ويزداد التفاوت الإجتماعي بل وليزدد عدد العاهرات إن تطلبت مصلحتهم التغاضي عن ذلك. ومثلما تزداد لدى هؤلاء المراوغين من تجار الدين والمتدينين مظاهر العداء للخمر دون غيرها تطرفاً وحدة وشراسة، لكي تعوض عن إهمال هؤلاء لمبادئ الدين الأخرى، فأن اليسار الخانع الخائف والمخترق حتى الرأس، يراوغ ويناور ويتحجج ليتناسى كل ما يجعله يصطدم بالرأسمالية يتفرغ للهجوم على الدين (الإسلامي بالذات، الذي تهاجمه الرأسمالية اليوم - بالصدفة؟!) تفرغاً شبه تام، ويغازل ويتحالف مع كل ذيولها ويضع نفسه تحت مضلة السفلة الأكثر قرباً منها! وإن تجرأ نفر من اليسار ليقف مع مبادئه بشكل ما، فأن الف ضبع يخرج له من جحور مواقع الإنترنت المدسوسة التي تنشر إعلانات الموساد، ليردعه "عن غيه"، داعياً إياه للإستسلام  للرأسمالية والتركيز على محاربة الدين، ساخراً من "ممانعته" ومؤكداً له أن الإستعمار ليس مسؤولاً عن التخلف العربي وأن الأوان قد آن "لطي صفحة اليسار القديم بشعاراته وقياداته ، ولإعادة الاعتبار للقيم اليسارية "الحقيقية"!!..."(2)

    وتوظف هذه المواقع المتآمرين من اوسخ مهابط اليمين ليلبسوا لباس اليسار وينشرون ما كتبه لهم خبراء السي آي أي والموساد، ودون حتى أن يقرأه، من "تفنيدات" فارغة تسهم في دفع اليساري المتعب بعيداً عن مبادئه وتؤكد له أنها لم تكن سوى "خطأ كبير" وأن الزمن قد تجاوزها، مثلما هي كتابات طارق حجي في موقع الحوار المتمدن الذي يحظى فيه بموقع متميز! (3)

    ويكتب طارق حجي، إضافة إلى سيل من الكتب، حيث يطبع عدة كتب في نفس الوقت (!)، مقالات مطولة جداً ومليئة بالتفاصي، يستحيل لأي إنسان ان يكون قد كتبها، بل يصعب أن يكون قد قرأها. وتوحي المقالات وحجمها بأنها تحتوي على مادة حقيقية وتحليل، لكنك حين تراجع الأمثلة التي يطرحها للاعتراض على ماركس، كما في مقالته اعلاه مثلاً، تكتشف سطحية مثيرة للدهشة وقلة اطلاع (أو مراوغة) لا تنسجم مع حجم المقالة. وقد رددت على تلك المقالة سابقاً في مقالتي(4)

    لكن الرد اليساري على طروحات أمثال طارق حجي، ضعيف وقليل، وحين لا يقدم اليسار رداً يدافع به عن وجوده، تذهب الوقاحة في هذا الفريق المدفوع الثمن إلى حدود تعبر الخيال، فلا يتردد أن يطالب اليسار ليس فقط بقبول الرأسمالية ومظالمها، بل بضرورة أن يسارع اليسار ذاته إلى الدفاع عنها أيضاً والسعي لإنقاذها من أزماتها بكل ما يستطيع، مدعياً أن ذلك من أجل مصلحة الشعوب ذاتها! (5)

    إن هذا الحال يسهم في تصوير اليسار بأنه خاسر ومعترف بخلله، ويبعد الناس عنه، ويترك الساحة لما نسميه "اليسار التائب".

    اليسار التائب يدعي أنه "ينتقد" من أجل "تجديد" اليسار وتطويره، وهذه ثيمة هذا اليسار في العراق ومختلف الدول العربية وربما في العالم لكننا لا نريد اتهام كل ناقد لليسار بأنه مدفوع يهدف إلى تحطيمه، فكيف نميز الناقد الحقيقي الهادف إلى التطوير، عن "اليسار التائب" والضباع المدفوعة الثمن؟

    ليس الأمر صعباً، فعندما "تنتقد من أجل التطوير" فأن هذا يعني أنك مازلت تؤمن بصحة المنطلق بالخط العريض، وترى نفسك منتمياً إليه، إلا أنك تمتلك ملاحظات معينة تود تطويرها فيه. وهذا يعني أنك ترى الصحيح فيه أكثر من الخطأ، وأن عواطفك معه، وهذا يعني أنك ستكتب في امتداحه والدفاع عنه أكثر مما ستكتب في انتقاده! لكننا لو راجعنا ما يكتب امثال "محمد علي مقلد" من نقد(6) فلن نجد ما يقابلها من مديح متوقع ودفاع، بل أني لا أذكر أن طارق حجي قد كتب كلمة دفاع واحدة عن اليسار الذي يدعي الإنتماء إليه والإيمان به والسعي لتطويره، فكيف يبقى المرء منتمياُ إلى اتجاه لم يعد يجد فيه ما يمتدحه؟ إن تلك الإدعاءات ليست إذن سوى أكاذيب مفضوحة وأقنعة كاذبة يلبسها اعداء مدفوعي الثمن، الغرض منها النيل من اليسار وتحطيمه وليس تطويره أبداً!

    تعريفنا لليسار

    حتى هذا الدعي إلى انقاذ الرأسمالية، يكتب باسم اليسار، فكيف نميز اليساري إذن في هذه الغابة من رادارات التشويش؟ طرح أحد الأصدقاء مرة هذا السؤال، وعن الطريقة الأمثل والأبسط لتحديد اليساري، فكان جوابي: إن كان يتحدث عن تحديد الحد الأدنى للأجور ورفعه، وعن التقاعد والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، فهو يساري، وإن كان يكثر الحديث عن الإستثمار والخصخصة و "الإصلاح" الإقتصادي، فهو يميني، مهما كان موقفه من الأمور الأخرى.

    أي أن اليساري هو من يهتم حقاً بمصالح المجتمع، أما اليميني فيهتم بمصالح الأثرياء (دون ان يعترف بذلك صراحةً) ويعطيها الأولوية على حساب المجتمع، آملاً أن يؤمن من خلال ذلك مصالحه الشخصية (مرة أخرى: دون أن يعترف بذلك). إنه يريد تهيئة البيئة الإجتماعية المناسبة لإنتعاشه الشخصي ويرى في ترويج مبادئ حرية المنافسة فرصته لتجميع الثروات والسعادة، وهو مستعد أن يغمض عينه من أجل ذلك، عن آلام الأخرين في المجتمع الذي يعيش فيه، ويتهرب منها بحجج مختلفة معدة مسبقاً من قبل من تم تكليفهم بهذه المهمة من اقتصاديين وفلاسفة وكتاب وإعلاميين. فمنذ أيام آدم سميث، كانت الشركات المختلفة تؤجر "الإقتصاديين" ليروجوا في المجتمع ما هو في صالحها، فترى هذا يروج لحرية السوق والآخر للحماية وهكذا. ولم يتغير الأمر كثيراً منذ قرون، ولذلك فأن التراث الإقتصادي البشري اليوم يتكون في معظمه من مجموعة من الأحاييل والخدع اللفظية، التي تسعى إلى إقناع المجتمع أن صالحه هو صالح لصوصه الأثرياء.(7)

    هل حقاً ان اليساري يجب أن يعتبر الدين والمتدينين (الإسلاميين بالذات) العدو المباشر له، وأن هناك طريقاً للتصالح مع الرأسمالية؟ إن المراقبة الدقيقة للتاريخ ترينا أن الدين، رغم تناقضه أحياناً مع اليسار، إلا أنه يسير في بعد مختلف عنه وليس نقيضاً له، وأن في الدين يسار ويمين كما في المجتمع المدني. لنأخذ مثالاً من الإسلام والمسيحية على ذلك.

    اليسار واليمين في الدين والعلمانية

    في كتابه "اليمين واليسار في الإسلام"(8) يذكر الأستاذ عباس أحمد صالح : "اليسار الذي نقصده في الإسلام هو الذي يتجه إلى رفع الجور عن الفقراء والمستضعفين والمساواة بين أبناء المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات، أي باختصار هو النزعة الإشتراكية في الإسلام". وينبه أن "الذين وقفوا بعداء أشد من الدعوة الإسلامية هم الأغنياء" وأن جوهر الإسلام اشتراكي..."الإسلام ثورة إنسانية شاملة على المظالم الإجتماعية وحقوق الملكية المقدسة واستبداد الطبقات القوية"، منبهاً إلى أن "القرآن حرم الأعمال المصرفية". ويذكر الأستاذ صالح العديد من رجال "اليسار الإسلامي" في التاريخ، مثل الإمام علي، كما أعتبر عمراً وأبا بكر ذوي نزعة إشتراكية، بسبب دفاعهم عن حقوق الفقراء، رغم انتمائهما السابق إلى الموسرين قبل الإسلام. وبالمقابل فهناك المثال الواضح في معاوية من الذين ينسبهم المؤلف إلى اليمين، والذي يمثل النزعة الأنانية الفردية التي يصعب أن نميز فيها الشرف الإجتماعي الذي نجده في اليسار.

    ولا نحتاج في المسيحية إلى العودة كثيراً في التاريخ لتبيان يمينها من يسارها. فيمكننا بسهولة تامة أن نميز الشرف اليساري في القس البرازيلي كامارا الذي قال قولته المشهورة: "عندما أعطي الفقراء الطعام، يسمونني قديساً، وعندما أسأل: لماذا هم فقراء؟ يسمونني شيوعياً"(9)

    ولد كامارا، قس أحياء الصفيح في ريو دي جانيرو، عام 1909 وتوفى عام 1999، ولم يكن شيوعياً ولا حتى يسارياً ثورياً، بل أنه أدان كل من اليمين واليسار للجوئهما إلى العنف، لكنه وقف إلى جانب الفقراء وضد الظلم وكان هذا الموقف الإنساني الشريف كافياً لأعدائه لكي يروا فيه تلك "اليسارية" التي تسعى إلى حل مشكلة الفقراء بشكل جذري، وليس بالصدقات، والتي أسموها "شيوعية"..رغم أنه كان مسيحياً عميق الإيمان بالله. وقد أسهم في دفع الكنيسة الكاثوليكية في أميركا الجنوبية إلى اتخاذ جانب الفقراء، وقتل نتيجة لذلك عدد كبير من القساوسة على ايدي الدكتاتوريات التي تخرجت من "مدرسة الأمريكان" الأمريكية، ودعمت من قبل الحكومات الأمريكية، وبشكل خاص حكومة ريكان. وفي الطرف المقابل كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما، والتي كانت طيلة تاريخها تسبح في الثراء "اليميني"، تتآمر على قساوسة فرعها في أميركا الجنوبية مع أشد الوحوش قساوة، رغم أن الجانبين ينتميان إلى إيمان واحد، أو هكذا يدعيان.

    وبالطبع فإننا نجد ذلك الشرف اليساري الإجتماعي في اليسار الكلاسيكي العلماني، وصراعه من أجل تحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور للناس، كما كتبت في مقالتي التي نشرتها قبل عامين: “الصراع من أجل 8 ساعات” (10)، وجاء فيها: "اليوم لدينا قوانين تحدد عدد ساعات العمل، والحد الأدنى للأجور، لكن هذه لم تأت من نفسها، بل من خلال صراع مرير طويل مليء بالمآسي لمن رفض الإستغلال البشع وضحى من أجل ذلك. ولعلكم لا تعلمون أن قوانين العمل الأولى لم تكن قد وضعت حداً أدنى للأجور، وإنما "حد أعلى" لها!! فلم يكن مسموح حتى لصاحب العمل أن يعطي العامل أجراً عالياً خوفاً من أن يؤثر ذلك على بقية العمال في المصانع الأخرى. والغريب أنه في حالة مخالفة ذلك القانون فأن العقوبة الأشد كانت تقع على العامل الذي قبل بأجر أعلى من أجره المحدد! ....واليوم تهتز الشوارع مرة أخرى تحت أقدام المحتجين على ما اوصلت الرأسمالية العالم إليه من فوضى وفوارق هائلة في المال وحروب مدمرة لا نهاية لها، لأنها جزء من منظومة الرأسمالية الإقتصادية."

    وكذلك يمكننا أن نرى ذلك الشرف واضحاً في معاني كلمات أغاني مغني البيتلز الراحل جون لينون، الذي تم اغتياله في الثمانينات في أميركا، لمواقفه اليسارية التي ازعجت الوحوش اليمينية" (6) ، مثل أغنيته "بطل الطبقة العاملة" الرافضة للإنتماء للوحشية، والتي تقول.(11)

    “هناك فسحة في القمة” يقولون لك

    لكن إن أردت أن تكون مع الذين على التل

    فعليك أن تتعلم الإبتسام وأنت ترتكب القتل"

    هذا الشرف الإجتماعي الذي لم نعد نجده في بعض اليسار الذي تخلى عن مبادئه وصار يبحث عن ترضية للرأسمال، يمكننا أن نجده واضحاً لدى رجل دين "متعصب" في إيمانه. فاستناداً إلى تعريفي لليسار أعلاه، فقد كتبت في مقالتي " وداعاً أيها اليساري نجاد – 1- صديق شعبه"(12)

    "وعلى هذا فإنني أنصب أحمدي نجاد بكل اعتزاز كقائد يساري بامتياز! ". فنجاد الذي حافظ على صدقه ومبدئيته وإنسانيته وبساطته حين صار رئيساً لإيران، كما يشرح هذا الفلم بعض تاريخ الرجل، (13)يحمل بلا شك "شرف" اليسار بوضوح. فقد وضع الرئيس نجاد على الطاولة جرداً بممتلكاته عند استلامه الرئاسة وكانت عبارة عن بيت صغير في أحد أحياء طهران الفقيرة (14) وسيارة بيجو موديل 1977(15) والتي باعها فيما بعد وتبرع بمبلغها لأعمال خيرية. وبقي نجاد بعد استلامه الرئاسة يعيش في منزله الصغير، وإشترط على كل وزير يتعين لديه أن يقدم كشفاً بممتلكاته، وأن لا يخرج من الوزارة أغنى مما دخلها!

    ويكتب الصحفي البريطاني “فسك” أن نجاد قدم سلسلة قوانين لدعم الفقراء والعمال شملت مخصصات تقاعد حتى للنساء اللواتي كن يحكن السجاد في بيوتهم في القرى النائية!

    وبالمقابل فقد حارب النظام اليميني الفاسد الذي ورثه من تجار البازار الذين حكموا إيران قبله في ولايات رفسنجاني وخاتمي (وعادوا في ولاية روحاني)، ووجه سهامه المدافعة عن حقوق الفقراء في ثروات بلادهم، إلى النظام المصرفي ونظام الضرائب وغيرها، وحارب من أجل دعم المواد الأساسية من وقود وماء وغذاء وكهرباء مثيراً غضب صندوق النقد الدولي ومريديه من تجار إيران، والذي كان قد هلل لسياسة خاتمي المتجهة إلى اقتصاد السوق (16)

    وتلقى نجاد من شعبه من الحب ما لا يلقاه إلا اليساريون من أمثاله فهاهي إمرأة كبيرة السن تؤكد له أنها تحبه أكثر من نفسها، وأنها كانت معه (في قلبها) في كل محافظة قام بزيارتها، وقالت له أنها تدعي له بالموفقية في كل صلاة لها لأنه كان ينفذ وعوده للفقراء،" ......قالت له: "في خطبة لك في السنة الماضية قلت أنك تشعر أنك وحيد...أقسم بـ "علي" إنني لم أنم تلك الليلة!: قلت يا إلهي هل متُّ أنا ليشعر أنه وحيد؟ ".. "أنا موجودة، وسأقتل نفسي لأجمع الناس حولك، وبقدرة الله سوف أراك تنجح" (17)

    هل يمكن ليميني أن يحلم بمثل هذا التقدير؟ إنهم لا يهتمون بذلك على أية حال.

    وفي ‫كلمة أحمدي نجاد للجمعية العامة للأمم المتحدة(18) تحدث عن ما يقف بين الإنسان وبين طموحاته نحو حياة أفضل، والفجوة بين الأغنياء والفقراء والإقتصاد الإستهلاكي والديون والفقر وانتهاك البشرية وتحطيم آمالها، والإستخدام التبديدي لثروات الأرض، ودعى المجتمع إلى تخيل عالم افضل خال من تلك المنغصات وكيف ستكون الحياة سعيدة. وكذلك استغلال المرأة وتحطيم العلاقات العائلية ونشر المعايير المزدوجة والحروب، والرأسمالية التي خربت البيئة البشرية ووصلت إلى طريق مسدود. قال أن البعض يحاول أن يصور هذه الأوضاع الشاذة على انها طبيعية ويلقي بمسؤوليتها على الإرادة الإلهية وعلى الشعوب، لكن الشعوب ليس لديها مشاكل مع بعضها البعض. وقال أن البشر لا يستحق مثل هذا الوضع، وأن الله لا يرضى بذلك. وأخيراً تحدث عن عودة المهدي المنتظر إلى جانب المسيح لينشر العدالة والمحبة والحرية بين أبناء البشر.

    وقد رد باراك على هذا الخطاب بوصفه "الخطاب المجنون"، (19) فمن منهما المجنون من وجهة النظر الإنسانية ومن العاقل؟ من منهما "الشريف" الذي يمكننا أن نفخر به كبشر، ومن هو "المنحط" الذي نخجل منه؟

    اليساريون أخوة متشابهون

    ما أشبه قلب نجاد وهو يدعو المجتمع إلى "تخيل عالم أفضل، خال من المنغصات وكيف ستكون الحياة سعيدة"، لو تخلص من نير الرأسمالية، بقلب جون لينون وهو يغني:

    تخيل...عالم بلا ممتلكات

    أتراك تستطيع ذلك؟

    عالم خال من الجشع والجوع

    عالم اخوة البشر

    تخيل ان جميع الناس...

    تشترك في جميع العالم...(20)

    يمكننا أن نلاحظ الشبه الذي يجمعهما رغم الفوارق الكثيرة بينهما، ورغم أن نجاد سيرفض إلحاد لينون ورأيه بالدين، ويرفض الأخير معتقدات نجاد الدينية، فهو شبه لا تخطئه العين، وهو خيط "الشرف اليساري" الإثري، الذي يركز على الآخرين وعلى العدالة، وعلى الإستعداد للتضحية من أجله، والذي تشترك فيه أرقى ما أنتجت البشرية من نماذج خلوقة! أليس من السخرية ان يخجل جيفارا أمام جورج بوش مثلا؟؟

    على اليسار إذن، أن لا يتردد في الدفاع عن مبادئه التي تستحق ان يفتخر المرء بها، بوجه الضباع التي تسعى لتشويهها، وأن يكون اليساريون ممثلين نجباء لها قدرما يستطيعون، لعلهم يستحقون لقب تمثيلها ووسام الشرف الذي تعلقه على صدورهم، ففي السياسة شرف واحد هو أن تكون يسارياً- لا مجاملة في ذلك! كذلك عليهم أن يتعلموا التعرف على بعضهم البعض، ومن خلال خيط الشرف الإجتماعي التضحوي المميز لهم، سواء كانوا مؤمنين ملتزمين أو علمانيين او ملحدين، مسيحيين أو مسلمين أو يهود أو في أية ديانة أخرى، ومهما كانت قوميتهم وانتماءاتهم الأخرى. على اليساري أن لا يخجل من أن يرى أن الإسلامي أحمدي نجاد أكثر يسارية من معظم قيادات الأحزاب الشيوعية العربية، وأن يعلن رأيه بذلك صراحة. وعليه أن يميز أيضاً اليسار الكاذب والتائب المتحجج بالنقد والتطوير، والذي يكشف نفسه بالإمتناع عن أي امتداح لليسار الذي يدعي الإنتماء إليه أوالدفاع عنه، ويكتفي بـ "جلده" بالنقد دائماً. وأخيراً على اليساريين أن يختاروا أصدقاءهم وأعداءهم، وأن لا يتركوا للإعلام الشبوه أن يحدد أولوياتهم وأهدافهم ومعاركهم وأن يفعلوا ذلك بأنفسهم، وعلى هذا الأساس قبل غيره.

    في الجزء الثاني من المقالة سنتحدث عن "ثمن الشرف" الذي توجب ويتوجب على شرفاء اليسار دفعه..

    (1)  إكرام يوسف - احذروا.. إنهم يحرفون البوصلة! مسميات ثورية بنكهة المارينز: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=167277

    (2) محمد علي مقلد - اليسار الممانعاتي

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?ecom=1&aid=376099#492535

    (3) طارق حجي : من المؤلفات الأولي : الإقتصاد الماركسي

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=167950

    (4) صائب خليل: رد على انتقادات طارق حجي لماركس

    http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/13haji.htm

    (5) شريف حتاتة: اليسار وإنقاذ الرأسمالية

    http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2009/2/28/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%95%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%94%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9.html

    (6) محمد علي مقلد - من هو اليساري؟
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333482

    (7) صائب خليل - فائض القيمة يطارد اقتصاد الإحتيال
    http://saieb.blogspot.com/2014/08/blog-post_10.html

    (8)  اليمين واليسار في الإسلام

    http://www.ao-academy.org/docs/al%20yameen%20wal%20yasar%20fee%20al%20islam%20by%20ahmad%20abbas%20salih%200603009.pdf

    (9) `Bishop of the slums' -- Dom Hélder Camara and Brazil's church of the poor

    http://links.org.au/node/1151

    (10) صائب خليل: الصراع من أجل 8 ساعات

    http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/we32.pdf

    (11) Working Class Hero - John Lennon

    http://www.youtube.com/watch?v=cFdVhDdDK9A

    (12) صائب خليل: اليساري نجاد وداعاً 1- صديق شعبه
    http://almothaqaf.com/index.php/qadaya/75833.html

    (13) من هو الدكتور أحمدي نجاد؟

    {youtube}XM-7PthdXYs{/youtube}

    ‫(14) بيت احمدي نجاد

    {youtube}CCxWNxg4yCk{/youtube}

    (15) سيارة أحمدي نجاد البيجو 504 موديل 77

    {youtube}LpSCQsduyRo{/youtube}

    (16) Selling Iran: Ahmadinejad, Privatization and a Bus Driver Who Said No
    http://socialistwebzine.blogspot.be/2009/07/selling-iran-ahmadinejad-privatization.html

    (17) المرأة التي أبكت نجاد

    http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=XM-7PthdXYs#t=493s

    (18)  خطاب الرئيس أحمدي نجاد في الأمم المتحدة 26-09-2012‎
    {youtube}N5qqigW6nG0{/youtube}

    (19)  باراك يرد على خطاب نجاد

    {youtube}aySgU2xPbFw{/youtube}

    (20) اغنية جون لينون: "تخيل"

     {youtube}f18iq21EamE{/youtube}

  • سأنفض يدي من القيادة السورية… تعالوا نناقش الأمر بهدوء

    لا يرقى ليقين القراء الأفاضل شك، بأننا نتابع كل تعليقاتهم، ونأخذها بقدرها مأخذ الجد، طمعا في تصحيح وجهة نظر أوتصويب رأي، أوحتى نفي معلومة وإن كنا استوثقنا من صحتها، كما لا يخفى عليهم أننا هنا لسنا في برنامج ما  يطلبه المستمعون، ولا نكتب بالضرورة ما يحب الكاتب نفسه أن يخطه فضلا عما يحب القارئ أن يُكتب، الكلمة أمانة في عنق صاحبها، والإعلام مسؤولية لا يقل خطرها عن مسؤولية حمل السلاح، فإن كان الأخير يستهدف حياة شخص أومجموعة أشخاص، فالأولى أحيانا كثيرة تكون الممهد لتلكم التصفية، وسببا مباشرا في تجريف عقول جيل بأكمله، حتى لا نقول إعدام الحقيقة التي هي مدار فلك حياة العقل البشري. وأعلم كما يعلم غيري بأن أي كاتب أومفكر يدّعي ملك كل الحقيقة، هوزعم باطل ودجل بعينه، وعقيدة فاسدة لا يصح أصلا البناء عليها.
    حين يعلن الكاتب دعمه للدولة السورية، فمن المعيب حقا ترجمة ذلك بدعمه للقيادة السورية حصرا، أوالنظام اجتزاء أوالجيش العربي السوري استثناء، فمصطلح الدولة لا يعني أيا من هذه منفردة، بل يعني كل الكيان السوري، من جغرافيا وتاريخ وحاضر ومستقبل وشعب ومقدرات وثروات وغيرها، واختزال مفردة “الدولة” في جزء فقط مما سبق ذكره، هوليًّ لعنق العبارة، ومحاولة تعيسة لقلب المعنى المراد من الكاتب، وفق ما يريده المنتقد لا الناقد. هنا لست أبرر موقفي من الأزمة السورية لأحد، بل يكفي أن يكون ضميري مطمئنا لرده عن السؤال يوم لا ينفع مال ولا بنون.
    تعالوا نناقش الأمر بهدوء، واسلم لبعض القراء وأنفض يدي من القيادة السورية، فما هوالمشهد القائم عيانا الآن في هذا البلد العربي؟ أليس هناك ثلاث مربعات في سورية الآن؟ الأول تحت سلطة القيادة السورية، والثاني يقوم فيه صراع مسلح بينها وبين الجماعات المسلحة ولنسميهم الثوار من المدنيين السوريين ولا يد أجنبية في أمرهم، والمربع الثالث والأخير هي المساحة التي بسطت عليها المعارضة ( نترك التعريف داعش والنصرة والجيش الحر وألف فصيل جانبا) سلطتها، وباتت جغرافيتها وسكانها ومنشآتها وثرواتها تحت مسؤولياتها.  هل هناك مربع آخر؟.
    الإعلام الدولي عموما والعربي منه على وجه أخص، لا يخرج قيد أنملة من المربع الثاني، إلا حين يفرض حدث ما نفسه على الواقع، من خلال إعلام المعارضة (الجماعات المسلحة) عن نشاطها عبر مواقعها طبعا، هنا يضطر إعلامنا العربي لتناولها بشكل مقتضب؛ صحيح أن مربع الصراع يقتضي التغطية الإعلامية، لكن الأصح كذلك أنه يستحيل الاتفاق بخصوص صحة معلوماته، ذلك أن طبيعة الصراع تقتضي تجيير المعلومة وتوظيفها لصالح أطراف الصراع كلهم، وهنا مكمن المغالطة الخطر على المواطن العربي، الذي يتابع بألم وحسرة ما يجري في سورية؛ وشخصيا لا أريد الوقوع في هذه المصيدة، التي كما قلت يستحيل معها تمييز الظالم من المظلوم، والحال أن بعض ما ينقل يفيد بأن الدم قد بلغ الركب. فكما تتهم المعارضةُ المسلحة القيادة السورية بارتكاب مجازر، فالعكس كذلك قائم، ولكل منهما أدلته وصوره وشهوده.
    لنخرج من المربع الثاني هذا، دون أن نقف إلى جانب أي من طرفي الصراع، أليس حريا بمن يبحث عن الحقيقة أن ينظر في المربعين الآخرين؟ تعالوا إذن إلى ساحة المربع الثالث حيث تبسط المعارضة (المسلحة) سلطتها، ولا نعتمد هنا تقارير السلطة السورية، بل تلكم التقارير الإعلامية والأمنية الصادرة عن جهات تدعم تلكم المعارضة، بل وننظر ما تنشره المعارضة المسلحة ذاتها على مواقعها الالكترونية، ماذا نجد بكل أمانة وموضوعية؟.
    المربع الثالث هذا بات تحت سيطرة المعارضة، بل وامتد من الرقة إلى الموصل بالعراق، وهلل لهذا النصر المبين كبار العلماء وقادة سياسيون عرب، واستقرت الأمر لسلطة المعارضة (المسلحة)، فأي صور تنقلها مواقعها الالكترونية ووسائل الإعلام العربية الداعمة لها؟ هل رأينا مثلا شق الطرقات وبناء المدارس والجامعات فضلا عن المؤسسات الخدمية من مستشفيات ومصانع وغيرها؟ هل تعرض على مناصريها بناء السكنات للفارّين من بطش وجبروت القيادة السورية؟ هل قدمت لنا مؤسسات القضاء والعدالة وما يتبعها من مرافق، وهي تدير شؤون الناس بكل عدل وإنصاف؟ هل وقفنا فيها على حرية التعبير والإعلام  وطرح مختلف الآراء؟ هل قدمت بين أيدي العالم صورة على التعايش المشترك وعدم التمييز ألاثني والعرقي والطائفي؟ أذكّر أننا نطرح هذه الأسئلة حول منطقة تقع تحت السلطة الفعلية للمعارضة السورية؛ الشيء الذي لا يمكن لأحد إنكاره إلا مكابرة، أيا كان موقفه من الأزمة السورية، أن المعارضة السورية ما تركت شيئا كان في الأصل قائما إلا هدمته، وعمليات الذبح والتصفيات الجماعية هي تفاخر بها وتعتز بانجازها، والتمييز الطائفي والعرقي والديني تصرح به جهارا دون إنكار ولا تخفي، ونهب الثروات وفرض الإتاوات والضرائب والجزية أمر مشهر علنا، وسوق  الجواري قائم على ملأ من الناس، فضلا عن عمليات الاغتصاب والاختطاف ومقايضة الدول وأهل المختطفين وابتزاز الأموال؛ بصراحة وأمانة وصدق مع الذات: أي صور تقدمها المعارضة السورية في مواقعها الالكترونية هي نفسها؟ وحين تتعرض لأعمالها الفضائيات العربية الداعمة لها أي إنجاز ترون تحديدا؟. حين قال الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد هناك عناصر إرهابية ركبت موجة مطالب الناس، كُذّب وقيل حينها لا أصل لهذا الادعاء، وبعد فترة حذر من الدعم لهذه العناصر لعلمه بأنها تصبح قوة تهدد المنطقة، أنكروا الدعم واتهموه هوبصناعة هذه المجموعات، أين نحن الآن؟ من يعتبر هذه المعارضة خطرا على الأمن الإقليمي والدولي؟ من تبيّن للعالم أنه صنعها ودعمها (مذكرات هيلاري كلينتون مثلا وغيرها كثير)؟ ثم حين تختطف مواطنا غربيا من يتوسط عندها لفك أسره؟ أليس من له يد فضل عليها؟.
    إذا تنازل كل منا لصاحبه وخرجنا من المربع الثاني، أي مربع الصراع، وأردنا أن نعرف أي الطرفين أصلح لإدارة شؤون الناس، ويعي جيدا حجم مسؤولية الدولة السورية، فعلينا أن نقارن بين المربع الثالث وفق ما يعرضه أصحابه أنفسهم ( المعارضة )، وبين المربع الأول، الذي اخترت عن وعي ومسؤولية الوقوف على واقعه بنفسي، والذي قرأه البعض دعما للقيادة السورية، ولم يسعه فهم المراد به عجزا منه أوقصدا؛ المربع الأول والذي يعني الجغرافيا التي تبسط عليها السلطة السورية يدها، يغيب عن المشهد الإعلامي العربي حتى لا يتأتى للمواطن العربي المقارنة بين الحالتين، ويسعى مجتهدا لسجنه في المربع الثاني بكل تفاصيله الدرامية، حتى وإن اقتضى الأمر لدى القائمين عليه لصناعة حدث ما، أوتضخيم حالة صدام ما؛ ذلك أنه معروف بأضدادها تميز الأشياء.إن الأمر المعاين والمشاهد هوأن المعارضة هدمت وخربت كل ما أنجزته القيادة السورية قبل 2012، وفي المقابل قامت الأخيرة حيث تبسط سلطتها، على بناء مزيد من المشاريع وتحقيق كثير من الانجازات. هذه هي الحقيقة التي لا يراد ظهورها.
    أخيرا، تعالوا نتكلم بصراحة ووضوح، ونتأمل بوعي جدي وعميق، الأطراف العربية التي تدعم الحركة المسلحة في سورية، أليست هي بعينها التي دعمت ما أسمته التغيير في ليبيا، تحت نفس الشعارات التي ترفعها لدعم المعارضة السورية؟ أين ليبيا الآن بعد أربع سنوات؟ ماذا قدمت تلكم الأنظمة العربية للشعب الليبي بعد اغتيال معمر ألقذافي؟ أين إعلامهم من الجرائم التي يتعرض لها المواطنون هناك؟ أليس أصدقاء الشعب الليبي هم أنفسهم أصدقاء الشعب السوري؟ إن الأخبار التي تصلنا من مواطنين ليبيين ليندى لها جبين الحياء خجلا، خاصة ما تعلق منها بالاغتصاب الجماعي والسبي، ما يظهر من مأساة ليبيا اليوم ليس إلا رأس جبل الجليد، فضلا عن القتل الجماعي والتمزيق الجغرافي ونهب ثروات البلد لصالح عصابات شريكة لأصدقاء الشعب الليبي.
    إن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، ومن ذات الدول لُدغت الأمة في الجزائر وليبيا والعراق قبلهما، واليوم في سورية، ومن يطالب الكاتب بأن يتمنى للشعب السوري أن يكون على حالة الشعب الليبي، تكلف ما لا يمكن بلوغ مرامه، وتقحم عقبة كأداء لا حيلة له معها، وكشف من جانبه عن جهل أوغفلة حتى لا أقول عداء للأمة عامة، وللشعب السوري والليبي خاصة، هذه هي النتيجة الواقعية حتى وإن نفض الكاتب يده من القيادة في سورية.
    الفلاح الجزائري من قلب دمشق

  • الحلم الأمريكي أو الكابوس الأمريكي؟

    في أحد مواضيعي السابقة كتبت وحذرت من الشركات الإحتكارية العابرة للقارات مثل ماكدونالدز و وول مارت و كنتاكي وقمت بالرد على من يزعمون أن تلك الشركات تقوم بخلق وظائف وفرص عمل وتساهم في حل مشكلة البطالة. الأن في أمريكا هناك مظاهرات بطول وعرض أمريكا ودعوات للعصيان المدني ومقاطعة تلك الشركات وسلاسل المطاعم المشهورة التي تبتز العاملين وتسرق جهودهم وتعبهم فأجور بعض العاملين في المطاعم قد لا تتعدى ٣ دولار للساعة وذالك في قانون فيدرالي لم يتغير منذ سنة ١٩٩٠ تقريبا بضغط من نقابة أصحاب المطاعم. ووما يزيد الطين بلة أن المحكمة العليا الأمريكية قد سنت سابقة قانونية بعدم إلزاميات دفع الرسوم النقابية من قبل أعضاء النقابات التي تضم العاملين في المطاعم وشركات وجبات الأغذية السريعة مما يضعف تلك النقابات ويحول دون أدائها واجباتها.

    إن مانسبته ٤٠% من العاملين في المطاعم وشركات وجبات الأكلات السريعة وسلاسل محلات البيع بالتجزئة مثل وول مارت يعانون من الفقر والفاقة ويعتمدون لإكمال معيشتهم على كوبونات الطعام التي تصرفها لهم الحكومة وعلى مساعدات حكومية والكارثة أن موظفي محلات وول مارت يصرفون تلك الكوبونات من محلات وول مارت نفسها التي تحقق أرباحا خيالية من عرق وجهد مئات الألاف من الموظفين الذين تبقيهم عن سابق إصرار في ظروف من الفقر والفاقة وذالك على حساب دافع الضرائب.

    تخيلوا أنه في سنة ٢٠١٢ كانت حصيلة عمليات السرقة والسطو المسلح في طول أمريكا وعرضها ١٣٩ مليون دولار بينما كانت حصيلة القضايا التي حسمتها الهيئات التابعة لوزارة العمل الأمريكية حصيلة الأجور التي يسرقها أصحاب المطاعم ومحلات الوجبات السريعة من عمالهم.....تخيلوا ٢٨٠ مليون دولار للسنة نفسها. إذا يا سادة يا كرام من هو اللص؟

    وقد تستغربون وتظنون أن تلك الإحتجاجات غير عادلة وأن أصحاب محلات وول مارت للبيع بالتجزئة أو المطاعم أو محلات الوجبات السريعة يخسرون أموالا أو أنهم لا يحققون أرباحا مجزية..أنتم مخطئون. محلات وول مارت تحقق الأرباح بعشرات المليارات وأعمال المطاعم ومحلات تقديم الوجبات السريعة قد نما ٣٠% خلال العشرين سنة السابقة.

    فعلا أمريكا بلد العجائب فعندما نهب بضعة مواطنين أمريكيين من السود الغاضبين بعض المحلات, قامت الوسائل الإعلامية الأمريكية بإطلاق أشنع الألقاب عليهم بينما يتم تكريم لصوص وول ستريت الذين يسرقون مئات المليارات وهم في نظر الإعلام الأمريكي المنحاز أبطال وعباقرة ويعملون بجد لبناء إقتصاد أمريكا.

    بعد أن قرأتم ذالك الموضوع القصير وهو على فكرة نقطة في بحر إذا ماقررت الكتابة في مثل تلك النوعية من المواضيع...هل مازال أحدكم يحلم بقيزا للجنة الأمريكية لكي يعيش الحلم الأمريكي؟

  • فرانسوا أولاند الطوشة .. ومناقصة الارهاب والكباب

    لاأدري لماذا يذكرني الرئيس الفرنسي بالشخصية الكوميدية السورية الأشهر "غوار الطوشة" .. ربما لقصر قامته ومحاولته الوقوف كأنه ذو قامة مرتفعة .. كما أن حركاته والتفاتاته السريعة الكوميدية التي تبدو غير صادرة عن شخصية مرموقة متزنة توحي أنه ليس الرجل المناسب في المكان المناسب بل كاراكوز مناسب في المكان المناسب .. وأحس أن الرجل يحاول جهده ليبدو ذا هيبة وسطوة في المسرح الدولي عملا بنصيحة نيقولاي ماكيافيللي القديمة الذي وجد كتابه "الأمير" في عربة نابوليون بونابرت بعدما تركها مهزوما في معركة ووترلو الشهيرة .. فوصية ميكيافيللي للأمير كانت أن "الهيبة أساس من أساسيات الحكم" 

    ولاأدري لماذا كلما ظهر "الأمير" فرانسوا على التلفزيون أتوقف عن مواصلة أي شيء ان كان عملا أو حديثا أو طعاما أو غضبا ولاأفوت متابعته لدقائق وكأنني أتابع مشهدا كوميديا لـ "غوار الطوشة" وهو يتحاور مع ابطال "حارة كل مين ايدو الو" وليس للأمير الفرنسي فرانسوا أولاند

    سبحان الله .. هذا الرجل كأنما خلقه الله للترفيه عن نفسي في زحمة الأخبار الداعشية التي تبدأ بذبح وتنتهي بذبح بعد ان تمر بمجزرة أو مجزرتين في اليوم الواحد وبمجموعة من جرائم الرجم والصلب والسبي .. ولكن ظهور أولاند الطوشة أنقذني من عبوسي مرات عديدة وجعلني انسى همومي وهو يحاول أن يجلس بضآلته على كرسي شارل ديغول الكبير .. أو يجهد في اقناعنا أنه من سلالة نابوليون العائد لاستكمال فتح عكا وسورية (التي صده عنها واليها أحمد باشا الجزار) وان كان لا يرتدي قبعة نابوليون الشهيرة .. وأحيانا يريد ان يوحي بنظراته الاستعلائية الصناعية ان مايجري في عروقه هي دماء ملوك فرنسا الذين سقطت رؤوسهم في سلال المقاصل عندما كان للفرنسيين "دواعشهم" ومحاكمهم الثوريةلاشك انه رغم استظرافي له أنني أعتبره أتفه رئيس فرنسي على الاطلاق .. ولكنه أخفهم ظلا بالقياس الى ثقل دم ساركوزي المخمور .. وعصبية مزاج شيراك الذي كان صبره نافذا مثل أردوغان دوما (حتى يكاد أن يكون لقبه أردوغان الفرنسي) .. وكذلك قياسا الى تجهم ميتران وصلفه .. ولاأدري لماذا أحس أنه في جذوره ايطالية وليست فرنسية

    غوار الطوشة الفرنسي (أولاند) قال بفهلوية منذ أيام انه "يريد القضاء على داعش بزيادة دعم المجموعات السورية المعارضة" .. وبالطبع دون التعاون مع الحكومة السورية وكأنها غير موجودة .. أي أن داعش التي كان نصفها جبهة نصرة وجيشا حرا يوما ما سيحاربها الأمير أولاند بحقن المزيد من السلاح والمال والدعم للمسلحين السوريين في الجيش الحر والنصرة .. ولم يتعلم من التجربة السابقة أن المزيد من السلاح الى سورية سينتهي الى داعش والقاعدة وأن من يفوز في الصراع هو الفكر ذاته لأن هذه التنظيمات تحكمها قاعدة الأواني المستطرقة سواء بالفكر أو بالسلاح .. فسكب السلاح في جانب سيصل الى الجانب الآخر حتما سواء بالتهريب أو بالبيع أو بالاستيلاء أو بالانشقاق .. وأنه لولا الدعم اللامحدود للثورة السورية وتنظيم الاخوان المسلمين بالسلاح والخبرات والغطاء الاعلامي لما ظهرت جبهة النصرة .. ولما انتقلت مجموعات النصرة والاخوان المسلمين لتقوي من داعش التي لم تفعل أي شيء يقل عن وحشية الجيش الحر الذي استخدم السلاح الكيماوي في خان العسل وأعدم المئات من الأسرى في خان العسل تماما كما أعدم داعش الجنود العراقيين الأسرى وشباب عشيرة الشعيطات بنفس الهمجية .. ووصل السلاح والمال نفسه الذي تدفق من الغرب الى الجيش الحر والنصرة الى داعش والا كيف يمكن تفسير هذا التسلح الفائق لمجموعة داعش التي كانت تعتبر منبوذة ضعيفة منذ سنوات في العراق عندما بدأت باسم (الدولة الاسلامية في العراق)؟؟ .. كل هذه التنظيمات (الاخوان والنصرة والحر وداعش) تنطلق في منطلقاتها النظرية من فكرة التكفير واقامة دولة الخلافة الاسلامية بالقوة الجهادية .. وأعضاء هذه المنظمات وجدت حلم الخلافة أمامها في داعش الثرية بالمال والنفط والجنس والسبايا والجواري والاماء وقطع الأيدي والأرجل .. وسيحدث انجذاب نوعي نحو هذا البريق الاسلامي والوميض الذي يبهر أبصار الاسلاميين في العالم .. حكم الشريعة الموعود

    عندما سمعت اقتراح الفهلوي غوار الطوشة الفرنسي ضحكت من الطريقة التي يحل فيها اولاند مشاكل السياسة وتذكرت مشهدا لاينسى لغوار الطوشة "السوري" قام فيه غوار بادارة احدى أزماته بنفس طريقة أولاند الطوشة الفرنسي .. ففي مسلسل حمام الهنا توصل غوار بعد منازلة شعرية حامية الوطيس الى أن يقنع منافسه مدير احدى الشركات بأن يعينه موظفا مسؤولا فيها .. فوافق المدير وقام بتعيين غوار مسؤولا فيها .. وكانت الشركة تريد استقبال وفد أجنبي زائر فكلفت غوار بالاشراف على الاستقبال والقيام بواجب الضيافة .. وهنا يمارس غوار مسؤولياته بشكل بيروقراطي اذ يقرر أن يقدم للضيوف وجبة كباب .. ولكن عبر مناقصة الكباب كي يكون كل شيء قانونيا ومنعا للفساد .. ويتقدم المناقصون بطلباتهم ويفوز بها سيء الحظ أبو صياح بعد شهر .. ولكن غوار يقرر عرض الكباب الفائز بالمناقصة على لجنة "تذوق" لاقرار صلاحيته للضيافة .. ولكن بعد اقرار صلاحية الكباب للضيوف وبسبب الروتين والبيروقراطية والتأخير يسافر الوفد الزائر دون أن يتناول الكباب !! .. ولذلك وجد غوار نفسه في ورطة بيروقراطية أخرى .. فالكباب صار ملك الشركة الآن ولايصح لأحد الاستيلاء على المال العام !! .. فيقرر شراء ثلاجة لحفظ الكباب .. وبما أن مقر الشركة لايتسع لثلاجة الا في الممر أمام مكتبه فانه يقرر شراء شقة .. لتوضع فيها الثلاجة .. التي فيها الكباب

    وبالطبع تفلس الشركة بعد أشهر من تولي غوار مسؤولياته .. ويعود هو الى حمام أبو صياح مصطحبا معه مدير الشركة نفسه الذي عينه ليكون صبيا من صبيان الحمام .. يفرك ظهور الزبائن .. ويدلك جلدهم بكيس الحمام .. ويسكب الماء عليهم وينشفهم بالمناشف ..باشراف معلمه الجديد .. غوار

    شركة فرانسوا أولاند للسياسة الفرنسية الخارجية تدار بنفس طريقة غوار .. اي ان الارهاب (وهو هنا الكباب) يقوم أولاند باجراء مناقصة بالظرف المختوم لمحاربته بمزيد من نشر السلاح والعنف في المنطقة .. ويشترط لذلك أن تتضمن المناقصة دعم المجموعات المسلحة السورية ضد داعش وعدم التعاون مع الحكومة السورية .. أي بدل ايقاف الدعم عن الفوضى في سورية وتجفيف بيئة العنف والسلاح والاقرار أن الثورة السورية هي الارهاب وهي جذر داعش وأن الدولة السورية هي الكفيلة بتدمير داعش وأن داعش مرتبطة بمشيمة تركية .. فانه يقرر قتل داعش بحقن وريدها الرئيسي (المتمثل بالمعارضين السوريين والنصرة) بالسلاح والمال والدعم اللوجستي وبمزيد من المتطوعين .. الذين على مبدأ الأواني المستطرقة سينتهون الى أنبوب داعش .. أي أن غوار الفرنسي اشترى الثلاجة وهو في طريقه لشراء الشقة .. والبناية .. والشارع .. من أجل كيلو كباب الارهاب

    الغريب أن الدول الغربية تعمل بنفس منطق شركة غوار الطوشة .. وهي تريد صب الزيت على النار لأن ماقاله أوباما من أنه يريد محاربة داعش بزيادة توحيد "السنة" في سورية والعراق وزيادة التنسيق معهم هو بحد ذاته دعم لداعش .. لأن مشروع أوباما هو تحويل السنة في منطقة داعش أي في الأنبار والجزيرة السورية الى جمهور من لون واحد يذيب داعش في الهيولى السنية ولكنه منفصل عن محيطه تماما كما تريد داعش .. أي سيشتري الغرب ثلاجة للارهاب (للكباب) اسمها البيئة السنية ويضعها في شقة سنية في بناء الشرق الأوسط لحفظ الكباب الارهابي اسمهما الدولة السنية في العراق والشام .. الدولة السنية المزمعة ستفرض نفسها ككيان سني منفصل تتعهد فيه بقمع داعش وحفظها في الثلاجات الطائفية عبر ايجاد أول دويلة سنية في المنطقة رغم أن ما في بطنها هو داعش وفي عقلها داعش وفي قلبها داعش .. لكن جلدها اسلامي معتدل .. وهذا المشروع قد يجذب اليه اسلاميين صاروا منفصلين عن الدنيا كلها ولايرون في أنفسهم الا هوية سنية وطنية .. وانتماؤهم للمحيط الكردي والشيعي مثل انتماء الأكراد للعراق أو تركيا

    هولاند هو من مؤشرات نهاية الحقبة الفرنسية في العالم .. تلك الحقبة لتي بدأت مع نهوض عصر المستعمرات وانهارت بدخول أدولف هتلر والجيش الالماني باريس .. وقد حافظ الديغوليون على مابقي من هيبة فرنسا الدولية ومن استقلال فرنسا حيث أن ديغول كان من اشد المعارضين للنفوذ الاميريكي في أوروبة رغم دورها العسكري في هزيمة الجيش الألماني الذي احتل فرنسا .. حتى جاء شيراك وخسر الرهان على معركة العراق فقرر بيع مابقي من استقلال فرنسا وارث ديغول للأميريكيين ودخل معهم في بازار رفيق الحريري والمحكمة الدولية .. أما هولاند فانه أكثر الرؤساء الفرنسيين ضآلة وضحالة والرجل حول فرنسا الى صبي حمام في (عالم كل مين ايدو الو) يفرك ظهر اوباما ويليّف به قفاه وينشفه بالمناشف ويصنع له الشاي بعد الحمام .. وقراءته للسياسة لاتختلف كثيرا عن قراءة غوار الطوشة للأحداث وطريقة ادارته للشركة ومناقصة الكباب .. فمناقصة "الارهاب" التي طرحها قرار مجلس الامن 2170 فهمها أولاند على طريقته وهو سيشتري ثلاجة مصنوعة من جسم المعارضة السورية لاحتواء الارهاب وسيشتري شقة للثلاجة .. اسمها الدويلة السنية في العراق والشام .. بدل الدولة الاسلامية في العراق والشام .. اي مثلما قال له المعلم أوباما الطريقة الوحيدة لمحاربة الارهاب هي في الاعتراف أن مشروع الثورة السورية هو مشروع الارهاب الأكبر وهو حاضنته وقلبه ومعدته وأمعاؤه .. وأن تركيا هي رئتاه اللتان يتنفس بهما .. وأن الوهابية السعودية هي رأسه .. وأن الاخوان المسلمين هم لسانه وبصره وسمعه .. وأن علاجه الوحيد هو الاستمتع لدروس وليد المعلم ونصائح القيادة السورية والاطلاع على الأسرار الارهابية التي صادرتها وحفظتها في خزائنها

    فرنسا جار عليها الزمن بحرمانها من الزعامات .. فالرحلة عبر الزمن من نابوليون الى هولاند لاتفسر الا على أنها هبوط في كل شيء فرنسي أنا لاأدري أصول هذا الرجل الذي يقال ان اسمه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند .. ولكن لزاما علي أن اشرح لم قلت في بداية المقال بأن أصوله أيطالية .. لكن يجب تذكر أنه بعد الثورة الفرنسية وانهيار القصور واختفاء ظاهرة النبلاء تبعثرت طواقم الخدمة التي كانت تخدم هؤلاء الملوك والنبلاء الذين كانوا مشهورين بأنهم لايأكلون الا الطعام من يد طهاة ايطاليين مهرة يسكنون قصورهم .. ولذلك فقد انتشر هؤلاء الخدم والطهاة في كل فرنسا وفتحوا مطاعم خاصة .. وصاروا فرنسيين .. ومنهم جاء أولاند .. طباخ الكباب .. الذي أضاف لرصيده في الطهي كوميدية وظرفا لاينكرهما أحد .. والايطاليون على العموم دمهم حار مثل الشرقيين ويضيفون لكل نشاط بشري نكهة من الحركة والحرارة والانفعال والدم الخفيف .. انه أولاند بن الطوشة

    مع اعتذاري الشديد لأعظم كوميدي في العالم وأحب غوار على قلوب السوريين لهذا التشبيه الذي لن يحبه .. الأستاذ دريد لحام

  • عن معادات امريكا

    («عدوّنا هو الغرب» ــــ هادي العلوي)

    صاحب القول أعلاه، المفكّر الراحل هادي العلوي، كان يحمل نظرة سلبيّة وماهويّة تجاه الغرب، بمعنى أنّه حاجج بوجود شيء «شرّير» وعدائي يكمن في جوهر الحضارة الغربية وثقافتها وتطوّرها التاريخي. والعلوي يكمل كلامه واصفاً الغرب بـ«... عدوّ البشريّة الاوحد، وأداته الضاربة في عدوانه المستمر على البشرية هي الولايات المتحدة الأميركية».بعبارةٍ أخرى، كان العلوي يضع البشرية في كفّة، والغرب في كفّة مضادة، كأنّه الاستثناء ومصدر كلّ الشراسة في العالم. هنا شيء يشبه «اكتشاف» كلود ليفي ستراوس في «مداريات حزينة» لوداعة وعمق وتنوّع الحضارة الاسيوية في الهند والصين، مقابل الشّرق الاسلامي المنغلق والعدائي والرتيب، والذي وقف حاجزاً في وجه تلاقحٍ حضاريّ وجميل بين أوروبا وآسيا. يؤكّد ليفي-ستراوس انّه كان ممكناً لولا أن الاوروبيين قد اضطروا لبناء حضارتهم وهم محاطون بالمسلمين الاجلاف (بمعنى آخر، حتّى عنف الاستعمار الاوروبي ووحشيته في وجه الهنود والصينيين تفسرهما جيرة الاوروبيين للحضارة الاسلامية!). ولكن اذا ما ابتعدنا من هذه الرؤى الجوهرانيّة، فانّه لا يوجد، للوهلة الأولى، أيّ سببٍ بنيوي وحتميّ للشّقاق بيننا - كعرب - وبين الغرب. نحن لا نملك أطماعاً في أراضيهم ومشاريعنا لا تتضمّن تغيير نظام الحكم في واشنطن أو الهيمنة عليه (البعض ما زال يحلم بالأندلس، ولكن بالامكان وضع هذه الأمثلة المتطرّفة جانباً في هذا النقاش). بل انّه من الممكن - نظريّاً - عقد علاقات تعاون وصداقة ومنفعة متبادلة مع دول المركز الغربي، ففي نهاية الأمر، نحن نملك نفطاًَ نحتاج لأن نبيعه، وهم يملكون تكنولوجيا يهمّنا أن نحصل عليها، فلما العداء؟ في الفلسفة السياسية لآلان باديو، هناك مفهومٌ يتكرّر عن «مفاصل» محوريّة في المجال السّياسي واسئلة مركزيّة، لا تكمن أهميتها في ذاتها فحسب، بل في تأثيرها على مجالاتٍ أخرى كثيرة وتشابكها معها، فتصير هذه الخيارات حاسمة في تحديد شكل المجتمع السّياسي ككلّ. تشبه فكرة باديو المفهوم الماوي عن التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، وهو استوحاها من الماوية بالفعل؛ وهذه المحاور عنده تشمل، مثلاً، الخيار بين المساواة والمجتمع الطّبقي، أو بين الملكية الفردية والشيوعية، فبالنّسبة لباديو، يكفي أن تتخلّى عن الفرضيّة الشيوعيّة حتى تخضع، بالمعنى الفلسفي، «لاقتصاد السّوق والديمقراطية البرلمانية - أي نظام الدولة الذي يوائم الرأسمالية -، وللطابع «الطبيعي»، أو الذي لا يمكن تجنّبه، لأكثر الاشكال وحشيّةً من انعدام المساواة».

    الخاسر الأوّل من «وهم التصالح» كان من دون شك تنظيم «الإخوان» في المنطقة

    علاقتنا مع اميركا تجوز مقاربتها عبر هذه النّظرية. نظراً لوضع النّظام العالمي، والاختراق الاميركي في منطقتنا، فإنّ الخضوع أو «التأقلم» مع الهيمنة الأميركيّة لا يؤثّر فقط على علاقتنا بالمنظومة الغربية، ولا يقتصر على التضحية بجانب معيّن من السيادة الوطنية، بل هو تنازلٌ ينسحب على كلّ الملفّات الأخرى، من السياسة الخارجية إلى النظام الاقتصادي إلى فلسطين، وحتّى في ما يتعلّق بنوعية النّخب التي تحكم البلاد. الصراع مع الهيمنة الأميركية هو المعركة التي تختصر كلّ المواجهات، داخليّاً وخارجيّاً، والخضوع - بالمقابل - يدخلنا في مسارٍ شامل لا فكاك منه.

    وهم التصالح

    يمكن للمرء أن يتفهّم قيام شاب مصريّ «مثقّف» بمساءلة مفهوم الامبريالية، وبالتشكيك في كون روسيا وقوّتها على الساحة الدولية تختلف نوعيّاً عن نمط الهيمنة الاميركي، نقاشات كهذه مطلوبة ومفهومة، ولكنها تغدو غريبة ومستهجنة، وخارج المكان حين تكون اميركا هي القوّة الّتي رسمت لهذا الشاب ماضيه السياسي، وفرضت عليه نظامه الاقتصادي، وسيّرت بلاده وخياراتها في كلّ المجالات خلال العقود الماضية. منذ قيام الثورة المصريّة ظهرت نزعة لدى العديد من الناشطين المصريين تتجلّى في «تجنّب» المواجهة مع الدور الاميركي في بلادهم، أو حتّى نقاشه، واعتباره «طبيعيّاً»، أو القول بأنّ المجابهة غير ممكنة، أو انّه من المتاح تأجيل هذا السؤال الصعب وبناء نظامٍ سياسيّ حرٍّ وجديد تحت السقف الأميركي وبالتفاهم مع واشنطن. حقيقة الثورة وجذريتها تنتهي أمام انعطافات كهذه، هناك دائماً أسئلة صعبة ومواجهات مكلفة ولكنّها، تحديداً، ما يعطي الثورة مغزاها ومعنى القطع الفعلي مع الماضي ودينامياته وترسباته. بدلاً من أن تكتسب الثورات العربية معنىً جذريّاً حقيقيّاً، تكون المواجهة مع منظومة التبعية الخارجية في قلبه، جاءت بروباغاندا مصادرة الثورات وتدجينها وتزييفها (وهي لم تكن أقلّ أذىً من «الثورة المضادة» ذاتها) لتشيع وهم أنّ الثورة ممكنة بالتصالح مع الوضع العالمي القائم، بل إنّ الاصلاح يجب أن يجري بالتفاوض معه ومع ممثليه! هذه الحالة من «الجهل المريح» لا تغيّر الواقع وموازينه، ولكنها تشوّه الوعي وتنفي الفعل السياسي. هناك كتب كاملة كُتبت عن الثورات العربيّة ومصائرها، في تونس ومصر واليمن، لا تجد فيها أثراً للدور الأميركي، أو يجري الكلام بشكلٍ عمومي ومبهم عن «السفارات» و«الحكومات الغربية» (فتصير الولايات المتحدة وبلجيكا، مثلاً، فاعلين متساويين). هذا المزيج من التبسيط والتواطؤ هو الذي سهّل للأميركيين التحكّم بالعملية السياسية وادارتها في تونس وليبيا ومصر، من خلف الكواليس، وهو الّذي جعل العملية السياسية المحلية في هذه الدول متمحورة حول استمالة القوى الغربية وعقد الصفقات معها. مرسي جاء بصفقةٍِ مع اميركا، وخُلع بموافقتها، والسيسي زايد على «الاخوان» في خدمة المصالح الاميركيّة، فصار محظيها الجديد. لا شيء يدلّل على حالة الجهل المقصود كاقتناع الكثير من جماهير السيسي بأنّ رئيسهم يحكم في «تحدٍّ» لأميركا، مصدّقين القصص المسرحيّة عن «وقفات» السيسي في وجه واشنطن، ومن أطرفها ادّعاء أنّ السيسي سيتسلّح من روسيا بغية الخروج من دائرة الهيمنة الاميركية (وبتمويلٍ خليجي، تقول الروايات، أي أن السعودية والامارات، في العالم الذي يعيش فيه البعض، سوف تسهّل صفقات مع روسيا بهدف تفتيت النفوذ الاميركي!). يكفي أن نستمع الى رأي الجنرالات الإسرائيليين والاميركيين في نظام السيسي، وامتداحهم الدائم للتعاون غير المسبوق للحكومة المصرية مع إسرائيل في قمع الفلسطينيين، حتى نفهم مركزيّة الدور المصري لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. الخاسر الأوّل من «وهم التصالح» هذا كان، من دون شك، تنظيم «الإخوان» في المنطقة. الخسارة الكبرى للاخوان لم تكن في انحدار نفوذهم السياسي فحسب، وهم كانوا يمسكون بقياد الحكم في بلدان عربية عدّة قبل سنة ونيّف، فصاروا تنظيماً مقصيّاً ومطارداً. الخسارة الحقيقية لـ«الإخوان» تمثّلت في انّ استراتيجيّتهم للحكم بالتفاهم مع اميركا أوصلتهم الى خسارة السلطة والموقف المبدئي في آونة واحدة، بعد أن كان «الإخوان» المصريين، في الماضي، يحملون ادّعاءات راديكالية، نقدية تجاه القوى الغربية وإسرائيل، وضد النظام السياسي والاجتماعي القائم، لم يعد بإمكانهم العزف على الوتر نفسه، بعد أن وافقوا على السير في درب «كامب ديفيد»، وعدم تحدّي النفوذ الاميركي، والتواصل مع «إسرائيل»، وكلّ ذلك من أجل الوصول إلى الحكم - الذي لم يلبثوا أن خسروه نتيجة لـ«صفقة» عقدها الاميركان مع غيرهم. حتّى اليوم، في الذكرى السنوية لمجزرة «رابعة»، يستنكف «الإخوان» عن توجيه نقدٍ حقيقيّ ومباشر لأميركا، أقلّه على ما فعلته بهم. هم يعرفون جيّداً أن من كان يقتل مناصريهم في الميادين، ويعتقل قادتهم وناشطيهم، هي فعلياً السياسة الأميركية لا السيسي. هم يدركون أنّ الولايات المتحدة انقلبت عليهم وعلى أيّ مفهومٍ للتمثيل الشعبي في مصر، وهم لا يزالون - مع الأسف - يأملون بعدم خسارة الرضا الأميركي ولا يريدون اغلاق الطريق على تفاهم جديدٍ في المستقبل يعيدهم الى منصة الحكم. من تداعب خياله خططٌ من نوع «استخدام» اميركا واستغلال «تلاقي المصالح» معها، وهو يظن أنّه «يضحك» على الاميركيين ويتذاكى عليهم، ليس له الّا أن يقرأ تجربة «الإخوان» ومصيرها. المصيبة الحقيقية اليوم، لمن ينظر إلى الساحة الاسلامية، تتمثل في أن «داعش» أضحى التنظيم الاسلامي الوحيد في المنطقة الذي يحمل موقفاً جذرياً من السياسة الأميركية، فيما أغلب الاسلاميين الباقين قد اختُرقوا وحُيّدوا، بعضهم دخل في صفقات تحت الجناح الأميركي والبعض الآخر يقاتل بأمر غرف العمليات في تركيا والأردن التي تديرها الـ«سي اي اي». هذا الواقع، لوحده، كفيلٌ بتحويل «داعش» الى القناة الوحيدة لجذب الشباب الاسلامي الذي يرفض الهيمنة الأميركية (بطبيعة الحال، فإنّ راديكالية «داعش» في وجه اميركا ما هي الا امتدادٌ لتطرّفه في التعامل مع المخالف القريب والبعيد - وهو لن يطاول اميركا، ولكنه في ديارنا).

    ثمن الانشقاق

    المسألة هنا ليست على طريقة توصيف «نعوم تشومسكي» لعلاقة الفرد مع النظام الرأسمالي، حيث تنازلٌ صغير يجرّ آخر، حتّى يجد الانسان نفسه وقد صار غارقاً في نظام السوق وعقليّتها، وفي حالة اعتمادٍ لا فكاك منها، بل هي تتعلّق بكامل البنية التراتبية التي تحكم علاقة اميركا مع باقي العالم. في أزماننا هذه، انت ان لم تكن تملك ترسانة نووية، أو بلداً بحجم قارّة كالصين أو الهند، فإنّ مصيرك الطبيعي هو الالحاق ضمن المعسكر الاميركي ومنظومته العالمية. لا توجد علاقةٌ في الساحة الدوليّة لا يحكمها منطق القوّة. روسيا تكتشف اليوم أنّ كل المؤسسات العالمية، وصولاً إلى أنظمة تحويل النقد وخوادم الانترنت والمحاكم الدولية، سوف تتحوّل إلى أسلحة ضدّك لدى أوّل اختلاف مع السياسة الاميركية (حتّى لو كان مردّ الخلاف أنّ الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة قاما، بشكلٍ علني، بتشجيع وتشريع انقلابٍ ضد الحكومة المنتخبة في اوكرانيا، شعاره الأساس معاداة روسيا). لهذا السبب تنهمك روسيا اليوم في انشاء مؤسسات بديلة للتعاملات المصرفيّة وتبني الصين وإيران شبكات انترنت وطنية، لا تمرّ عبر خوادم خارجية ولا يمكن قطعها أو التأثير فيها بسهولة (والصين أصرّت، منذ بداية عهد الانفتاح فيها، على ابقاء التعاملات المالية مع الخارج تحت سيادة الدولة حصراً). هذه البدائل لن تكون أكثر كفاءة من المؤسسات المعتمدة عالمياً، ولكنّها السبيل الوحيد لحماية هذه الدول من مصير كوريا الشمالية - بمجرّد توقيع زعماء غربيين على سلسلة قوانين وعقوبات. في عالمنا هذا، كلّ الخيارات صعبة، ولا معنى هنا للتدثّر بتعابير فضفاضة واستسهالية مثل «معاداة الامبريالية»، يمكن لأيّ كان أن ينضوي تحتها؛ اذ لا يوجد بالمعنى العملي شيءٌ اسمه «معاداة الامبريالية»، يملك بنية واضحة، وعقلاً مركزياً يخطط، ويشمل قوىً قادرة على مقارعة الامبراطورية. كما انّنا لم نعد في الأيّام التي كان الزعماء العرب فيها، كصدام حسين وحافظ الأسد، يحاولون «اللعب على الحبال» واستغلال التناقضات بين المعسكرات الدولية بغية تحصيل مكاسب من الجهتين. صارت الهيمنة الأميركية مباشرة وآمرة، من يراقب تفاعل الإدارة الأميركية مع الأنظمة التابعة لها في منطقتنا، أو يقرأ ببساطة وثائق «ويكيليكس»، يدرك أن العلاقة تقتصر على تقسيم المهمات، حيث تعيّن الولايات المتّحدة، لكلّ «حليفٍ» لها، دوراً محدداً ضمن الاستراتيجية الاميركية في اقليمه، وما عليه الا التنفيذ. قد يحاجج البعض بأنّه من الأسلم دخول هذه العلاقة غير المتكافئة، وتجنّب كلفة التحدّي، وأن نحاول أن نتبع مسار دولٍ ككوريا وتايوان واليابان، تمكّنت من تحقيق التنمية والتقدّم عبر التعاون مع النظام المهيمن بدلاً من الخروج عليه. ولكن من الضروري هنا أن نعي جيّداً شروط الخضوع في منطقة كالشرق الأوسط، وما اذا كنّا مستعدّين لاحتمالها: التصالح مع اميركا، مثلاً، يعني مباشرةً أن ننسى فلسطين وتحريرها، وأن نُخضع اقتصادياتنا لمشيئة المؤسسات الدولية، ونحن لا نملك طبقات برجوازية قديمة - كما في إيران والهند مثلاً - لديها مصلحة في الاستثمار الوطني وتنمية البلد، ولا نملك (كاليابان وتايوان وكوريا) ارث دولة مؤسسية متمرّسة في الإدارة. بمعنى آخر، فإنّ ارساء النظام الاميركي لدينا لن يعني إلا ادامة حكم النخب القاصرة والطبقات الناهبة والفئات المتحالفة مع الخارج. الخيار هو ليس بين الخضوع الكامل لأميركا أو العداء النهائي معها، بل هو يتعلّق بمستوى التنازلات الذي تقبل به، و- وهذا أهمّ - النيّة الأميركية نفسها، التي قد لا تكون تصالحية أو قابلة للمساومة. في حالة إيران مثلاً، وهذه نقطة يجب تكرارها حتى نفهم حقيقة الموقف الايراني من السياسة الدولية، لم تكن إيران - برغم ارث حرب الخليج - في وارد الصدام مع الولايات المتحدة، وكانت بياناتها الرسمية (ولم تزل) تدعو باستمرار الى علاقات جيدة مع اميركا وغيرها من الدول الغربية. بل إن ايران كانت مستعدّة لتقديم تنازلات جدية في هذا الاطار، وفي إيران أصلاً نخبٌ وطبقات تسعى بحماس الى دخول منظمة التجارة الدولية وفتح العلاقات التجارية مع الغرب وتلزيم قطاع الطاقة في إيران للشركات الغربية. من هنا، لا يستغرب التفاوض الاميركي - الإيراني ومحاولات التقارب بين الحكومتين إلّا من يعتمد الصورة النمطية التي خلقتها أميركا عن إيران، ويجهل حقيقة التفكير السياسي الإيراني. جلّ ما أراده الإيرانيون هو أن تكون العلاقة مختلفة عن النمط «الاختراقي» الفوقي الذي يحكم صلة العديد من الدول الصغيرة باميركا - بمعنى آخر، أرادت إيران من أميركا أن تعترف بها كـ«قوة اقليمية»، لها درجة من الاستقلالية، وسياسات خاصة بها في منطقتها والعالم، والحقّ في مدّ نفوذها وعلاقاتها في الدول المجاورة (وبعد ما فعله جيران إيران بها خلال حرب الخليج، لا يمكن أن نلوم الإيرانيين إذا ما خالطهم قدرٌ ما من البارانويا، وسعوا الى حماية انفسهم من محيطهم). أميركا هي التي لم تقبل بهذه الصيغة، فبدأت، من جانبٍ واحد، بفرض العقوبات على إيران في عهد كلينتون (من دون سبب مباشر)، وأطلقت علناً سياسة «الاحتواء»، حتى جاء عهد جورج بوش الذي وضع إيران في «محور الشر»، ونزع الشرعية عن النظام الإيراني، وجعل من تغييره هدفاً رسمياً للسياسة الاميركية - هكذا ابتدأت المواجهة.

    خاتمة

    في العقدين الماضيين، كانت الهيمنة تمارس نفوذها وحروبها وغزواتها تحت ادعاءات قانونية وانسانوية كونيّة، تصوّر أفعالها دائماً على انّها تجسيدٌ للشرعية الدولية ولمفهوم العدالة والمصلحة العامة. بطبيعة الحال، الكثير من النخب في العالم الثالث استنسخت هذه المفاهيم عن «الشرعية الدولية» و«المجتمع الدولي» وصدّقتها وجعلتها جزءاً من ثقافتها ونظرتها الى العالم. ولكن، مع تقلّص القوة الغربية وقدراتها، تبدأ هذه «المبادئ» والشرائع بالانحلال، بالتوازي مع انحسار القوة المهيمنة. الراحل الكبير هادي العلوي كان يفترض أنّ زوال سطوة الغرب كفيلٌ، في ذاته، بتغيير مسار الحضارة الانسانية، وفتح احتمالات جديدة للحياة البشرية، اقل مادية واكثر تحرراً. ولكننا انسجاماً مع رفض الجوهرانيّة، سننطلق من فكرة أنّ البشر متشابهون، وأن لا ضمانة في أنّ العالم الجديد الذي يتشكل اليوم سوف يكون أفضل وأكثر اخلاقية من سابقه. بالفعل، على مستوى معيّن، فإنّ التعامل مع دولٍ كروسيا والصين لا يختلف جذرياً عن العلاقة مع الدول الغربية. الروس والصينيون والإيرانيون وغيرهم لا يختلفون، في نهاية الأمر، عن الغربيين في براغماتيهم وسعيهم خلف مصالحهم، وفي قدرتهم على الاعتداء والأذى، ولكنّهم حين يفعلون هذه الأمور، على الأقل، فإنّهم لا يفرضونها علينا تحت اسم العدالة والشرعية والحضارة.

    * من أسرة «الأخبار»

  •  عودة الحرب الباردة؛ الجيش الأحمر في سوريا؟ 

    تتجه روسيا إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية؛ ستعتبر الولايات المتحدة والناتو الخطر الرئيسي المحتمل. هذا هو العنوان العريض؛ يستلزم ذلك وقف التعاون في التسليح والتنسيق العسكري والأمني مع الدول الغربية، وسيكون بإمكان القوات الروسية القتال خارج الأراضي الفدرالية؛ ضد القوى التي تهدد الناطقين بالروسية ومصالح موسكو، كما ضد القوى الإرهابية.وصل الروس إلى قناعة راسخة بأن الغرب لا يريدهم شركاء، ولا مستقلين؛ بل يخطّط لمنع روسيا من التحوّل قطباً دولياً. ردّ الناتو في أوكرانيا على التحدي الروسي في سوريا في سياق هجوم منسق على الغلاف الجيوبولوتيكي لروسيا؛ عضويات وصواريخ وأسلحة وجنود الناتو على الحدود؛ كأنه سعي لحصار عسكري يرافق الحصار الاقتصادي. بذلك، لا تعود الحرب الباردة فقط، بل حرب نصف ساخنة. لن تقف التطورات عند استحداث عقيدة دفاعية جديدة، بل لا يمكن لموسكو أن تتجاهل ضرورة العودة إلى عقيدة اقتصادية قديمة ــــ جديدة، تقوم على نمط لم يتبلور بعد من رأسمالية الدولة القومية، وتسريع الإطار الاقتصادي الدولي المنافس للغرب، أي مجموعة البريكس، والشراكات مع دول أخرى، أهمّها إيران. يدعم الروس طهران في الملف النووي، وهناك عقود في مجالات عدة، منها بناء مفاعلين نوويين جديدين، وثمة تطابق في وجهات النظر حول مجمل القضايا الدولية والإقليمية. لكن موسكو ليست واثقة، بعد، من أن الإيرانيين سيحسمون خياراتهم الاستراتيجية؛ هناك تيار إيراني يغازل الغرب، ويفضّله، وتيار آخر يغازل الإخوان المسلمين والاسلاميين الذين يعتبرهم الروس خطاً أحمر. في المقابل، ستتجه الولايات المتحدة إلى إغراء إيران؛ فالتحالف الروسي ــــ الإيراني يشكّل كارثة للغرب في منطقة تمتد من أفغانستان إلى لبنان. يمكن للدولتين الحليفتين أن تفرضا شروطهما كما في سوريا. على المحك الآن، مقاتلة «داعش» والتنظيمات التكفيرية: هل سيتم السماح لواشنطن بتجميع حلفائها الإقليميين ــــ بمن فيهم الإسلاميون «المعتدلون» الذين يحاربون النظام السوري ــــ في ائتلاف ضد «داعش»، يخلط الأوراق، ويعيد صوغ هيكلية النفوذ الأميركي في المنطقة؟ هل ستكون إيران عضواً واقعياً في هذا الائتلاف؟ أم يمكننا التنبؤ بائتلاف روسي ــــ إيراني ــــ سوري، ينتقل من التنسيق السياسي والدعم والتسليح إلى عمل عسكري مشترك؟ يسعى باراك أوباما إلى بناء ائتلاف مضاد للإرهاب، يضم دولاً قدمت للمجموعات الإرهابية الدعم المالي واللوجستي والتدريب والتسليح... الخ، كالسعودية وقطر وتركيا والأردن، بالإضافة إلى تنظيمات إرهابية تعمل في سوريا. إنها، في الواقع، عملية ضبط بالقوة وإعادة توجيه تنظيمي للإرهاب نحو الالتزام بخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، في حرب طويلة تسمح للأميركيين بالتدخل حيثما يريدون؛ هل تقف موسكو مكتوفة الأيدي، خصوصاً أن إعادة توجيه الإرهاب ستشمل، الآن، الأراضي الروسية؟ تهتم روسيا اهتماماً خاصاً بمصر، الحليف القديم والبلد الذي حصل الآن على حيّز من الاستقلال في الحركة، خارج النفوذ الأميركي. لكن القاهرة لا تزال في وضع ملتبس وغامض في علاقاتها الدولية. تصوّروا أن مصر غير مدعوّة بعد للانضمام الى الائتلاف الأميركي ضد الإرهاب، بينما تعتمد السعودية، بالدرجة الأولى، على القوة المصرية، للتوازن مع إيران، ولدرء خطر «داعش». «داعش» تشكل خطراً حقيقياً على الكيان السعودي؛ فهي تستعيد وهّابيةً أولى صافية من التعديلات والضغوط الملكية: «داعش» تمثّل، من جهة، التجسيد الحيّ للثقافة العميقة المسيطرة في السعودية، وتختزن، من جهة ثانية، مزيجاً من الاحتجاجات الشعبية والقبائلية. ويعرف آل سعود، قبل سواهم، أن انقلاباً «داعشياً» هو حدث ممكن في المملكة: هل تواصل الرياض الثقة بالحماية الأميركية، أم تتجه إلى استدعاء الجيش المصري، خارج الائتلاف الأميركي، وبدعم تسليحي روسي؟ هل يمكن استمرار السماح بتداخلات من هذا النوع: تفاهم أميركي ــــ إيراني وتفاهم روسي ــــ مصري، وتنسيق واقعي مع دمشق ضد «داعش»؛ أم أن الحرب الباردة، ستعيد ترتيب الاصطفافات على أساس مواجهة مفتوحة بين معسكرين متصارعين لا يسمحان بالتشريك حتى الميداني؟ العقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا، ستحسم، نهائياً، القضية السورية كقضية أمن قومي بالنسبة لموسكو؛ لم يعد ممكناً. ليس فقط التسامح إزاء امكانية خسارة الحليف الثابت الوحيد في المنطقة، بل أكثر بكثير: لم يعد ممكناً السماح بإطالة الحرب السورية واستنقاعها، كما في المخطط الأميركي؛ يفرض ذلك، انتقالاً من مرحلة الدعم السياسي وتكثيف التسليح، كماً ونوعاً، إلى مرحلة المشاركة. سبق للطيارين الروس أن قاتلوا في سماء القاهرة ودمشق ضد العدوان الإسرائيلي. يمكنهم الآن العودة للقتال ضد الإرهابيين. يمكن، أيضاً، أن يتحمل الجيش الأحمر مسؤولية الدفاع عن الساحل، بما يسمح للقوات السورية، التحشيد لمعارك فاصلة في الشمال والجزيرة الفراتية. تخطى النظام السوري مرحلة الخطر منذ زمن؛ لكن سوريا مستقرة موحّدة آمنة قوية، يُعاد بناؤها بروافع روسية صينية إيرانية، أصبحت، اليوم، ضرورة استراتيجية عاجلة للعقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا.

  • كلكم داعشيون ارهابيون أيها الاسلاميون!

    منذ ان اعلن ابو بكر الداعشي خلافته ظهرت علينا التصريحات الرسمية، وغير الرسمية. الدينية، وغير الدينية، من مسؤولين كبار وصغار. من صحفيين، وكتاب، وطلبة دين، و...و... كلها تتبرأ من داعش، ودولتها الاسلامية. وكأن الدولة الاسلامية ظهرت اليوم، بعد احتلال(غزوة) الموصل، وليس بعد الاحتلال الامريكي للعراق. متناسين ان المقبور الزرقاوي اعلن دولته الاسلامية في العراق منذ 2003 واعلن نفسه اميرا على المؤمنين. متناسين، ان الظواهري، وقبله الملا محمد اعلن نفسه خليفة على المسلمين، واوجب الطاعة له على كل مسلمي الارض. كأن الزرقاوي، والبغدادي، والمصري، والافغاني، وغيرهم لم يذبحوا الاف العراقيين، لا لشئ، الا لانهم عراقيين. كأن داعش لم تغير اسمها سابقا، وتمدد دولتها الى الشام فتصبح الدولة الاسلامية في العراق والشام، بعد ان كانت دولة العراق الاسلامية. ذبحت من السوريين الالوف، وشردت الملايين. نسى هؤلاء السفلة، انهم سلحوا، ومولوا، وسهلوا دخول القوات المغولية الى سوريا، اولا ثم نقلوها الى العراق بعد تواطئ البرزاني، والمالكي معا بغضا، ونكاية ببعضهما. تناسى الطائفيون من كلا الطرفين ان مليشياتهما تقاتلوا، وتذابحوا باسم الدين، والمذهب في شوارع بغداد، والبصرة، وسامراء، والنجف، وكربلاء، والموصل، والانبار، وغيرها. كل زعيم فيهم اعلن نفسه خليفة على قومه، واميرا للمؤمنين. بماذا تختلفون عن داعش ايها المنافقون فانتم تكفرون بعضكم، انتم تقبلون العبودية، وتجيزون الحريم، والجواري، وتزويج القاصرات. ملوك، ورؤساء الدول، وامراء الخليج، وشيوخ الدين من اقصى العالم الاسلامي الى اقصاه تمتلأ قصورهم بالحريم، والجواري، والسبايا. ينامون على الحرير، ويتضور ملايين المسلمين جوعا. يموت ملايين المسلمين في مجاعات تكفي لمنعها ما يرمى يوميا من فضلات في دولة الامارات وحدها. لقد استقدمتم "الكفار" لتقاتلوا بهم اخوتكم في الدين. جمعتم الاسلحة في الجوامع، والحسينيات، واستخدمتم مكبرات الصوت في جوامعكم لحث الناس على قتل بعضهم، وسحق بعضهم، وذبح بعضهم، واكل اكباد بعضهم، وافناء بعضهم، وسبي نسائهم. بدل الدعوة الى السلام، والوئام، والمحبة، والتعاطف، والرحمة. القيم، التي، تدعون ان نبيكم، وقرآنكم بشرا بها، ودعا اليها. الم تفجر الاحزاب الاسلامية في العراق، مثلها مثل الاخوان، والقاعدة، والجهاد، وجبهة الانقاذ، وغيرهم من الاحزاب، والجماعات الاسلامية مؤسسات، ودوائر دولهم بمن فيها من مسلمين، وغير مسلمين، نساءا، ورجالا، شيوخا، واطفالا؟ قاموا بذلك، ويقومون، قبل ان يفتى بن لادن، وغيره من الارهابيين بجواز ذلك. الم تتعرض الاقليات الدينية، والطوائف الاخرى الى الطرد، والخطف، والابتزاز، والتهجير، والتصفيات على يد نفس المليشيات، التي تدعي الان انها تحارب داعش. تحاربها بنفس طريقتها، على شكل ارهابها، لا احترام للاسرى، ولا معالجة الجرحى، ولا صيانة للمدنيين، بل قصفهم  بعكس ما تقضي قواعد، وشرائع، واصول الحرب الدولية، التي يدعي المسلمون انها استبطت من خطب ابو بكر، وعمر، وعلي، مع العلم، ان الثلاثة عاملوا خصومهم باشد قسوة. واخذوا نسائهم سبايا، واطفالهم عبيدا. كلكم مثل داعش تتبنون فكرا متخلفا، ونهجا ظلاميا، وحكما ظالما. تحنون الى الصحاري، والكهوف، والغزوات، والغارات، والفتوحات، والاحتلال، والسبي، والجواري، والحريم. في كل حروبكم قديمها، وحديثها مارستم القتل، والنهب، والسلب، والخطف، والاغتصاب، والاعتداء، والايذاء، وقطع الرؤوس، وتشويه الاجساد، وفقأ العيون، والجلد، وقطع الاطراف، ورجم النساء، وحرق الاحياء، وصلب المعارضين، وشلخ الثائرين. تسعون جميعكم لالغاء كل مظاهر الحضارة الانسانية، والتمدن البشري، والتطور العلمي. تقومون بمحاربة الفن، والثقافة، والجمال، والعلم، والبحث، والاكتشاف، والتفكير الحر. تمنعون، الموسيقى، والغناء، والمسرح، وتحتقرون المرأة. تقتلون، وتسجنون، وتبعدون، وتحاربون، وتغتالون الثقافة ورجالها، وما اكثرمن سقط منهم تحت حكم الاسلاميين في بغداد، وطهران، والرياض، والخرطوم، وكابول. تريدون، بل تقومون فعلا بجر البلدان، والمجتمعات قرونا الى الوراء. محاربة المرأة، وتهميشها، والتضييق على حرياتها، وتسفيه عقلها، والاستخفاف بامكانياتها، بل سلب حياتها، ودوس كرامتها، واعتبارها عورة، حتى استعبادها، وبيعها سلعة في سوق النخاسة. حرمانها من التعليم، والسفر، واختيار شريك حياتها، وحضانة ابنائها، والتزوج من، وتزويج الاطفال، وتشويه اجسادهن عبر ختان البنات. نشر الدعارة الاسلامية باسم زواج المتعة، والمسيار، والعرفي، ورضاعة الكبير، وجهاد النكاح، و...و...!  الم تفرضوا الحجاب على غير المسلمات؟ الم تمنعوا الافطار على غير المسلمين؟ الم تمنعوا بناء الكنائس؟ الم تهدموا، وتحطموا الشواهد الحضارية؟

    المليشيات اداة حرب، وقمع بيد الحكام الاسلاميين من الحرس الثوري الايراني الى جيش القدس، وقوات بدر، وعصابات الحق، وجيش المجاهدين، وجند الله، ومئات الاورام السرطانية غيرها في طول البلاد الاسلامية، وخارجها!   استخدمتم المليشيات في الحرب الطائفية، حتى داخل الطائفة الواحدة، كما حصل في العراق، وكما يحصل في ليبيا، واليمن، وسوريا، ولبنان، وغيرها. لقد اوقفتم عجلة التطور في كافة مجالات الحياة، ونشرتم الفساد العلني، والمستور على كل المستويات، وبكل الصور، والاشكال، بل غلفتم الدعارة بغطاء ديني كتعدد الزوجات، وزواج القاصرات، والعودة الى عصر الجواري، والاماء، وما ملكت ايمانكم، وسبي، واغتصاب، والمتاجرة بالنساء، والغلمان. حاربتم حقوق الانسان باسم الاسلام، ونشرتم البطش، والارهاب، والرعب، والقمع باسم الله، والدين، والطائفة، والمرجعيات، والفتاوي المتخلفة. سلطاتكم الاسلامية استباحت المدن، والحرمات في البيوت، والشوارع، والمدارس، والجامعات، وكافة مؤسسات الدولة، والمجتمع، بل حتى في المعابد، والجوامع، والكنائس. منعتم، وقمعتم المظاهرات، وحولتم المدن الى ساحات حرب، وميدان صراعات دينية وطائفية. حاربتم الراي المخالف، وسحقتم المعارضة. همشتم المواطن، والمحتمع، والمنظمات المدنية، وقمع الصحافة، والاعلام المعارضان لاساليبكم الاستبدادية، وافكاركم الظلامية، واغتلتم الاقلام، والاصوات التي كشفت جرائمكم، وعرت انتهاكاتكم. بسبب سياساتكم، واخطائكم، وافكاركم، وتخبطكم، وفسادكم، وتخلفكم نشرتم البطالة بين الشباب. انتشار البطالة يغذي الارهاب، ويسهل تجنيد الشباب، وانتشار الجريمة، والمخدرات. مارستم الابتزاز، وفرض الاتاوات، والقتل، والسرقة، والنسف، والتفجيرات في اي وقت، واي مكان عندما كنتم معارضة، وعندما حكمتم. في كل بلد حكمتم، العراق، مثلا تضخمت القوى الامنيىة، والعسكرية، دون دور يذكر لها في خدمة، او حماية المواطن، ما عدا تكليف خزانة الدول اعباء جديدة، وثقيلة، وزيادة فقر المواطن، واثقال كاهله، وزيادة همومه، ومشاكله المعيشية، ومحاصرته في كل زاوية. اجهزة مخترقة يسهل شرائها، واستخدامها ضد السلطة، التي انشاتها، ومولتها، وسلحتها، ومكنتها فاصبحت سلطة داخل سلطة، ولنا في احداث الموصل، وحزام بغداد، وهروب السجناء امثلة ساطعة. حاربتم كل نشاط اقتصادي وطني، وكل محاولة للتصنيع، والاعمار، وقامت سلطاتكم العسكرية بنسف منشآت، ومواقع الشركات، التي لا تستسلم للابتزاز. انتشر الفساد المالي، والاداري، وتمدد في كل مفاصل الدولة، والمجتمع، وبذلك عشش الارهاب المحلي، والاجنبي.  بل ان عصابات الجريمة المنظمة اصبحت تستعين، وتحتمي بالاجهزة الامنية، والعسكرية للقيام بنشاطاتها بفرض الاتاوات، واخذ الرشاوي، فاصبح النظام المافيوي هو السائد، وسمة الحياة اليومية، فتهدد الاستقرار المجتمعي، وتعرضت السلطات المحلية في المحافظات الى التهديد، واصابها العجز عن تقديم الخدمات للمواطنين، فاضطر الناس الى الاساليب غير القانونية لتمشية امورهم في "دولة القانون". استغلت ذلك حتى سلطات، واجهزة الدول الاقليمة، والدولية، واصبحت تتعامل، وتتفاهم، و"تدبر" امورها عن طريق رشوة الاجهزة الامنية، والعسكرية فاستبيح الوطن، والمواطن. اقيمت واجهات لشركات تجارية، ومقاولات لفرض اتاوات علنية، والتعامل مع اجهزة المخابرات الدولية، والعصابات الارهابية بشكل علني. فضاعت الخدمات، وضاع الامن، واختفى السلام المجتمعي، بعد ان، تحولت قوات الشرطة، والامن، والعسكر الى منظمات ربحية لا علاقة لها بالمهنية، ولا مهامها الوطنية، والاخلاقية، التي "اقسمت اليمين" على ايدائها، فتعاونت بالكامل مع قوى الارهاب، واصبحت تتحرك بامرها. هذا ما قام به الاسلاميون في الشرطة، والجيش، والاجهزة الامنية. فصارت السيارت المفخخة، والعبوات، والاحزمة الناسفة، والتفجيرات الضخمة زادا يوميا للمواطن المسكين الخاضع لسلطة الاحزاب الاسلامية. واستخدمت الحواجز لاذلال، واستغلال، وابتزاز المواطن بدل حمايته، او اكتشاف الارهابيين الذي يتجاوزون الحواجز، ونقاط التفتيش دون ادنى صعوبة لزرع عبواتهم، وتفجير سياراتهم المفخخة في اي مكان يختاروه، وبالتسيق مع القوات الامنية الاسلامية. وكما هرب الاطباء، والصيادلة، والعلماء، والتجار، ورجال الاعمال من بطش داعش في الموصل، فان الاف مؤلفة من الكوادر العلمية، والفنية، والاجتماعية، والتقافية، والتقنية، والادارية، والتعليمية هربت خارج الوطن. بدل تشجيع عودة الكفاءات حورب من بقى يخدم الوطن حتى اصبح عدد الهاربين تاركي الوطن، وطالبي اللجوء عند جيران العراق، او في اوربا، وامريكا، واستراليا، وغيرها اضعاف اضعاف من هرب منهم من ديكتاتوية صدام، وحصار امريكا على الشعب العراقي.

    فبماذا تختلفون عن داعش في الموصل، وبوكوحرام في نيجيريا بغير الاسم؟ لماذا تتبرئون منهم، وتبرئون اسلامكم، الذي يجمعكم مع داعش. فكل المنظمات، والاحزاب، والسلطات، والمليشيات ذات منهج، ومنبع ارهابي واحد.

    دعوا المسلمين بدون اسلاميين تتطور بلدانهم، وتتحسن احوالهم، وتنموا قدراتهم، وتتقدم شعوبهم، ويعيشوا بامن، وسلام مع ابناء وطنهم، وجيران بلدانهم.

    افصلوا دينكم عن دولهم حتى يروا العالم بعيون مدنية بدون قيود ولا حدود

    عطلوا احزابكم، وكفونا شركم، فقد شبعنا، وكدنا ننقرض من ارهابكم!

    رزاق عبود

    30/8/2014

     

     

  • المالكي: القدرات القيادية وشراسة الاستهداف المضاد

    العراق والرسائل الدموية التي مضى على تدفقها المستمر ما يزيد على عقد من الزمن، الواضحة الاصرار على عدم الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد، لا تدع مجالاً للشك حول حقيقة ان الوضع الذي كان وما يزال عليه العراق هو وضع استثنائي بإمتياز، وإزاء حال كهذا، فمن الطبيعي أن تقترن فاعلية الإجراءات والمعالجات وجدواها بمدى تناسبها مع طبيعة المرحلة وظروفها الاستثنائية. ومن هذا المنطلق عمدت القوات الأمريكية في العراق ما بعد التغيير 2003 ولحين انسحابها نهاية عام 2011، الى مساندة الحكومات العراقية المتعاقبة في تنفيذ الاجراءات الأمنية والعسكرية الهادفة لتحرير المناطق والمدن التي سيطر عليها الإرهابيون والخارجون عن القانون أو في مداهمة أوكار التطرف وحواضن الارهاب. وفيما بعد، أي السنتين الأخيرتين تحديدا، فإن الحاجة لاعتماد النهج الاستثنائي من قبل حكومة المالكي في أية مواحهة جرت مع الارهاب، هي أكبر من أي وقت مضى، خاصة مع الفراغ الذي نجم عن الانسحاب الكلي للقوات الأمريكية في العراق.
    وفي حال التسليم بإستثنائية الوضع في أي مكان وليس في العراق وحسب، فليس من المنصف حينها اعتماد النظريات الجاهزة عند تقييم الاداء المرحلي للحكومة، بل يتطلب ذلك نهجاً يتسع لتناول تفاصيل الواقع دون اجحاف، وبما يعني رسم صورة الواقع العراقي الذي تولىّ فيها السيد المالكي الحُكم والإحاطة بأكبر قدر ممكن من الأبعاد الداخلية والإقليمية والدولية لتلك الصورة، ودلالات وآثار تلكم الأبعاد وما نتج عنها من صراعات والقوى المحرّكة لذلك. ولاشك أن التقييم بهذه المنهجية المُشار اليها يتطلّب دراسات تفصيلية من غير الممكن إيجازها في مقالِ أو بحثِ ،ولكن، مثلما أشرت في المقالات السابقة لبعض الجوانب والأطراف السياسية، لابد من الإشارة الى بعض آخر من الأمور المهمة التي لعبت دوراً كبيرا في عرقلة الأداء الحكومي تتعلق بمطالب تعجيزية في أغلب الأحيان.. فرغم أن السلطات الثلاث في الدولة قادرة على استيعاب كافة المكونات، ألا أن المتعذّر إن لم يكن هو المستحيل بعينه، أن تكون كافة المكونات والقوى السياسية على خط شروع واحد رؤوساً للدولة.. ولا يتعلّق الأمر كما هو سائد بأزمة الثقة بين المكونات العراقية، أنما يعود للتنشئة السياسية الموروثة للطبقة السياسية الحالية التي إمتهنت العمل السياسي لتمثيل هذه المكونات في مرحلة ما بعد التغيير 2003، والتي ما فتأت تنظر الى دستور الدولة والقوانين المشتقة من الأحكام الدستورية على أنها قرار ات وبيانات انقلابية تدور في فلك التوافقات والمحاصصة والأمزجة أسوة بما كانت تجري عليه الأمور في مجالس القيادات الثورية.!، ويأتي ارتهان معظم القوى السياسية العراقية للخارج الاقليمي المحكوم بالإرادات الملكية والأميرية والسلطانية ليكرّس هذه النظرة الدونية للقانون العراقي، وليجعل من كل محاولة من الدولة لتثبيت سلطة القانون وبسط نفوذها على أراضيها يُعد استبدادا وخروجاً عن المألوف.. أما الشق الآخر من هذه التنشئة البغيضة يكمن في النظر الى الدولة على أنها السلطة التنفيذية وحسب، أما بقية السلطات فهي ثانوية من حيث النظرة المجتمعية و (أقل بكثير) من الطاقات الكامنة في شخصية رؤساء الكتل السياسية.. لذلك وبإستخفاف بالغ أدّى أحد الساسة العراقيين ( رئيس وزراء سابق ورئيس كتلة في البرلمان) اليمين الدستورية كعضو مجلس نواب بعد54 يوم على أول جلسة. بل كانت وما زالت تصريحاته تتمحور حول التهديد بالإنتقال الى (صفوف المعارضة) في حال عدم تفصيل منصب رسمي تنفيذي داخل الدولة يليق بمكانته السياسية، ولا يقصد بالمعارضة للحكومة العراقية من داخل البرلمان، بل معارضة العملية السياسية جملة وتفصيلا!
    وينبغي الاشارة هنا الى المفارقة في التجربة السياسية التي تعكس بأن الشعب العراقي إذا ما قورن بالطبقة السياسية في العراق، بدا أكثر التزاماً في تأدية ما يتعلّق به من دور لإدامة المسار الديمقراطي، وأسرع استجابة لتطوير نفسه مع الواقع الجديد، وأشد إعتزازا بخياراته السياسية، وذلك ما أكدته انتخابات 2014، عندما أصدر أحد المراجع الأربعة الكبار فتوى بتحريم انتخاب المالكي، وكان الرد من قبل الشعب حاسماً وواضحا في عدم الانجرار الى ما أستدرج له في عام 2005.. ليس هذا وحسب، بل ما أن أخذ الكُتّاب والمثقفين الوطنيين العراقيين على عاتقهم إشعار الرأي العام بخطر المحاصصة وآثارها الكارثية على المصلحة العامة والأداء الحكومي، حتى دب الشعور الشعبي الرافض لها في أوساط الشرائح المختلفة، ومن هذا المنطلق، لم تلقى دعوة التحريم أذناً صاغية عندما تسلّح السيد المالكي بشعار الأغلبية السياسية عند خوضه غمار المنافسة الانتخابية الأخيرة.
    وهو عين الواقع، فقد كان اعتماد نظام المحاصصة في النظام السياسي الحديث في العراق بمثابة تسليم دفة أمور الدولة العراقية المراد تشييدها بيد حفاري قبرها، وبما جعل من الحكومات المتتالية التي خضعت لهذا النظام، تخطو نحو مراكز القرار حاملة بذور اخفاقها، وأسباب انحطاط أدائها معها.. ولسنا بصدد الدفاع عن السيد المالكي رغم الجزم بعدم وجود البديل الأنسب لإدارة المرحلة إذا ما إقترن الأمر بالخبرة المتراكمة والبرنامج التصحيحي والإستحقاق الدستوري الذي يؤهله لذلك، ولا لتبرير ما يعتقده البعض إخفاقاً في أداء حكومته، فلا شك أن الحركة في نطاق المسؤولية المحاطة بقيود المحاصصة لا يتوقع منها أن تسفر عن انجاز بمستوى الطموح، بل نسعى ما أمكن لتثبيت الحقائق والتذكير بها بما لذلك من آثار إيجابية تُسهم في تطوير الواقع السياسي وترتقي بالوعي الجماهيري ليكون أكثر حذرا من مصائد المدارس التجهيلية ومطبّات الطبقة السياسية التي حصرت مهامها الوظيفية في تصيّد العثرات الحكومية للترويج لشخوصها وأحزابها وانتهاج التصعيد للوقوف على منصة المدافعين (الأشاوس) عن الطوائف والأعراق، إعتقاداً منهم بأن فشل أو إفشال الآخر يُعد إنجازاً يُعتد ويُحتفى به وهو ما دأبت عليه معظم القوى السياسية في التعكز على المؤاخذات دون أن يكون لها أي دور ايجابي في اطار المسؤولية التي أسندت لها، ان لم تكن قد أسهمت سلبيا.

    ومن جملة المؤاخذات التي يثيرها البعض على أداء حكومة المالكي، ما يخص علاقة العراق بالمحيط الاقليمي والدولي، وفي هذا السياق ينبغي تقييم الدور الذي لعبته الديبلوماسية الرسمية وغير الرسمية في عرقلة مسار العلاقات الدولية للعراق في فترتي حكومة المالكي ما قبل وبعد الانسحاب الأمريكي نهاية العام 2011. وفي هذا الصدد يكاد يتفق جميع المراقبين على فشل الديبلوماسية العراقية المتمثلة في وزارة الخارجية العراقية التي يديرها السيد هوشيار زيباري في تقريب وجهات النظر أو تبديد مخاوف دول الجوار ذات المواقف السلبية المسبقة من النظام السياسي الجديد في العراق أو حتى التقليل من اندفاعها المستميت لتوريد الارهاب الى العراق طوال الفترة الماضية. وعند تناول المحطات الرئيسية والمهمة في عمل وزارة الخارجية العراقية، يلمس الجميع وبوضوح تقاعسا وتفريطاً كبيرين في العديد من القضايا التي تخص الشأن العراقي، وعلى سبيل المثال، بالمقارنة مع الاندفاع الواضح للوفد الأمريكي في الأمم المتحدة والسعي الحثيث للمندوبة الأمريكية آنذاك سوزان رايس لإخراج العراق من البند السابع، كنا نرى في مقابل ذلك، تثاقل أوضح من قبل وزارة الخارجية في هذا الاتجاه وبما دعا بعض الجهات الاعلامية النظر الى تلك الخطوات المتثاقلة بأنها نوع من أنواع (التواطئ) مع اللوبي الكويتي داخل الأمم المتحدة وإصطفاف واضح مع الديبلوماسية الكويتية على حساب المصلحة العراقية. وخاصة عندما تكرر الفشل الديبلوماسي الرسمي في ادارة أزمة ميناء مبارك التي تمكّن فيها الاصرار الكويتي من حسم الموقف .
    كما تعكس التصريحات الأخيرة التي أدلى بها وزير الخارجية الى وسائل الاعلام والتي وصف بها حكومة المالكي بـ (الظلم والدكتاتورية) تعكس حقيقة وجود مهام أخرى يُرجّح أن تكون (تعطيلية - تضليلية) دأب السيد زيباري على تأديتها طوال الفترة السابقة!.. وإلا فمن غير المعقول أصلاً أن يكون السيد الوزير قد عبأ الجهد الوزاري بإتجاه تأدية دور تكاملي مع حكومة بهذا الوصف (ظالمة وديكتاتورية)، وإن لم يكن الأمر كذلك، فلا يتعدى الهدف من وجوده على رأس الوزارة أبعد من ممارسة هواية السياحة والاصطياف وحسب.
    والى جانب الدبلوماسية العراقية الرسمية، فقد لعبت الديبلوماسية غير الرسمية المتمثلة في علاقات رؤساء الكتل والأحزاب السياسية بالأطراف الخارجية أدوارا سلبية في تشوية الأداء الحكومي للسيد المالكي لدى العواصم الاقليمية المعبأة بالأصل ضد النظام السياسي الجديد والساعية لإضعاف واقصاء العناصر الفاعلة والمؤثرة ومساندة الجهات الفوضوية والعابثة. فالسعودية كنموذج بارز في هذا المجال ، سخية العطاء ومفتوحة الأحضان للسيد رافع العيساوي والسيد عمار الحكيم والسيد مقتدى وغيرهم وتمتنع في ذات الوقت من مصافحة يد المالكي التي امتدت اليها مراراً، وقد تمثل ذلك بالرفض لزيارة تقدم بها السيد المالكي لزيارة الرياض عام 2008، وكذلك الرفض لطلب السيد المالكي اللقاء بالملك السعودي على هامش القمة العربية 21 في العام 2009 ، في الوقت الذي أبدى ملك السعودية الرغبة الكبيرة للتصالح مع القذافي على هامش القمة، مع ان القذافي سبق وأن مسح بالملك السعودي البلاط وعلى رؤوس الأشهاد وشاشات التلفزة وهو مالم يسبق أن صدر ما يماثله من طرف رسمي عراقي، إذن المسألة أبعد من أن تكون شخصية وأقرب الى كونها متعلقة في الرفض السعودي المطلق للنهج المتبع من قبل المالكي في محاربته التطرف والإرهاب حتى وأن كان في داخل المكون الذي ينتمي اليه .. وبذلك يأتي الرفض السعودي ليؤكد بأن النبرة التناغمية التي تتبناها وسائل الاعلام المدعومة سعوديا لمغازلة الغرب في مكافحتها للإرهاب (اعلاميا) لا تعكس حقيقة ما يجري في أروقة المؤسسة الدينية التكفيرية ودهاليز القصور الملكية من دعم ورعاية استثنائية للأنشطة الارهابية في المنطقة.
    وعند التطرق الى العلاقة مع الجانب التركي، فلم يكن أمام السيد المالكي أو أية شخصية أخرى تتبوأ هذا المنصب سوى العمل على صيانة المصلحة الوطنية والحرص على التداعيات الخطيرة التي تسببت بها السياسة الأنانية للحزب الحاكم في تركيا تجاه العراق..
    أن خسارة تركيا الى ما كانت تطمح اليه من نفوذ في دول الربيع العربي، لا يبرر لتركيا الاستدارة للإستثمار في الشأن العراقي لإستغلال ثرواته وانتهاك سيادته واتخاذه منطلقاً للسباق على النفوذ الاقليمي مع ايران.. فقد أفصحت الأحداث مؤخرا عن خطوات تركية سابقة كانت عصية على الدلالة والفهم ، ومن ضمنها انتهاك وزير الخارجية التركي أوغلو لسيادة العراق في زيارته الى كركوك عام 2012 من دون علم وموافقة الحكومة العراقية ودون اللجوء الى القنوات الرسمية والدبلوماسية، ومن ثم تصريحات رئيس الجمهورية عبدالله غل بخصوص شراء النفط العراقي وابتداعه لمصطلحات تنسب الثروات العراقية الى الطوائف والأعراق ويتعامل بها على أن العراق أو على الأقل أجزاءً منه في طريقها للإلتحاق بتركيا وبما ينفي الحاجة الى التقيد بالأعراف الدولية بين الدولتين (من وجهة نظر العثمانيين الجدد) .. حيث يقول الرئيس التركي في تصريحه :" أن ما تقوم به تركيا من شراء وتخزين لـ (النفط الكردي) لا يتعارض مع (الدستور العراقي)".. وبذلك يكون الحزب الحاكم في تركيا قد نصّب نفسه بديلا عن المحكمة الدستورية العراقية في تفسير النصوص وشرعنة الطائفية الاقتصادية في العراق.
    وذلك ما يجعلنا نتوقعاطلالة مسؤول ايراني فيما بعد يسعى هو الآخر لتسويق مصطلح (النفط الشيعي)، ونود الاشارة في هذا السياق الى الحقيقة التي يغمض البعض عينيه عنها: وهي أن السياسة الايرانية التي نجحت في دعم مصالح مكونات شيعية هنا وهناك في المنطقة أي :(التوظيف الميليشياوي للإمتدادات المذهبية) غير مثمرة في العراق وما يجعلها كذلك هو اختلاف النسبة العددية للمكون الشيعي في العراق عن ماهي عليه نسبة المكونات الشيعية في بقية المناطق الأخرى، وبما ينتج عن هذه السياسة من عرقلة للجهد العراقي الشيعي الموجّه لبناء دولة مدنية وفق نظام ديمقراطي تشكل النسبة العددية لهم فيه على أدنى تقدير ضمانة من أن لا يتعرّضوا للظلم مجددا.. ولا يقتصر الأمر عند حدود إهدار فرصة المكوّن وتعطيل دوره في بناء بلده، بل يعطي الفرصة للقوى الاقليمية الأخرى بالتكالب على العراق أيضاً وهو ما حصل ويحصل منذ التغيير والى اليوم.. ما يهمّنا في الأمر هل كانت هناك من قصدية أو ادراك مسبق لدى الساسة الايرانيون بالنتائج الكارثية الممكن أن تتسبب بها السياسة الايرانية المعتمدة في التعامل مع العراق .. والجواب على ذلك يبدو جليّا في الموقف الايراني السلبي من استحقاق السيد المالكي، في مرحلة توفرت له فيها الظروف للتحرر من قيود المحاصصة وكسر طوق الحلقة المفرغة التي ما فتأ العراق يدور فيها على مدى عقد من الزمن.. فلا يعكس الاصطفاف الايراني الأخير بوجه وضع الدولة العراقية على المسار الصحيح سوى خشية ايران من إزدواجية الهوية القومية للمذهب في حال قيام دولة مستقرة على هذه الشاكلة في العراق وبما يجعل من الواقع الشيعي بيئة طاردة للاستثمار السياسي في الجانب الميليشياوي.. رغم ادراك القادة الايرانيين بأن هذا النوع من الاستثمار وحتى مع الاعتقاد بسلامة الغايات يشكل وسيلة اغراء تحفز الآخرين للإستثمار في مجال الارهاب أيضا وتمكنهم من شرعنة الفهم الخاطئ للنصوص الدينية واسقاطها في مواضع تسئ لما رصدته تلك النصوص من قيمة عليا للإنسان في كل زمان ومكان. وبذلك لايمكن للمسؤولية عن النتائج المترتبة على ذلك الا ان تكون مشتركة بين جميع الاطراف.
    أن ما جرى من اندفاع لتجريد السيد المالكي من استحقاقه لايعكس سوى حقيقة واحدة وهي وجود توافق ضمني أو التقاء مصالح قومية لأطراف اقليمية على تعطيل العراق ونهب ثرواته وهو ليس بالأمر الجديد.. لكن الجديد في الأمر هو استدراج الجهد الأمريكي مجددا لتهديم ما أقدم الأمريكيون أنفسهم على وضع حجر الأساس له في العام 2003.وقد بات ذلك جليا في الطريقة الالتوائية التي أقدموا عليها في التضليل والتجييش السياسي للغرب والادارة الامريكية على وجه الخصوص لإزاحة المالكي عن استحقاقه الدستوري ادراكا من هذه الأطراف لما يمكن أن تشكلّه الجماهيرية المتنامية والتوجهات الوطنية من انتكاسة للمشاريع الطائفية وما تسهم به من ادامة للمسار الديمقراطي والحياة الدستورية في العراق.

    بعد منتصف ليلة الحادي عشر من اب فجر يوم الاثنين (كانت الذريعة والكذبة الكبرى) التي دار صداها أرجاء العالم، والتي زعم فيها التحالف الاردوغاني/ البارزاني (محاصرة قوات تابعة للسيد المالكي للقصر الرئاسي بالعجلات المدرعة وبما يعرض حياة الرئيس العراقي فؤاد معصوم لخطر أكثر من محتمل، نتيجة توجيه الاوامر للقطعات العسكرية بالانتشار في العاصمة والسيطرة على المناطق الاستراتيجية تمهيدا لإنقلاب عسكري من المحتمل ان يعلن عن تفاصيله عبر قناة العراقية صباح الغد ..
    وإضافة لما تتسبب به في العراق من بداية نهاية تجربة (العراق الجديد) وازاحة أبرز من يمكن ان يعوّل عليه في ادامة مسارها ، فقد كانت "حدثاً تاريخيا" كما وصفها أوغلو.. وفرصة تاريخية لتسويق الحزب الاردوغاني الحاكم بانه ديمقراطي الشرق وصمام أمانها الأوحد، وبما تنطوي عليه هذه الفذلكة السياسية من تعبئة استباقية دولية لتزكية القرارات التي يطمح اردوغان لتمريرها في البرلمان التركي مستقبلا والقاضية بتوسيع صلاحية الرئيس التركي وتشديد قبضة الحزب الحاكم على مقاليد الامور لإكمال فصول رحلة العبور نحو ضفاف السلطنة، مع الحرص على التقاط الصور مع كل ما يشير الى شخصية كمال أتاتورك كجزء من الفلكلور السياسي الذي يزيّن المشهد ويبدد مخاوف الغرب من التحول التدريجي الخفي نحو (تركيا الجديدة).. وكما فعل الاخوان المتأسلمون مع شارع الهرم في شراء بعض الحانات بدلا من اغلاق الشارع مرة واحدة ليختلط حينها الصفير بالتكبير، كذلك يفعل الحزب الحاكم في تركيا مع المؤسسات الاعلامية والصحف التي لم ينجح في تجنيدها او تحييدها على اقل تقدير.

    نعم كانت الفرصة ثمينة أناطت (تركيا الجديدة) مهمة اشعال فتيل الأزمة برئاسة كردستان لتفتعل انقرة اضطراب استثنائي على الخط الساخن مع البيت الأبيض فيضطرب هو الآخر وتضطرب معه كل القصور الرئاسية في العالم. في حين وصف الاعلام التركي بمهنية عالية وموضوعية متميزة الحدث، بما جاء على صفحات صحيفة ديلي حرييت التركية من تعبير قالت فيه : ان "هذا الامر جاء بعد ان صرح المالكي بانه سيرفع شكوى قانونية ضد الرئيس فؤاد معصوم لارتكابه خرق دستوري واضح، متهما اياه بانه تجاهل تكليفه بتشكيل الحكومة باعتباره زعيم الكتلة الاكبر متجاوزا الموعد المحدد للتكليف وهو العاشر من شهر اب".. وهو ما حدث بالضبط.. لكن، في تقديري لربما كانت هناك مسرحية من هذا النوع،فمع النفوذ الذي تتمتع به القوى السياسية وتعدد المواقع التي تشرف عليها قوات تابعة لها، فإن تكليف قوة أمنية لتمثيل هذا الدور ليس مستبعداً، ومن الممكن أيضاً ان يكون هناك قوة من هذا النوع فعلا، لكنها تواجدت كإجراء أمني احترازي للحيلولة دون استغلال الخلاف من قبل البعض لتوجيه اعتداء ما وتفجير الوضع الداخلي في العراق.. أي كان الأمر فمن جملة ما تعنيه ردود الفعل السريعة ان للرئيس العراقي فؤاد معصوم دور أساسي في مستقبل الأحداث متفق معه وعليه مسبقا، ومن الصعب تعويض الدور في حال اصرار المالكي على اعتماد السبل القانونية ومن ثم كسب القضية كخطوة أولى لإزاحة الرئيس عن المنصب.. والحال كذلك، فمن الطبيعي أن يكون الحسم غبر قابل للتأجيل ويستحق المغامرة.
    وإلاّ مالذي جعل من مجرد النية في ممارسة الحق القانوني (انقلابا) رغم ان الاعلان عن النية كان قد تضمّن تأكيدا مسبقا من قبل المالكي أمام الجماهير العراقية على الإلتزام الكامل بما يمكن أن تقرره المحكمة الدستورية العليا في هذه الشكوى. .إذن لا يُمكن وصف ما جرى سوى انه انقلاب (تركي/ عراقي- قوى المعارضة للحكومة) على الحياة الدستورية في العراق.
    ولا شك بأن الاسناد الأمريكي للزعم التركي هو الآخر لم يأت من فراغ ، وانما نتيجة تراكمات سابقة، وما نعتقده ان أهم ما يمكن ان يكون شاخصا في ذهنية صانع القرار الامريكي تجاه الحكومة العراقية هو ما تسببت بها المزايدات السياسية للشركاء والحرص الأكيد للخصوم السياسيين على الدفع بحكومة المالكي الى اتخاذ قرار الرفض للوجود الرمزي الأمريكي والامتناع عن منح الحصانة التي طلبها الأمريكيون للكوادر التدريبية والاستشارية أبان فترة الانسحاب، وهو ما أظهر العراق وحكومة العراق بموقف قد يبدو بالمقاييس النمطية للتفكير بأنه (موقف وطني) لكنه في الحقيقة، وكما نعتقد لم يكن في مصلحة الوطن وبدلالة مسار الأحداث وتداعياتها الخطيرة، ما مضى منها وماهو آت، وأبسط ما يمكن أن يُستدل به، هو أن القوة الجوية العراقية والمنظومة الدفاعية العسكريةكان من الممكن لها بوجود (المدربين والمستشارين الأمريكيين) أن تكون قد قطعت اليوم شوطا لا بأس به في التدريب والتسليح، تبعا لما يمكن ان يشكله الوجود الامريكي الرمزي في العراق من دافع للتعجيل في عقد وتنفيذ الصفقات وعامل اطمئنان لتوريد التقنية العسكرية الحديثة للعراق، إضافة الى امور ايجابية يصعب حصرها هنا. وعلى الجانب الآخر، ومن وجهة نظرنا أيضا، فقد تسبب مثل هذا الرفض والحدية في التعامل، خيبة أمل كبيرة لدى الأمريكيين لما انطوت عليه البداية (الإستراتيجية) من سلوك هو أقرب الى فض الشراكة بين الدولتين وليس التأسيس لها، فضلا عن عدم ابداء المسؤولية اللازمة تجاه مصلحة البلدين والتجاهل الرسمي التام للتضحيات المادية والمعنوية التي بذلها الطرفان لإعتماد النظام الديمقراطي في دولة فتية ما زالت تحتاج الكثير للوصول الى مرحلة تتمكن فيها من الدفاع عن نفسها بنفسها... ومن جانب الشركاء التعطيليون فقد كان الرفض بهذه الطريقة إيقاعاً لحكومة المالكي في الفخ وبضمنهم الساسة الشيعة الذين كانوا يخشون من أن يؤدي تأسيس من هذا النوع الى توطيد سلطة المالكي أكثر.
    نعم لم يكن القرار صائبا مع الاعتقاد بأن المسؤولية تضامنية في هذا الشأن ولا تتحمل حكومة المالكي وحدها سوء تقدير الموقف، لكن فيما يخص الحكومة العراقية فقد كانت مرحلة تتطلب الحذر الشديد من تجزئة الموقف أو اسقاط العواطف والشعارات الحماسية على قرارات ذو علاقة مباشرة بالمصالح العليا للبلد واستراتيجية بناء الدولة الحديثة، وتقييم الخطوات على أساس المتوقع من النتائج، عندئذ فقط كان من الممكن اعتماد قرارا يستبطن شيئا من الحكمة تسعى الحكومة فيما بعد ذلك القرار، الى استثمار دور العراقيين في الولايات المتحدة لبناء لوبي ضاغط لإدامة مصالح العراق وإسناد حكومته، كان من الممكن ان تكون بديلا عن الأجواء السائدة اليوم، وما تسبب به قرار الرفض من ايجاد أرضية خصبة للكيدية السياسية والدعاية المضادة للحكومة والدولة العراقية من قبل الأطراف المختلفة وعلى رأسها الجهات السياسية التي فقدت حظوظها لدى واشنطن بعد التغيير 2003.. وبالفعل فقد حظى الخصوم السياسيون وأعداء الديمقراطية مجددا بهامش من القدرة على لفت الأنظار والنفاذ بمزاعمه وتنازلاته المفتوحة الى مناطق لم يكونوا يحلموا بالوصول اليها مجددا.. والى جانب ذلك وفي الجهة الأخرى من الضفاف التي كان يتمركز على ربوعها الاخوة الاعداء ، فما زال الاندفاع الكبير والتواجد الاعلامي المكثف لساسة المجلس الأعلى الرافض لأي تواجد رمزي وأية حصانة للأمريكيين، وكذلك حركة التيار المقتدائي المتلازمة مع الحكيم في ذلك، نعم فان تلك المواقف الانفعالية والتشكيكية مازال الاندفاع العشوائي الذي انطوت عليه ماثلا في الأذهان. وقد رافق تلك المواقف الارتجالية، موقف أكثر انتهازية محسوب بدقة فائقة من رئيس القائمة العراقية وهو ما صرّح به مؤخرا عبر قناة البغدادية قائلا ما نصّه " كان السيد المالكي قد دعانا لإيضاح وجهة نظرنا بخصوص بقاء الأمريكيين ومنح الحصانة للمجاميع الاستشارية المتبقية وكان جوابنا له، القرار قراركم فإن قبلتم التمديد ومنح الحصانة قبلنا ذلك وأيدناه، وإن رفضتم رفضنا معكم ذلك"، وهو كلام حق يُراد به باطل، فلا يُعد ذلك تجسيدا للثقة المطلقة من قبل د.علاوي بالقرارات التي تتخذها حكومة المالكي، أبدا وعلى الاطلاق، والقضية المراد بها رأي الآخر ليست اجتماعية تحتمل مجاراة الآخر وتستلزم احيانا وضع الثقة فيه، بل وبما يمتلك د. علاوي من علاقات اقليمية ومع السعودية خاصة، لايمكن إلا التصور بأن الخطط الكيدية للحالتين مكتملة، وأقرب ما يمكن ان يتبادر الى الذهن هو أن الموافقة تعني تهيئة الأجواء لسحب الثقة المؤكد من حكومة المالكي (بوجود البلداء السياسيين والعقول الثأرية)، ومن ثم تشكيل حكومة أخرى ليس مستبعدا منها الركون الى صيغة تفاهمية أخرى مع الأمريكيين أو ضمانات من نوع آخر، ومن الطبيعي ان يكون علاوي قد اوصل في حينه اشارات ايجابية مبكرة للأمريكيين في هذا الخصوص، واشارات سلبية الى المالكي عبر الخصوم لتشويش الموقف، والهدف أساساً الوصول بالمالكي الى نقطة اللاعودة دوليا وتجريد حكومته من أي دعم أمريكي مستقبلي محتمل، بعد ان وقع في فخ التصنيف على انه قد تسبب مرتين في تعطيل الاتفاق الاستراتيجي وتفريغ البنود الاساسية من محتواتها مرتين، نعم هذا بالضبط ما يُحتمل أن يسفر عنه الجواب السعودي الذي نطق به د. أياد علاوي نتائج أو يكون بالفعل هو ما قد نتج .. وفي تقديري كان الامريكيون في حينه أكثر ثقة في قدرة المالكي على الوفاء في التزامات العراق ومن الممكن لهم استخدام نفوذهم السياسي لعرقلة سحب الثقة عنه في حال الموافقة.. على أية حال، وحتى مع صحة الافتراض، فالسيد المالكي يمتلك كامل الحق في الاعتزاز بوجوده الرسمي والسير بحذر شديد في حقول ألغام المحاصصة، حتى مع تسبب الحذر المبالغ به باتخاذ قرار لم يكن مناسبا.
    بشكل عام، أثبتت الأحداث فيما بعد، وبما لا يقبل الشك بأن قرار رفض التواجد الرمزي للمدربين والمستشارين والاصرار على عدم منح الحصانة لهم ((لم يكن موفقاً))، وقد كتبت في حينه مقالا في الرابط اسفل المقال بعنوان ( منح الحصانة للأمريكيين خطوة لا بد منها) ولم يلتفت لمثل هذه الآراء سوى قصار النظر الذين ساقوا التهم جزافا لمن تبنى آراء من هذا النوع، وبما يؤكد ان القرار بالموافقة على الحصانة كان يتطلّب شجاعة استثنائية من قبل الحكومة العراقية ، مع ذلك فإن وجود بعض القوى السياسية الدافعة الى الخلف قصداً، او المرتهنة في قرارها الى الخارج، والهادفة وما زالت تهدف الى فك الارتباط بين النظام السياسي في العراق والدعم الأمريكي، والى جانب هؤلاء أيضا أطراف سياسية أخرى تسببت البلادة السياسية والنزعة الثأرية في تعطيل قدرتهم على تحديد حجم المخاطر وإدراك مستوى التحديات بدليل ما أطلقه السيد مقتدى بتأييد مطلق من السيد عمار في مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً من وصف لما جرى من ازاحة عن الاستحقاق الدستوري بتسميتها (صولة تغيير المالكي)، تلميحاً لما أقدمت عليه الحكومة من صولة على الخارجين عن القانون.. أما السيد عمار الحكيم الذي يتباكى اليوم على مظلومية البعثيين التي تسبب بها المالكي، فقد كان هو ومن اتبعه من المجلسيين طوال الفترة الماضية والى ما قبل أسابيع، يعتمدون وبشكل أساسي في الحرب الاعلامية على الحكومة عبارة (أن المالكي قد احتضن البعثيين بطريقة تهدد الوجود الشيعي، وأن مكتبه قد اصبح الملجأ الآمن لكبار البعثيين).. ألا يعكس الانتقال المفاجئ للخطاب الاعلامي الى خانة الضد، استخفافا بعقول العراقيين وتأكيداً على ان الغايات تبرر الوسائل مهما كانت درجة الخسة والدناءة التي تنطوي عليها الوسيلة المنتقاة، فما زالت عبارة ربط البعث بالمالكي للتجني وبشكل مفضوح تتصدر واجهة المواقع الاعلامية التابعة للمجلس بدءً بموقع براثا ومرورا في صفحة عزيز كاظم علوان وليس انتهاءً بـ (أحداث سوق الشيوخ).. لكنه الفهم المغلوط للسلطة، دون ادراك منهم الى ان السلطة في العراق تمر اليوم في مرحلة لا تضيف الى من يحظى بها أي شئ، بل هي بأمس الحاجة الى من يضيف اليها الكثير، وان الثقة بالقدرات التي يتمكن من خلالها المالكي الاضافة الى محيط المسؤولية الذي جُرّد منه هو من يضعنا اليوم في موقف الدفاع عن استحقاقه الانتخابي. 
    وقبل الختام، تجدر الاشارة الى أن تركيا الاردوغانية ومن يدور في فلكها اليوم، كانوا الأكثر استهدافا للحكومة العراقية والأدق تنسيقا للمواقف التضليلية والأكبر قدرة على التجييش والاستدارج للآخر نحو استعداء طائفة وتقريب أخرى وتشويه صورة حزب واعلاء شأن حزب آخر. ومن هذا المنطلق لم يكن حريّا بالديمقراطيات العريقة الانجراف خلف الجموح التركي الذي يعكس وبشكل واضح ما تستبطنه الاستراتيجية التركية من رغبة عميقة في تعويض النقص الذي أضحى ملازما لشخصية السياسي التركي نتيجة الرفض المطلق لتوسلات الترك بالانضمام الى الاتحاد الاوربي، وليس لائقا بعراقة هذه الأنظمة احتضانالصلف السياسي التركي الذي يعتقد بأن جميع الوسائل مباحة لقطع ما يفصلهم من مسافات عن الهدف بما فيه التنصل التدريجي عن النظام الديمقراطي في الحكم والاتجاه نحو النظم السلطانية الاستبدادية. فمن بين مايمكن ان يشير اليه التحرك التركي الأخير تجاه العراق، هو ان استمرار (العراق الجديد) على ما هو عليه من نظام سياسي ديمقراطي قد يشكل حجر عثرة في طريق ما أطلق عليه الحزب الحاكم (تركيا الجديدة) وهو ما يشير اليه النزوع الاردوغاني نحو الفردية وبما لم يعد خافيا على أحد، فضلا عما هم عليه بعض الاطراف التي تعلن عن خشيتها من دكتاتورية محتملة في العراق، في الوقت التي أمضت فيه ذات الأطراف التي تعلن ذلك فترة زمنية في الحكم تصل الى 20 سنة وأكثر، ومثل هذه المؤشرات الواضحة وحدها كافية لإثبات بطلان الادعاء وفضح زيف النوايا، بل وأكثر من دالة على عدم امتلاك هذا النوع أية أهلية للوقوف في صفوف المدافعين عن الديمقراطية، وأكثر من ذلك، وهو الأهم، أن توفر الشروط الموضوعية التي اذا ما اقترنت يما يتمتع به المالكي من خبرة وجدية يشكل نقطة تحول مفصلية لمصلحة دولة العراق في حلقة الصراع مع مشاريع الهيمنة الاقليمية والمخططات الارهابية لدول الجوار، والاستهداف الأخير هو استهدافاً لمرحلة عراقية وليس للشخص نفسه طالما ان المستهدف هو الرجل الأكثر شرعية والأشد عزما والأنسب خبرة للمرحلة التي نحن بصددها اليوم، ومن ثم لايمكن ان يشكل الاصطفاف الغربي بشكل عام والأمريكي تحديدا مع السطو على الاستحقاق الانتخابي للسيد المالكي، إلا كونه استخفافاً بحاكمية الدستور وتفريط بالقيم الديمقراطية.. ولا يعني ذلك أن الغرب والادارة الامريكية لا تعي حقيقة من تتعامل معه من هؤلاء
    ، أو حتى القول بإكتمال أبعاد مواقفهم السلبية في ذهنية صناع القرار، فتسعى جاهدة لتصحيح ما يمكن أن يصنّف في خانة الخطأ، كلا بالتأكيد، فالمكابرة والاصرار على المراوحة في خانة الفشل هي سمة مشتركة بين الادارات الامريكية الأخيرة التي تعاطت عن قرب مع الشأن العراقي.

    مقال سابق ذو علاقة مباشرة بالموضوع : منح الحصانة للأمريكيين خطوة لابد منها

    http://www.kurdistanpost.com/view.asp?id=93215644

  • عود على بدء

    يقولون: "عود على بدء والعود أحمد". في حالتنا العراقية، للأسف، العود ليس أحمد ما أن حُسم الجدل سابقاً بجدوى تدخل الأمريكيين في الشأن العراقي الداخلي وما أن حُسم لصالح خروج القوات الأمريكية من العراق لأن بقاءها وتدخل الأمريكيين في الشأن العراقي هو جزء من المشكلة العراقية وليس الحل لها – حتى عاد البعض إلى إثارة الموضوع ثانية؛ وأي بعض؟ هو ذلك البعض الذي صدع رؤوسنا بالحديث عن الإحتلال يوم كان في مواجهة النظام الطغموي؛ واليوم يريد ذلك البعض ذاته التدخل الأمريكي في الشأن العراقي الداخلي بحجة تسوية الخلافات بين الكتل المتنازعة.من الغرابة أن يعلن الأكاديمي في العلوم السياسية الدكتور سعد الحديثي هكذا رغبة في (فضائية الحرة – عراق / برنامج "بالعراقي" يوم 1/9/2014) في ذات اليوم الذي طلب فيه رئيس الوزراء المكلف الدكتور حيدر العبادي من الممثل الخاص لأمين عام الأمم المتحدة في العراق السيد نيكولاي ميلادينوف، طلب مساعدة الأمم المتحدة في حل المصاعب التي قد تعترض سبيل تفاهم القوى السياسية.

    لا أرى مسوِّغاً لطلب الدكتور سعد إلا لأن ذوي المصالح الإمبريالية من الأمريكيين بدأوا حملة تضليل ظالمة ضد العراق منذ إخراج قواتهم منه  والإمتناع عن المشاركة في تدمير الدولة والجيش العربي السوري وإفتعال حرب ضد إيران لتدمير منشآتها النووية وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية وهي لب الصراع في منطقة الشرق الأوسط – لذا تقدم من يصبو إلى السلطة نحو هذا "الإنفتاح" الأمريكي الذي كان إحدى المقدمات لصولة داعش في العراق.

    أعتقد أن ما طرحه الدكتور سعد يعبر عن موقف القوى الطغموية عموماً، لذا إستحق المناقشة.

    في هذه السطور أريد أن أسلط الضوء على  حجة تعكز عليها الدكتور سعد وطالما تعكز عليها دعاة الإستعانة بالأمريكيين لترتيب أوضاعنا العراقية الداخلية بدعوى أن القوى السياسية جميعاً تحركها مصالحها الضيقة  الطائفية والشخصية فدخلت في صراعات بلغت حد فقدان الثقة فيما بينها حتى أضحى التدخل الخارجي والأمريكي بالذات "ضرورة حتمية".

    رأى تلك "الضرورة الحتمية" فريقان من المراقبين السياسيين العراقيين في فترتين متميزتين هما:

    -       فترة ما بعد الإحتلال حيث عُقدت آمال كثيرة على تغيّر طبيعة أمريكا الرأسمالية لصالح الديمقراطية وحرية الشعوب بعد توقف الحرب الباردة؛ وأملوا في أن تلعب أمريكا دوراً بنّاءً في العراق كما لعبته بعد الحرب العالمية الثانية في كل من اليابان وألمانيا الغربية وكوريا الجنوبية.

    كانت هذه آمال صادرة من قلوب وعقول طيبة تتمنى الخير للشعب العراقي ولعلاقات دولية نظيفة قائمة على العدل والشفافية والمصالح المشتركة والصداقة والإحترام المتبادل بين الشعوب. لقد دفع هذا الشعور الطيب بالأستاذ الجامعي الدكتور زهير المخ، الذي أتمنى له الصحة الوافرة، إلى ألا يستبعد إمكانية تبادل السيادة بالإستقرار السياسي مفترضاً أن الدنيا ستكون بخير بعد توقف الحرب الباردة وقد تصبح السيادة آنئذ قيمة كمالية.رغم أملي شخصياً ولفترة قصيرة جداً في أن تلعب أمريكا دوراً إيجابياً في العراق ولكن تفاؤلي لم يصل أبداً حد تشبيه العراق بحالة اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية لنفس الأسباب التي سأذكرها لاحقاً.

    -  فترة ما بعد إحتلال داعش لمساحة غير قليلة من العراق: وهي الفترة الحالية التي تحدث فيها الدكتور سعد الحديثي وعارضه، محقَين من وجهة نظري، الدكتور هاشم حسن عميد كلية الإعلام والنائبة عن إئتلاف دولة القانون السيدة عالية نصيف.
     بتقديري، إن الأمريكيين ما عادوا موضع ثقة للعب دور الوسيط في العراق لأنهم إنحازوا إنحيازاً فاضحاً وسمجاً بإتجاه تأجيج حرب طائفية فيه بحجة مواجهة داعش للتسلل عبرها لإعادة الهيمنة السياسية والإقتصادية على العراق. لم أصدق نفسي عندما سمعتُ الرئيس أوباما يتحدث في مؤتمره الصحفي يوم  28/8/2014 فذكر بالحرف الواحد: "السنة غير ممَثَلين". أي جهل أو تضليل هذا؟

      إني مقتنع كل القناعة بأن من زرع داعش في سوريا إستهدف العراق ولا أريد أن أقول الآن إن داعش هي "سلاح دمار شامل مصمم للعراق" حيث قد يكون ذلك موضوع مقال لاحق. في ثمانينات القرن الماضي أقامت أمريكا الدنيا ولم تقعدها بسبب كون مدرج مطار ماناكَوا عاصمة نيكاراكَوا، المنوي إنشاؤه، أطول من المدارج الإعتيادية بقدر معين. فاعتبرت امريكا ذلك تهديداً أمنياً لها لأنه قد يستقبل طائرات ستراتيجية!!! فكيف زرعت لنا أمريكا داعش على حدودنا والآن تريد محاربة داعش دفاعاً عن العراق؟ إني أشم رائحة الحرب الباردة التي يريدون إقحامنا بها حيث لا ناقة لنا فيها ولا جمل. لقد تحدث الرئيس بوتن عن تغيير عقيدة روسيا العسكرية نتيجة ملابسات القضية الأوكرانية وقبلها العراق وسوريا وليبيا.

     من يحرص على علاقة طيبة مع العراق لا ينكث بعقد بيع طائرات له مدفوعة الثمن بحجة واهية ساقها الرئيس أوباما في مقابلته الصحفية مع توماس فريدمان إذ قال "لا نريد أن نكون قوة جوية للشيعة لتقتل السنة"!!! و "لم نساعد المالكي كي لا يمتنع عن تقديم التنازلات". أي تنازلات يريد السيد أوباما؟!!!
    كما ذكرتُ سابقاً، فإن الطغمويين ولهذا السبب بالذات أصبحوا بل عملوا على إستقدام أمريكا بحجة المساعدة في تقريب وجهات نظر الأفرقاء ولكنهم في الحقيقة يسعون إلى تحقيق حلمهم في إستعادة سلطتهم وسلطة البعث بمسمى آخر لأنها أنفع للأمريكيين والإسرائيليين وهذه ليست المحاولة الأولى(2).
    تحدث الدكتور هاشم والنائبة السيدة عالية عن السيادة العراقية وضرورة صيانتها أزاء مخاطر التعويل على الخارجيين كأمريكا في تشكيل الحكومة. هنا طرح السيد الدكتور سعد حالات اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وسأل: هل إنثلمت سيادة هذه الدول عندما ساعدتها أمريكا على النهوض وتبوِّء مكانة مرموقة من الرقي؟ في هذا الطرح جهل سياسي كبير.

    إن ألمانيا واليابان هما دولتان صناعيتان أصلاً قبل خسارتهما الحرب. مع هذا لو لم تكن إعادة بنائهما كقوتين صناعيتين كبيرتين ذات نفع للغرب بقيادة الولايات المتحدة، لما أقدمت على ذلك. بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل حقق الإتحاد السوفييتي إنتصارات باهرة في البناء الإقتصادي بشهادة سفير الولايات المتحدة جورج كينان في سلسلة أحاديث في الـ (بي.بي.سي.)  وحقق قدراً معقولاً من العدالة الإجتماعية إضافة إلى إنتصاراته في الحرب ومن ثم إنتصار الثورة الإشتراكية في الصين وإنطلاق حركات الشعوب المستعمَرة تنشد الإستقلال والحرية، أصبحت الإشتراكية موضع جذب لكثير من شعوب العالم التي إستهجنت بنفس الوقت مسؤولية الإمبرياليين في تأجيج الحروب العالمية الفتاكة. هنا أجج الغرب الحرب الباردة وأحاطوا الإتحاد السوفييتي بجدار حديدي.

    تبعاً لذلك النهج تمت إعادة بناء ألمانيا لتواجه ألمانيا الشرقية والإتحاد السوفييتي وتمت إعادة بناء اليابان لتقف بوجه الصين الشعبية. وتم تطوير كوريا الجنوبية لتواجه التطور الصناعي الذي طرأ على كوريا الشمالية في مراحلها الأولى.

    لو كانت أمريكا جادة فعلاً في تطوير "الأصدقاء" لوجه الله لطورت كلاً من مصر وتركيا وهما مؤهلتان تماماً. ولكن أمريكا والغرب يخافانهما لأن لمصر الفضاء العربي والإسلامي والأفريقي ولتركيا الفضاء الإسلامي في الشرق الأوسط وفي شرق آسيا، لذا فهما مرشحتان في حالة تصنيعهما إلى أن تصبحا دولاً عظمى تنافس الغرب وهذا غير مسموح به إمبريالياً.

    أما العراق فلا يصلح، في نظر الغرب، إلا أن يصبح قفازاً يقوم بما هو غير ملائم لإسناده لإسرائيل المنبوذة عربياً وإسلامياً. لذا فقد صمموا داعش وأرسلوها لنا لإعادة البعث الطغموي والحلول محلها بمسمى مموه لأداء المهمة مثلما سخروا صدام لتدمير المنطقة. وهذا ما دفع الرئيس أوباما إلى إنتقاد قانون المسائلة والعدالة في مقابلته مع فريدمان.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1):للإطلاع على “مفاتيح فهم وترقية الوضع العراقي” بمفرداته: “النظم الطغموية حكمتْ العراق منذ تأسيسه” و “الطائفية” و “الوطنية” راجع أحد الروابط التالية رجاءً:

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=298995

    http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=14181

    (2): لم يكن أوضحَ مَنْ أفصحَ عن هدف الإصرار على إستعادة السلطة الطغموية المفقودة من طارق الهاشمي. تأمل ما يلي:

    (2.1): يوم كان نائباً لرئيس الجمهورية. ذهب نائب الرئيس طارق إلى الولايات المتحدة عام 2007 ليطلب من الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن إعادة تسليم الطغمويين مفاتيح السلطة في العراق مقابل تلبية كل مصالح أمريكا وحتى خدمة مصالح إسرائيل التي طرحها بصورة مموهة قد تنطلي على القارئ البسيط إذ قال في معرض نقده للسياسة الإيرانية: ".... وتعرقل [إيران] عملية السلام في الشرق الاوسط عن طريق دعمها لحماس وحزب الله." أنشر أدناه تفاصيل التقرير عن هذا اللقاء لخطورته:

    نشرت الصحيفة الإسبانية البيسو إستنادا إلى مصادرها في واشنطن، وأعادت "صوت العراق" نشر التقرير بتأريخ 27/1/2007 بالصيغة التالية:

    "إن الرئيس الأمريكي جورج بوش قال للدكتور طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقي خلال زيارته الاخيرة لواشنطن ان زمن الاستئثار بالسلطة من قبل أقلية عشائرية حاكمة قد ولى ولن يعود، وان على السنة ان ينسوا صدام ونظامه. جاء ذلك في رد على اقتراح الهاشمي بتسليم المواقع الحساسة في السلطة العراقية الحالية للسنة لمواجهة الخطر المشترك الذي يعتقده الهاشمي انه يواجه امريكا والسنة. وقالت الصحيفة ان الهاشمي علل طلبه هذا بأنه يحقق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وعزز رأيه بأن جميع الانظمة السنية العربية في المنطقة راعية للمصالح الحيوية لاميركا في الخليج والشرق الاوسط، بينما تهدد ايران سلامة الملاحة في خليج هرمز، وتمارس دورا معاديا لامريكا في العراق، وتعرقل عملية السلام في الشرق الاوسط عن طريق دعمها لحماس وحزب الله، في الوقت الذي يلعب السنة دورا ايجابيا في تأمين تدفق النفط وحل النزاع العربي الاسرائيلي بالطرق السلمية.

    لكن الرئيس الامريكي وحسب ما تذكره الصحيفة إعترض على هذا الراي وقال بأن مرحلة صدام انتهت ولا يمكن العودة اليها، وأن استراتيجية اميركا الجديدة في إبعاد شيعة العراق عن ايران هي في اعطاء الشيعة في الحكومة والبرلمان دورا مناسبا لحجمهم الحقيقي لكي يضمنوا حقوقهم في ظل المشاركة بالسلطة لا بالتحالف مع دولة أجنبية. وتضيف الصحيفة ان هذا اللقاء أشاع اليأس في اوساط سياسيي السنة الذين كانوا يؤملون ان تلتفت الولايات المتحدة الى الاخطار التي تهدد مصالحها".

    بالطبع يخلط الهاشمي تعمداً بين السنة والطغمويين(1)وهم لملوم من جميع شرائح المجتمع العراقي إنتفعوا من نظامهم السابق ويريدون إستعادته بأية وسيلة كانت بضمنها التعاون مع الإرهاب والتخريب من داخل العملية السياسية؛ ويدعون بأنهم يمثلون السنة لتشريف أنفسهم.

    (2.2):وتَوَقَّعَ طارق الهاشمي من باب الأمل والتحبيذ، وهو هارب عن وجه العدالة، بتأريخ 1/2/2012 في فضائية أل (سي.إن.إن.) أن "الولايات المتحدة قد تضطر إلى التدخل عسكرياً في العراق مجدداً للسيطرة على الوضع ..... إن إنعدام الإستقرار في العراق سيؤثر بشكل كبير على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة".

  • لأنه فقير ومؤمن ......

    كانت امه الفقيرة المقهورة تحلم أن تراه يوما يكبر بكرامة ويأكل بعزة ويعيش بفخر . شجعته ان يصبح جنديا. كانت تطبع كل اسبوع قبلة على وجنتيه فيبادلها بقبلة على يديها. كانت تمسح سترته العسكرية وتنظر حولها ليرى الجيران ابنها الجندي .   تقبله ثانية على الوجنتين وتدعو الله ان يحميه . كانت امه الفقيرة الصابرة المؤمنة تقف عند الباب حتى يبتعد، فتذهب لعند جارتها تحدثها باعتزاز عن ابنها الذي صار جنديا واشترى لها غسالة تريح يديها المتعبتين ..... ...

    لم تفهم لماذا يخطفه المسلحون. لم يؤذ نملة. لم تفهم لماذا يرفعون فوق جثته شعار لا اله الا الله. كان يحرص على صلاة الفجر قبلها. لم تفهم لماذا يبتسمون فوق دمه وعلى جرحها الذي اخترق القلب الكبير ..... كيف لبشري ان يضحك فوق جثة ضحيته .

    هرب من الفقر صوب الجيش. نجا من الفقر فقتله الارهاب .

    في لبنان من تسد في وجهه كل الطرق ويكون ابن عائلة فقيرة يلجأ الى المؤسسة العسكرية لترعاه وتطعمه وتحفظ كرامته وكرامة اهله .....

    . لانهم فقراء، يدفعون ثمن لعبة الكبار.....

    اللهم  ابعث في قلب هذه الام الثكلى صبرا  يساعدها على مغالبة جرح القلب وفقر الحال . وافرج عن  كل مخطوف واسير لأن الاغنياء لا يخطفون عادة ، والفاسدون لا يهمهم ان  زاد عدد المخطوفين واحدا ام ذبح واحد .......

  • هل التحولات والاستدارات الدولية وهم ونفاق؟؟

    كل الانسان يجتهد برايه حسن ما تحلله معلوماته و الية الحواس و الدماغ، و هو حر برايه و بتقديره لما يجري في منطقتنا.الاياك فقط هي التي تعطي الشهادة عن راي كل مجتهد في الراي.... فكلنا نري فقط ما تراعه الحواس و يحلله الدماغ حسب المعلومات المتراكمة..فكل منا حسب قدرته....الاجندة الكبري لمنظومة الناتو الصهيوني لن تتبدل في منطقتنا..مع احترامنا لكل المقامات و المحللين و اراء الكتاب كلهم، فان من يظن ان برنامج تفتيت و ابادة مجتمعات الشرق الاوسط التي اطلقته الناتو في منطقتنا منذ الربيع الصهيوني قد تخلوا عنه لان داعش باتت تهدد و جودهم هو محض وهم و خيال و تضليل اعلامي و فخ نفسي يحضره اعلامهم و اعلامنا للاسف الشديد..رغم ان الدلالات علي الارض منذ 4 سنوات كلها مخالفة لما لاقوالهم بهذا الخصوص..الاستدارات و اعادة التموضعات و التسويات حديث قديم منذ بداية الازمة..و المقصود منها اكثر تصبير الجمهور و خداع العدو بايهامهم انهم ينجحون في تضليلنا..

    هذا الجانب جيد لكنه لا يجوز ان يحدد استراتيجية المستقبل بناء علي هذا الكلام الفارغ براينا...

    هذه الحرب لها عدة ابعاد مهمة للبشرية و نتيجتها هي التي سوف تحدد مسار مستقبل كل الامم سواء سلبا ام ايجابا ، و ليس الفلسطينيين او السوريين او اللبنانيين او العراقيين او غيرهم فقط..لانها تتعلق بمستقبل العملة التي يتداولها الغرب و العالم اما العملات الصاعدة في اسيا، و التي تاخذ قسما كبيرا من حصة هذه العملات في تبادلات العالم التجارية و تداول العملات ، الامر الذي هو نكبة تاريخية قادمة بالتاكيد بالنسبة لهم، و خسارة منظومتهم في الشرق الاوسط الصهيونية او الوهابية هو دق لمسامير نعش هذا الاقتصاد الامبريالي الذي له يتحكم بحياة العالم منذ قرابة 500 عام.. فهم لن يتوقفوا لان التراجع يعني تعجيل هذه النتيجة الحتيمية...

    هذه الحرب ما كانت لي تبدا بدون هدف تحويل هذه البلدان الي مجتمعات فاشلة تقتتل لمدة 100 عام قادم امل عقولهم الشيطانة ان نبيد انفسنا و بعد ان نكون قد انهكنا وهرولنا اليهم لاقتراض المال منهم من جديد لاعادة البناء و حسب شروطهم الصهيونية و الاستكبارية الظالمة التي لا تبني و لا تصنع تنمية و لا نهضة...

    هذه الحرب ما كانت لتبدا لولا هدف اسقاط سوريا و العراق و لبنان لكي تقسمهم اكثر و تفتتهم الي امارات اسلامية عشوائية متقاتلة تحكم بالظلام ، في حين تنهب الثروات الوطنية للشعب...

    بالمقابل هذه الحرب لا وجه فيزيائيا مقابل لها، و هو انها لا تنتهي الا بسقوط تل ابيب و الرياض بموجب قوانين الفعل و رد الفعل المقابلة..و اذا ما دققنا عن قرب سنجد ان الحركة هي في ذلك الاتجاه و ليس باتجاه التراجع و الاستدارات و التسويات التي يتحدث عنها الاعلام..من جهة ان الثورة الفلسطينية التي نطلقت من غزة هذا الصيف ، و ما يجري في اليمن ، و سوريا و العراق فيما يتعلق بحرب استئصال داعش و هجرة العودة المتوقعة لها شمال و جنوبا مع تراجعها امام الجيشين العراقي و السوري و قوات المقاومة الشعبية الرديفة كلها حركة في ذلك الاتجاه..

    بناء علي هذا الفهم فاننا سنرى تماديا في عدوانهم و اجرامهم و النتيجة انهم سيخسرون في كل تلك المناطق امام المجاهدين الحقيقيين ، و النتيجة ستكون بالتاكيد فتح مكة و المدينة من بوابة نجران و اليمن...و توسع دائرة التحرير في فلسطين لتشمل مناطق في غلاف غزة و ربما ابعد...ومعروف عن التاريخ انه يتحرك ببطء شديد في حركة الزمن و الساعة...

  • أميركا ستساعد الأسد .....ولكن

    قررت الولايات المتحدة الأميركية قصف داعش في سوريا. تبلغت دمشق القرار الذي سيتم تنفيذه بالتنسيق معها. قريباً جداً ستحلق الطائرات الأميركية فوق الأراضي السورية ويتم تبادل الإحداثيات بين الأجهزة الأمنية الغربية ونظيرتها السورية. تستطيع واشنطن ودول أوروبية عديدة نفي أي رغبة بالتعاون مع إدارة الرئيس بشار الأسد. هذا طبيعي. إنه جزء من المشهد الجديد. لا بل قد يكون هو الآخر متفقاً عليه. من الصعب على الدول التي طالبت منذ بداية الأزمة السورية برحيل الأسد أن تبرر للعالم اليوم التعاون معه.

    هذا مجرد إخراج، أما في الواقع فخطوات التعاون تسارعت، وهذه أبرزها: دمشق كانت قد تلقفت بإيجابية القرار الدولي 2170. وزير خارجيتها وليد المعلم أعرب عن ترحيب بلاده بـ«التعاون والتنسيق على الصعيدين الإقليمي والدولي في مكافحة الإرهاب». ذهب أبعد من ذلك. قال صراحة إن التعاون مع أميركا وبريطانيا موضع ترحيب. لكن المعلم اعتبر أيضاً أن أي انتهاك لسيادة سوريا سيكون بمثابة عدوان. كان الموقف السوري هذا بمثابة التحول العلني الأهم في العلاقة مع الغرب. فالمعلم نفسه كان قد محا أوروبا قبل أكثر من عامين عن الخريطة، والأسد كان قد اعتبر أن هذه الدول جميعاً جزء من المؤامرة على سوريا. من يعرف كيف يقيس وليد المعلم عادةً كلامه بميزان الذهب، يدرك أن تحولاً كهذا يكون نتيجة لسلسلة من الاتصالات المباشرة وغير المباشرة التي سبقت هذا الإعلان. ثمة دول معروفة مثل روسيا وإيران لعبتا دوراً في تسهيل التواصل، ودول بقيت بعيدة عن الأضواء. الهدف هو كيفية التوصل الى صيغة تسمح لأميركا بقصف داعش في سوريا، دون أن يكون في ذلك خرق للسيادة السورية أو تحول علني في الموقف الأميركي من الأسد. حصل التفاهم والإخراج. جاءت صور إعدام الصحافي جيمس فولي لتسهّل وتسرّع التقارب. لم يكن الإعدام كفيلاً فقط بتوضيح أن فولي كان عند التكفيريين، لا عند النظام. ولكن نشر الصور المرعبة لقطع رأسه (بغض النظر عن دقة التاريخ وكيفية الإعدام) دفع الرئيس باراك أوباما إلى القول «إن داعش لا دين له ولن يكون له مكان في العالم». اعتبرت أميركا أن قتل الصحافي هو إعلان الحرب عليها. ثم جاء احتجاز موظفي الأمم المتحدة وتطورات الجولان لتسرع خطوات التنسيق. كل تحالف إذاً سيكون مبرراً. سبق ذلك طبعاً قرار مجلس الأمن. من يدقق في القرار يجد أنه يتحدث عن تعاون «جميع الدول». بمعنى آخر هو لم يستثن سوريا من التعاون. المعلومات تؤكد أن دمشق كانت قد اطلعت على نص المشروع البريطاني قبل إقراره. لو لم يصبّ القرار في صالح التعاون مع القيادة السورية لضرب داعش، لكانت روسيا استخدمت الفيتو. الرسالة واضحة. أما وقد اتخذ القرار بضرب داعش في سوريا، فكيف سيبرر أوباما أنه لا يساعد الأسد؟ القضية معقدة طبعاً. يقال إن نقاشاً صعباً حصل في داخل الإدارة الأميركية. نقاش أكثر صعوبة جرى مع بعض حلفاء سوريا؛ ومنهم الروس والإيرانيون. مبدأ التحول الأميركي حيال النظام السوري كان قد أُقر قبل فترة. لم يعد أوباما وغيره يتحدثون عن رحيل الأسد أو عن تغيير النظام. كان الأمل الأميركي هو أن يقبل الحلفاء، وتحديداً موسكو وطهران، بأن يبقى النظام ويتوسع قليلاً، شرط أن يحل شخص آخر مكان الأسد. لم يلق الاقتراح آذاناً صاغية حتى ولو أن الأوروبيين اعتبروا أن التقارب مع طهران صار أكثر جدوى من النقاش مع الروس. بقيت القيادتان الإيرانية والروسية صلبتين حيال منع رحيل الأسد. كان لا بد إذاً من تسهيل الأمر على أوباما بعدد من التسريبات. من يقرأ الصحف الأميركية والبريطانية في خلال الأسابيع الماضية لن يفاجأ بحجم الترويج لفكرة أن لا استئصال لداعش من دون التعاون مع الأسد. وأن التعاون مع النظام السوري أفضل من أي حديث عن معارضة وغيرها اليوم. هكذا عادة يتم التمهيد للتحولات. تزامن الأمر مع حركة إيرانية ناشطة صوب دول الخليج. جرى تواصل مباشر سعودي إيراني. سبق الأمر توافق إيراني خليجي وإيراني أميركي بشأن العراق. لم يكن القبول بإبعاد نوري المالكي أمراً عابراً. تزامن أيضاً مع زيارة مهمة للرئيس المصري عبد الفتاح السياسي لروسيا، حيث جرى التوافق على دعم الحل السياسي في سوريا. بقيت أوراق الضغط قائمة، من داعش وهجماتها على الجيش السوري الى الحوثيين وتطويقهم لصنعاء. ماذا يعني كل ذلك؟ هناك احتمالان لا ثالث لهما. إما أن أميركا قبلت بالأمر الواقع، أي ببقاء الأسد والتنسيق معه، مهما كلف الأمر، خشية تعرضها لاحقاً لهجمات إرهابية. أو أن ثمة أملاً عندها بأن يصار لاحقاً الى التأسيس لتركيبة سياسية سورية داخلية تسمح لخصوم الأسد بالمشاركة في السلطة، دون أن يكون في الأمر قلب للنظام، وتسمح لأميركا بإرضاء حلفائها. ثمة من يروّج لخيار ثالث مفاده أن السماح للطائرات الأميركية بقصف داعش قد يفتح الطريق نحو ضرب قواعد النظام. دمشق وحلفاؤها يبدون واثقين من أن هذا مستحيل الحصول لأسباب استراتيجية تتعلق بكامل المنطقة. الواقع أن صورة المنطقة تظهر أن كل الأطراف باتت منهكة، وكلها تنشد حلولاً توقف نزف الدماء وتردع وحش الإرهاب. من الصعب، والحالة هذه، أن يتصور المرء أن ثمة طرفاً سيربح كثيراً، وطرفاً آخر سيخسر كثيراً. لعل المنطقة باشرت فعلاً بالدخول في عصر التقارب الضروري بعدما تخطّت داعش الخطوط الحمراء وصارت تهدد الجميع. حين تحلق الطائرات الأميركية قريباً جداً فوق سوريا، يكون جزء من المشهد الإقليمي والدولي في طريق التحول. أما الخاتمة، فلا أحد يستطيع الآن تصورها. الجميع مربك ومتعب ويبحث عن حلول أقل كلفة.

    المقال على الرابط التالي

    http://www.al-akhbar.com/node/214476

  • يا سميح العالي:

    في حياة الجماعات وخصوصا في زمن الأزمة والردى، ينتظر الناس رجالا بعينهم، وهكذا بالضبط ، في لحظة صعبة، لا يتسع لها وصف، كانت تفيض بالوجع والمرارة والضرورة من كل  حدب وصوب، ظهر سميح القاسم في حياتنا، كمقاتل تولد على هيئة شاعر، وكقائد عالٍ في أهم الجبهات، جبهة المعنى والكلام المستقيم كشرط لاستقامة كل  حال.وتقول الرواية بأن ذلك قد حدث في بلاد جعلها الله موطنا لترتيل آياته عن " الكلمة – بما هي- من الروح القدس" ، حيث القول يصبح  أيقونة الحياة، والقوة التي تسرى في الوجود وفقهه، ككتاب مسطور، وكرسالة لا حدود لصداها،  وهكذا كان الحال، منذ علم آدم الأسماء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    في صلب تقاطعات شاقة، وزمن لا يروي لنا التاريخ ما هو أصعب منه، قام رجل منا وفينا، مع رجال آخرين توزعوا على مساحة الوجع الفلسطيني الشاسعة ، ضد الاحتلال والظلم والقهر والإقصاء  والعدوان والفساد والرداءة والهوان والخيبة والبشاعة والبؤس واليأس، كانت الكلمات هي سلاحه وسلاحهم الأول والأعتى،  كلام مقاتل صعد لتوه من روح جريح، غير أنه بشرنا في زمن يفيض بقطران اليأس،  بأن الغد يمكن أن يكون لنا، بثمن الكبد والصبر والمطاولة والعودة لروح جسور، ورمى على قارعة وعينا الأمل الذي يغري  بجعل الغد عينه، فرحا وجمالا وإباءً وانعتاقا لنا ولغيرنا، وطالبنا بفعل ذلك ما استطعنا اليه سبيلا وأكثر.

     لقد كان سميح القاسم  من الآباء المؤسسين للصوت الأول والأعلى الذي إستوى في كلمات ردت على الكارثة والانكسار الفلسطيني بقيام إسرائيل، كلمات تشكلت كمقاومة، استولدت السلاح  الأجمل والأقوى الذي يؤسس لكل قتال وجودي ممكن، لبقاء جماعة كانت تعيش عملية طرد من الواقع والنصوص والتاريخ على يدي ظالم مقتدر بصورة "تتعدى حدود العصر والتاريخ" كما قال ادوارد سعيد يوما من على  جبهته  العريضة  التي أقامها خلف خطوط العدو البعيدة.

    وكان أن صار صوته وأصواتهم  نشيدا، وصار للنشيد رايات وعلامات لها قلاع وجبال من المعنى والصبر والوعد والأمل المستولد من  نفس العذاب، كما صار لها شاهداً وشهيداً، وعلى وقع النشيد مضت ألوف مؤلفة من جيل نكبة إلى آخر بحثا عن الإنعتاق الصعب.

    وكما يطوي الليل ظلامه الدامس فقد كان سميح القاسم مثل الخيل الجموح التي تطوي ليلها ومسافاته الشاقة " منتصبة القامة" في نواصيها الوعد، فما هان، وما هانوا، وما هانت ، إلى أن صارت راياتهم هي شاهد قبورهم، ووصايا أودعوها أمانة عند الوارثين، فطوبى.

    *     *      *

    لقد تربينا فيما تربينا، على كلام أرسله لنا سميح القاسم في الأزمنة الصعبة، كي يستعيدنا  من الوجع والركام، ويعيدنا لأنفسنا رغم جراحنا البليغة غانمين بعض روحنا، في الطريق المضني كي نربحها كلها، وعوّدنا على تصعيد علاقتنا معه بالصوت والصدى، قبل أن نرى قوامه وجماله ، هناك في المكان الأثير من وجداننا ووعينا وأمالنا ورهاناتنا، كان يأخذ مكانته التي

    تليق به وبحضوره ،وعندما جلس على أرائكنا لم يأتِ من بعيد، لقد  نزل نحوها من وعينا ووجداننا، وقليلون هم الأشخاص الذين لا نحتاج لرؤيتهم عن كثب، إلا على سبيل التأكد من لمسهم، لمس العين واليد والكلمات لأنهم أصلا هناك، فينا.

     لذلك لم يكن سميح القاسم  بحاجة لأن نزوره أو يزورنا سعيا على الأرجل، كما لم نكن بحاجة لنكسةٍ تجلل نكبةً كي تجعل الأمر ممكنا، لقد كان يرانا، وكنا نراه حيثما ولى وجهه ووعيه وذائقته، وتسرب فينا وسرى في الزمن : من وراء ظهر الغاشمين، وعلى عين  العزل والقهر والقطع والعسف والحصار وجدرانه المتطاولة ، وبمقدار ما ساهم في تحويل الكلمات لحّدٍ من حدود حياتنا فقد جعلها فضاءً فسيحا لها في آن.

    *     *      *

    وأما المرض اللئيمُ سليلُ الغدر وحليف الوجع، فلم يكن على هول بؤسه أكثر من مانع رديء  يشوش علاقتنا مع سميح القاسم، بيد انه  نجح في تضييق فرص  حضوره الجسدي دون أن تكون لهامته القدرة على منع سميح القاسم منا وعنا، بل على العكس، لقد فاقم  من حضوره الرمزي والجمالي في مخيالنا على نحو أعمق. لا، لم تكن  للمرض يوما قامة  تحّول دون التلاقي المتصاعد، بين رجل حقيقي أصيل ووجدان شعبه وأمته وزمنه، أما  مغناة موته فقد وضعت سميح القاسم في سجل الخالدين، بعد أن أكدته في فضاء النصر العميق الذي جرى في حدود حياة الشخص نفسه، نصر يحيل إليه تأمل الفارق بين ما كان عليه الحال عام 1948 وما صار عليه يوم موته.

    *     *     *

    يا سميح القاسم حيث أنت بعهدة ربك في الخالدين: يا الذي من كبار الشعب والأمة الباقين كـ"حجر يشد البحار إلى قرون اليابسة"، ويا المقيم في  كل المجازات المترامية للقول وللفعل، والمدى المخملي للذاكرة، كي نلقاك في المكان العالي، (قد) لا نحتاج كثيرا للمكتبات والكتب أو المنابر أو الذكريات، التي اتسعت لبعض ما قلته، أو كنت تود قوله، وليس لكل قولك، إنك هناك، في صوت الروح الصاعد ضد الظلم والقهر والعدوان، وفوق خطوطها وخلفها.

     وأنت هناك، في قلاع غير قابلة للسقوط، أوقعت هزيمتها في الغزاة بيقينها، قلاع بنت نفسها، كلمةً فموقفاً  فجمالاً فمعنىً، حتى صارت دليلا عظيماً على الحق والصبر والحلم والعنفوان والبسالة والرهان.

     وأنت هناك لأنك سليل فلسطين، ومعانيها الرحبة الممتدة من السماء حتى الأرض  ففي كل صوب ونحو، وأنت هناك لأنك أخذتنا برفق الكلام وبصوابه، وبشدة الموقف ولينه، دون أن تترك لنا ترف الدعوة أو الاختيار، وقلت لنا تلك هي دروب الخلاص، لا تأثموا  فتضيعوها، فإذا ذهبنا في الدروب سنرى الزهو في عينيك وروحك، وإذا أثمنا ستهددنا باسم القصاص المّر، وفي كل حال سوف نراك، تلقانا ونلقاك.

    وأنت هناك، كما قالتك مغناة الشام ونشيدها  في يومك" على دمشق الشام روحك راجعه"، مغناة وضعت قمراً من فلسطين في مدار الشام البهي الجميل العالي، وقدمت له عرشا من الكلمات التي تليق به، فصارت وشاحاً لفتى الأمة الأغر، وفاض النشيد: تيناً وزيتوناً، سميحاً وشاماً.

    *     *     *

    السلام على روحك يا سميح القاسم ، والسلام لفلسطين وبها، والسلام على الشام ولها، والسلام على من يذهبون  كي يعودوا بالإنعتاق لا أقل، ولا تراجع .

    ---------------------

    * كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين

  • طبيبان
    في الصورة طبيبان نرويجي "كافروالآخر سعودي عربي مسلم " في الصورة طبيبان أقسما على حفظ حياة الناس وتخفيف آلامهم. الأول على اليمين نرويجي "كافر" اسمه مادس جيلبرت، ترك النرويج ونعيمها و جاء متطوّعاً لإنقاذ أطفال غزة وأهلها المسلمين بلا مقابل. والآخر سعودي عربي مسلم اسمه فيصل العنزي، هاجر الى أرض الرافدين لذبح أطفالهم ـ المسلمين أيضاً ـ قربةً لله تعالى، وبعدما كلّت يمينه من الذبح فجّر نفسه في مدينة كركوك ليقتل اثنين وثلاثين عراقياً بالتمام والكمال ناهيك عن الجرحى ومبتوريّ الأطراف. السؤال هو أنّ كلا الشخصين متعلّمان وصاحبا مهنة انسانيّة كما يفترض
  • ثلاث نتف صوف على لوحة سوداء

    (طلب أحدنا أن يكتب كل منا نصاً يعبر عن حال العراقيين اليوم ... فكتبت هذه الخاطرة)

    "خللي نشوف شراح يصير"، قالت النتفة الأولى بصوت خفيض، والتفتت يسرة ويمنة، وجالت اللوحة السوداء شبه الفارغة، ونظرتها القلقة المستسلمة لا تركز على شيء، ولا تقف حتى عند النتفة التي سألتها، ولا تلك الثالثة الصامتة التي تنظر إلى نفسها أو إلى الأرض..

    فجأة سألت الأخرى: أنتم خايفات؟ أجابتها الصامتة بحركة من يديها كأنها تقول: "لا ادري.." وتحرك فمها دون أن يخرج صوتاً.. ثم سألت الأولى بقلق وكانها تخشى أن يكون سؤالها سخيفاً : "لازم نخاف؟"... شجعها الصمت، فأكملت: "أتصور لازم نخاف"... بدا على النتفة الثالثة المزيد من القلق وتلفت رأسها أسرع..

    "وين راحو كلهم"؟ قالت الثانية.. تلفتت الثالثة وكأنها تتظاهر بأنها تبحث عن جواب.. "راح يجي سرانا؟" قالت الأولى بصوت متقطع.. فعم الصمت بعض الوقت.. حتى قطعته الأولى ثانية: "أكول؟ لازم نصير عصبيات؟".. ثم أكملت "قولوا فد شي!" .. ولما لم يجبها أحد عن هذا السؤال الصعب، أكملت: "هم يكذبون علينا.. مو"؟ .. هزت النتفتان رأسيهما بالموافقة.. أكملت الثانية بتردد: "يعني لازم نغضب لأنهم يكذبون علينا؟.. ... لو هيه هيج"؟ هزت الصامتة رأسها موافقة وهمست "هيه هيج....السياسة" ثم رفعت رأسها كمن خشى أنه تفوه بحماقة، ثم اضافت وهي تضع أصابعها على فمها لتترك باباً مفتوحاً للتراجع:"..أتصور.."..

    "هسه شنسوي"؟ قالت الأولى.. أجابت الثانية بسرعة للتخلص من ضغط السؤال: "خللي نشوف شراح يصير"..وأكملت الثالثة متوسلة "خللي نشوف همه شيكولون".. "منو همه؟".. "شمدريني، منو همه...همه اللي... بالتلفزيون و..."... "اللي لابسين قوط؟"... "أي،.. همه يعرفون!"... "يعني ننتظرهم؟!"..." أي لعد قابل شنسوي..؟"...."وإذا ما إجو؟"... "ما أدري .. بعدين نشوف"...."وإنتي شنو رأيج؟"..."رأيي؟؟؟"

    أطلق السؤال الغريب ابتسامة عفوية رائعة في ثغر من وجه إليها، فأشرق وجهها عن طفلة شديدة البراءة، وبدا الضحك كصديق قديم غاب منذ دهور، وأكملت مطلقة كركرة صغيرة: "هه هه هه ..شمدريني شنو رأيي؟؟".

    انعكست عفويتها المعدية على ثغري محدثتيها، وبدا كأن الدماء عادت تجري في عروق الثلاثة للحظة، ثم انتبهوا كمن ارتكب إثماً كبيراً، فأعادوا لوجوههم جديتها الباهتة..

    قالت الأولى بعد أن أفاقت من الهزة .. "أقول؟...أخاف ميريدونه نبقى؟"..

    "يعني نطلع؟.. " .. "أخاف عيب؟" ... "يمكن خللي ننتظر ونشوف"..."شيسوون بينا يبقونه؟..شيريدون من عدنه؟" .."يمكن راح يقسمونه؟"...."يمكن!"..."يوزعونه كل وحده بلوحه"..."يصير نرجع؟" (صمت وهز رؤوس بالنفي) "وين نرجع؟ ... ما أدري..يجوز يصير"..."ليش إحنا وين؟".. "زين ما نسأل أحد؟"..."منو نسأل؟".. (يتلفتن يميناً ويساراً...لا أحد هناك). وبصوت اعتيادي جداً، قالت أحداهن: "تتصورون يفجرونا .. ؟"، ... (بلا أبالية مماثلة) "يجوز.. ما أدري.. لكن ما أتصور".. "لعد شراح يسوون بينا؟"..."يمكن مثلهم...على الأكثر".."يعني.... قصدج يسوون بينا دمقراطية؟".. ارتعدت النتفتان، وانفلت من أحداهما صوت مخنوق خرج بصعوبة:"يعني هسه شنو لازم نسوي؟"..."إلمن نسأل شنسوي؟".... "ما أدري..خللي نشوف شراح يصير"..."..." ...  "..."

    (النتف الثلاثة لا تمثل الشيعة والسنة والكرد، وكونهم ثلاثة اختيار عشوائي، كذلك لا يقصد بالقصة النساء دون غيرهم)

  • داعشيّ ُالطـَرْفِ أفغانيْ السِماتِ

    " كتبتُها على منوال مستهل القصيدة الشهيرة ـ ذهبيّ الشعر شرقيّ السمات ـ مع الإستئذان "

    داعشيّ الطـَرْفِ أفغانيْ السِماتِ

    خطِرُ الأعطافِ دامي الخطواتِ

    إن مشى قنبلـة ٌ موقوتة ٌ

    إنفجاريٌ خطيرُ النظرات ِ

    مرعبٌ لا رحمة ٌ في قلبِهِ  

    يبتغي قتلي وتدمير حياتي

    زاحفٌ كالدودِ مِن أكْهُفِهِ

    نتنُ النسْغ ِ ، من المستنقعاتِ

    جائعٌ وحشٌ كمصاصِ الدما

    بل كديناصورِ بحرِ الظلماتِ

    كاسرٌ أعظمِنا نهّاشُها

    آكلُ الأكبادِ فلاّقُ اللهاة ِ

    مارقُ الآباءِ لاأصلَ لهُ

    همجيٌ مومسيُ الأمهاتِ

    شاربُ الدمع ِبأكواب ِالخنا

    ناحرُالأطفال ِخنّاقُ الحياة ِ

    واطئُ "الاسلام" لا عقلَ له

    تافهُ الصوم حقيرُ الصلواتِ

    دجلٌ في دجلٍ إيمانُهُ

    ساقط ُ الحَج ربائيّ ُ الزكاةِ

    هو زهّاقُ وحرّاقُ دُنىً

    ورُفاتيٌ إباديٌ إماتي

    لامبيدٌ لهُ إلا ّواحدٌ  

    إنه بيشمركة ُالنصر المؤآتي

    هو فلاّقه في سوح ِ الوغى

    هو قتّالهُ دفـّانُ الغزاة ِ

    إنّهُ البحرُ الذي يجتاحهمْ ،

    بزئير الريح ِوالامواج ِ،عات ِ  

    إنهُ منقذنا الجبارُ مَنْ

    ياترى يُعلي بأهرام الاُباةِ

    إبنُ كرستانَ معراجُ الضيا

    قمة ُالمجدِ ، فضاءُ المُكرمات ِ

    هو مَنْ يَسحقُ جرذانَ البغا

    هو مَنْ يدحرُ أبناءَ الزناة ِ

    شرفٌ أنْ أُجري للكُردِ دمي

    ولكردستان أفديها حياتي

    *******

    30/8/2014

    ـ كتبتها إثر الفضائع الوحشية التي اقترفتها داعش بحق الإنسان  . وإثر الإنتصارات المتلاحقة للبيشمركة ودحرها لجرابيع الكهوف .

     

 

الأخبـــار

طبيبان (1)

أغسطس 30, 2014 273 المشرف العام
4545
في الصورة طبيبان نرويجي "كافروالآخر سعودي عربي مسلم " في الصورة طبيبان أقسما على حفظ حياة الناس وتخفيف آلامهم. الأول على اليمين نرويجي "كافر" اسمه مادس جيلبرت، ترك النرويج ونعيمها و جاء متطوّعاً…

الاعلان العنصري (1)

أغسطس 16, 2014 469 المشرف العام
we
لا مفاجأت تنتشر الشعارات العنصريه في مدن شمال العراق في وقت يحضر الغرب والأمريكان لتأسيس دوله كرديه.....السؤال طيلة فترة صراع الأكراد مع السلطه في بغداد على مدار 100 عام لم يتم رفع شعار عنصري ضد…

المدن الأكثر ازدحاماً في العالم!

أغسطس 03, 2014 451 نديم حدادين
qqwq
كلما ازدادت الكثافة السكانية، كان الناتج الحتمي زيادة وسائل النقل من سيارات ودرجات وغيرها وبالمحصلة ازدياد الزحام على الطرقات. وإن كنت ممن يكرهون الازدحام كرهاً جماً، فننصحك بالابتعاد عن الدول…

كردستان تباشر بتصمم عملة جديدة تحمل صورة والد مسعود

تموز 12, 2014 726 المشرف العام
434
كشف مصدر مطلع في اقليم كردستان، السبت، عن تصميم حكومة مسعود بارزاني الحليف الرئيسي للكيان الصهيوني عملة جديدة لكردستان، مبينا ان العملة غير خاضعة لقوانين البنك المركزي العراقي وتحمل صورة مصطفى…

لقاء عاصف بين "حسن نصرالله" و"مقتدى الصدر"

تموز 12, 2014 786 دي برس
563530
منذ اللحظة الاولى لاحتلال داعش للموصل وصحرائها طغى قلق كبير عند حزب الله لا سيما ان ذلك التطور يعكس خطورة كبيرة على المحور السوري الايراني الذي كان قد حقق انتصارات كبيرة سياسية وعسكرية.اضافة الى ان…

أمريكا تفضح عملائهابعد أصبحوا أوراق محروقه وتكشف بالاسماء ممولي داعش من الافراد

حزيران 22, 2014 1040 المشرف العام
ewrewrewr
امريكا تنشر لائحة ممولي داعش و الارهاب 1- الدكتور إبراهيم بن حمد القعيد، وهو أستاذ جامعي سابق ورجل أعمال- السعودية 2-الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن إبراهيم، وهو رئيس جمعية البر الخيرية بالعويقيلية-…

ثقافة وأدب

لأنه فقير ومؤمن ......

6565g
سامي كليب أغسطس 31, 2014 197
كانت امه الفقيرة المقهورة تحلم أن تراه يوما يكبر بكرامة ويأكل بعزة ويعيش بفخر . شجعته ان يصبح جنديا. كانت تطبع كل اسبوع قبلة على وجنتيه فيبادلها…

ثلاث نتف صوف على لوحة سوداء

01102012-2
صائب خليل أغسطس 30, 2014 181
(طلب أحدنا أن يكتب كل منا نصاً يعبر عن حال العراقيين اليوم ... فكتبت هذه الخاطرة) "خللي نشوف شراح يصير"، قالت النتفة الأولى بصوت خفيض، والتفتت يسرة…

داعشيّ ُالطـَرْفِ أفغانيْ السِماتِ

3179
خلدون جاويد أغسطس 30, 2014 191
" كتبتُها على منوال مستهل القصيدة الشهيرة ـ ذهبيّ الشعر شرقيّ السمات ـ مع الإستئذان " داعشيّ الطـَرْفِ أفغانيْ السِماتِ خطِرُ الأعطافِ دامي الخطواتِ…

مزيد من المعرفة

  • secular-culture
    المشرف العام 870 حزيران 16, 2014

    ما هو تعريف العلمانية؟

    يعرف معجم روبير العلمانية (بفتح العين)، نسبة إلى العالم (بفتح اللام) بأنها :"مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية". وهذا التعريف للعلمانية… تابع القراءة...
  • 6yyuuy
    د فرج خلاف 1000 أيار 26, 2014

    الطاقة النووية و تطبيقاتها

    من خلال التحديات والصراع من أجل استمرار حركة التقدم وعجلة الاقتصاد تسعى الدول جاهدة للحفاظ على مصادر الطاقة المتمثلة فى النفط والفحم ، وتسعى الحكومات للوصول إلى البدائل التى تحافظ على أستمراريها , حيث أثبتت الدراسات عن احتمالية… تابع القراءة...
  • 579445 404965096204024 711427287 n
    ياسر مرزوق 1105 أيار 17, 2014

    قراءة في كتاب نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم

    صادق جلال العظم: فيلسوف ومفكِّر سوريّ ولد في دمشق عام 1934. تخرّج بدرجة امتياز من قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1957 ليحصل بعدها على الدكتوراه من جامعة "ييل " في الولايات المتحدة الأمريكيّة باختصاص الفلسفة المعاصرة… تابع القراءة...
  • 4444
    إعداد: إسراء بحمد 1215 ابريل 27, 2014

    ! الله ، العقل ، الشريعة ، الحكمة ...عند ابن رشد

    المقدّمة:“تبدأ الفلسفة بالدّهشة” إنّه لقول مأثور لأفلاطون. وأيّة دهشة هي هذه؟ إنّها دهشة العقل إزاء معنى الوجود، وأسرار الموجودات! فعندما ينظر المرء إلى جمالات الكون بعين الفكر، ويسمع صوت الحياة بأذن الحكمة، ويؤمن بواجب الوجود… تابع القراءة...
  • 121
    المشرف العام 1522 ابريل 02, 2014

    التاريخ العثماني الاسود ...كي لا نخدع مره أخرى

    تاريخ المحتل الاسود لبلادنا ونجعل من المحتلين والقتله رسول ومشعل للحرية لمجرد ان رايه يوافق اهوائنا حرام نحن محتليين من الاسرة الثلاثين قبل الميلاد كفانا دفاعا عن الذل هذا باب هو باب زويله الذى علق عليه السلطان العادل أبو النصر… تابع القراءة...
  • 002
    المشرف العام 1744 آذار 14, 2014

    العالم والمخترع والعبقري نيكولا تيسلا

    نيكولا تيسلا (10 يونيو 1856 - 7 يناير 1943) مخترع مشهور في العالم كما وأنه كان فيزيائي و مهندس ميكانيكي ومهندس كهربائي. ولد كمواطن صربي في عهد السيطرة النمساوية و صار فيما بعد مواطن أمريكي ولد تيسلا في يوغوسلافيا عام 1856 وتعلم… تابع القراءة...

send-article

مقــالات

بوكو حرام وداعش وبقية العيال الأمريكي

1000
فشل الجيل الأول من المحافظين الجدد في الاستمرار في ابتزاز العالم تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"، وتحقيق خرافة القرن…

في بيتنا خليفة .. وفي دستورنا سقيفة

441
لايصيبني بالسقم الا سماع الكلام الذي يسقط فوق تلال الكلام وتتكسر فيه أنصال الحروف على أنصال الحروف دون أن تصل الى القلب…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

هل نحن كذلك؟؟؟؟

a12
يروى أن حاكم إحدى البلاد البعيدة أصابه مرض خطير فلم يجد الأطباء لعلاجه سوى قطع أنفه، استسلم الحاكم لأمر الأطباء وقاموا…

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو

أحدث التعليقات